في خطوة علمية قد تفتح الباب أمام تطوير تقنيات واسعة النطاق لالتقاط الكربون من المحيطات، طوّر باحثون في كلية الهندسة بجامعة ميشيغان الأمريكية جهازًا كهروكيميائيًا قادرًا على استخراج ثاني أكسيد الكربون المذاب في مياه المحيطات بسرعة، مع التخلص تلقائيًا من تراكم المعادن الذي يمثل أحد أبرز التحديات أمام تشغيل هذه الأنظمة لفترات طويلة.
وتعتمد التقنية الجديدة على عملية دورية لتغيير درجة حموضة مياه المحيطات، بما يسمح باستخراج ثاني أكسيد الكربون، ثم إعادة المياه إلى ظروف أقرب إلى حالتها الطبيعية، مع إمكانية إعادة استخدام المواد الداخلة في العملية من دورة إلى أخرى.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Environmental Science & Technology، وتشير إلى أن التصميم الجديد يعالج مشكلتين أساسيتين تواجهان عمليات التقاط الكربون من مياه البحر، هما تراكم الرواسب المعدنية على الأقطاب، وبطء انتقال الأملاح داخل النظام.
المحيطات تمتص نحو 40% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون
تكتسب تقنيات التقاط الكربون من المحيطات أهمية متزايدة، إذ تمتص المحيطات نحو 40% من إجمالي ثاني أكسيد الكربون الذي أطلقه الإنسان، وهو ما ساهم في زيادة حموضة مياه البحار والمحيطات، بما يهدد الشعاب المرجانية والكائنات البحرية.
وقالت روهيني بالا تشاندران، الأستاذة المشاركة في الهندسة الميكانيكية بجامعة ميشيغان والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن ارتفاع حموضة المحيطات يسبب أضرارًا للنظم البيئية البحرية، مشيرة إلى أن العمل الجديد يمثل خطوة مهمة نحو تطوير تقنية لالتقاط الكربون من المحيطات يمكن تشغيلها على نطاق واسع وفي البيئة المالحة لفترات طويلة.
ولا يقتصر الهدف من التقنية على خفض تركيز ثاني أكسيد الكربون في المياه، إذ يمكن جمع الكربون المستخرج واستخدامه في تطبيقات صناعية، من بينها إنتاج الخرسانة أو وقود الطائرات، وفقًا للباحثين.
كيف يعمل الجهاز؟
يتكون الجهاز من غشاء لتبادل الأيونات موضوع بين لوحين لخلايا التدفق، يبلغ ارتفاع كل منهما نحو 8 سنتيمترات، ويحتويان على قنوات متعرجة تسمح بمرور السوائل داخل النظام.
ويضم الجهاز مسارين منفصلين؛ أحدهما لمياه المحيطات والآخر لمحلول من الأملاح المستخدمة في عملية الأكسدة والاختزال.
في بداية الدورة، تُضخ مياه المحيطات ومحلول الملح إلى خلية التدفق، ثم يُمرر غاز الهيدروجين إلى مياه المحيطات عبر قطب مسامي لنشر الغاز، ما يؤدي إلى بدء مرحلة التحميض وخفض درجة الحموضة إلى نحو 4.
وخلال هذه المرحلة، يحدث اختزال لمحلول الملح، بالتزامن مع إنتاج الكهرباء.
بعد ذلك، تُرش المياه الحمضية داخل حجرة مفرغة من الهواء، ما يؤدي إلى خروج ثاني أكسيد الكربون منها على هيئة فقاعات يمكن جمعها واستخراجها.
وعقب استعادة ثاني أكسيد الكربون، تُعاد مياه المحيطات إلى خلية التدفق نفسها، لكن مع عكس قطبية الأقطاب، لبدء مرحلة إعادة القلوية.
وترفع هذه العملية درجة الحموضة إلى نحو 10.7، مع استهلاك الكهرباء وإنتاج غاز الهيدروجين، وإعادة محلول الملح إلى حالته الأصلية، بما يسمح بإعادة استخدامه في دورة جديدة.
وبعد مرحلة إعادة القلوية، تحتاج مياه المحيطات إلى فترة لإعادة الاتزان مع الغلاف الجوي، فتعود تدريجيًا إلى درجة الحموضة الطبيعية للمحيطات، التي تبلغ نحو 8.1، وتمتص مزيدًا من ثاني أكسيد الكربون من الهواء قبل بدء دورة جديدة.
التنظيف الذاتي يحل مشكلة تراكم المعادن
يمثل تراكم المعادن على الأقطاب، أو ما يعرف بتلوث الأقطاب، مشكلة رئيسية في تقنيات التقاط الكربون الكهروكيميائية، إذ يمكن أن يؤدي تراكم رواسب المغنيسيوم والكالسيوم إلى تراجع أداء الأجهزة وزيادة الحاجة إلى عمليات تنظيف وصيانة متكررة.
ولاختبار قدرة النظام الجديد على التغلب على هذه المشكلة، أجرى الباحثون تجارب باستخدام مياه تحاكي مياه المحيطات، من خلال إذابة ملح أحواض الأسماك في مياه منزوعة الأيونات.
وأظهرت أربع دورات تشغيل متتالية قدرة آلية التنظيف الذاتي على الحد من تراكم الرواسب.
فخلال دورة واحدة، غطت رواسب المغنيسيوم والكالسيوم ما بين 25% و42% من سطح القطب بعد مرحلة إعادة القلوية، لكن بدء دورة جديدة بمرحلة التحميض أدى إلى خفض نسبة التغطية بالرواسب إلى نحو 7% فقط.
وبحسب الباحثين، نجحت العملية في إزالة نحو 86% من تراكم الرواسب من دون الحاجة إلى استخدام أحماض للتنظيف أو إيقاف الجهاز لإجراء عمليات صيانة.
وقالت تشاندران إن هذه النتيجة قد تغير طريقة التعامل مع تراكم الرواسب، من كونه عبئًا يتطلب الصيانة المستمرة إلى مشكلة يمكن للنظام نفسه التعامل معها أثناء التشغيل.
الحفاظ على كفاءة التقاط الكربون
لم يقتصر تأثير آلية التنظيف الذاتي على تقليل أعمال الصيانة، بل ساعدت أيضًا في الحفاظ على استقرار استهلاك الطاقة.
ويقيس الباحثون كثافة الطاقة من خلال كمية الطاقة اللازمة لالتقاط طن واحد من ثاني أكسيد الكربون.
وأظهرت التجارب أن كثافة الطاقة ظلت مستقرة عبر الدورات الأربع، بينما فقدت تقنيات سابقة نحو 67% من أدائها بحلول الدورة الرابعة نتيجة تراكم الرواسب على الأقطاب.
قنوات متعرجة لزيادة سرعة التفاعل
واجه الباحثون تحديًا آخر يتعلق بسرعة وصول الأملاح النشطة إلى سطح الأقطاب، إذ تنتشر هذه المواد ببطء نسبيًا في ظروف التدفق الصفحي.
ولمعالجة المشكلة، عدّل الفريق تصميم قناة تدفق محلول الملح، بإضافة زعانف يبلغ سمكها نحو 1 مليمتر وتمتد داخل القناة بزاوية 30 درجة.
وتعمل هذه الزعانف على تحريك السائل وخلق دوامات أثناء مروره في القنوات المتعرجة، ما يسرّع وصول محلول الملح إلى سطح القطب ويحسن سرعة التفاعلات الكهروكيميائية.
وحقق التصميم معدل تدفق بلغ 50 ملليلترًا في الدقيقة، ووصل إلى كثافة تيار تبلغ 100 مللي أمبير لكل سنتيمتر مربع، وهي قيمة وصفها الباحثون بأنها ضمن نطاق الكثافات الحالية المطلوبة للتطبيقات الصناعية.
عقبة كهربائية لا تزال أمام التطبيق التجاري
ورغم النتائج الواعدة، لا يزال الجهاز بحاجة إلى مزيد من التطوير قبل إمكانية استخدامه على نطاق تجاري واسع.
وأوضح الباحثون أن المقاومة الكهربائية في النموذج الأولي ما زالت أعلى بنحو 100 مرة من المستوى المطلوب للتطبيقات الواقعية.
ويرجع جزء من هذه المشكلة إلى استخدام ألواح خارجية مصنوعة من البلاستيك، ما يؤدي إلى مقاومة مرتفعة عند نقاط التلامس الكهربائية، إضافة إلى التصميم ذي الفجوة الواسعة، الذي يترك طبقة من السائل بين الأقطاب والغشاء.
ويخطط الفريق في المرحلة المقبلة لاستبدال الألواح البلاستيكية بأخرى معدنية، إلى جانب اعتماد تصميم ذي فجوة شبه معدومة، بحيث تتلامس الأقطاب مع الغشاء أو تقترب منه بدرجة كبيرة، بهدف تقليل المقاومة الكهربائية وتحسين كفاءة الجهاز.
التقاط الكربون وخدمة شبكة الكهرباء في الوقت نفسه
ومن بين الجوانب اللافتة في التقنية الجديدة أنها لا تستهلك الكهرباء بصورة مستمرة، إذ تتضمن العملية مرحلة تنتج الكهرباء وأخرى تستهلكها.
ويرى الباحثون أن هذه الخاصية يمكن أن تجعل الجهاز مستقبلًا أصلًا مرنًا للشبكة الكهربائية، بحيث يمكن تشغيل مراحل استهلاك الطاقة خلال فترات انخفاض الطلب، والمساعدة على تخفيف الأحمال خلال ساعات الذروة.
وتشير النتائج إلى إمكانية الجمع بين عدة فوائد في نظام واحد، تشمل استخراج ثاني أكسيد الكربون من مياه المحيطات، والمساعدة في الحد من تحمّض البحار، وإنتاج مواد كربونية يمكن استخدامها صناعيًا، فضلًا عن توفير قدر من المرونة لشبكات الكهرباء.
وقالت تشاندران إن توسيع نطاق استخدام التصميم يمكن أن يجمع بين مكافحة تحمّض المحيطات، واستخراج الكربون للاستخدامات الصناعية، وتقديم خدمات موازنة للشبكة الكهربائية.
ومع استمرار ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وتزايد الضغوط على النظم البحرية، تمثل مثل هذه التقنيات اتجاهًا بحثيًا واعدًا، وإن كان نجاحها على المستوى التجاري سيظل مرتبطًا بخفض استهلاك الطاقة والمقاومة الكهربائية، وإثبات قدرتها على العمل بكفاءة في مياه البحر الحقيقية وعلى مدى فترات تشغيل طويلة.
