جهاز صغير يتحول إلى “صيدلية حية” داخل جسم الإنسان
تقنية جديدة قد تلغي الحاجة للحبوب والحقن اليومية
ماذا لو كان جسمك قادرًا على إنتاج الدواء بنفسه دون الحاجة إلى الحبوب أو الحقن؟ يعمل العلماء الآن على تقنية قد تجعل هذه الفكرة حقيقة.
ابتكر فريق بقيادة جامعة نورثويسترن جهازًا صغيرًا للزرع يعمل كـ “صيدلية حية” داخل الجسم. يحتوي هذا الجهاز على خلايا مصممة خصيصًا لإنتاج الأدوية بشكل مستمر.
قد يغير هذا النظام الطريقة التي يدير بها الناس الأمراض المزمنة؛ فبدلاً من تذكر تناول الدواء يوميًا، يمكن لزرعة واحدة أن توفر العلاج لأسابيع أو أكثر.
نشرت الدراسة في مجلة Device.
جهاز صغير له هدف كبير
يسمى الجهاز الجديد HOBIT، وهو اختصار لـ Hybrid Oxygenation Bioelectronics System for Implanted Therapy.
يقع تحت الجلد بحجم علكة مطوية، ويحتوي على خلايا مصممة لإنتاج أدوية مهمة مباشرة داخل الجسم.
في هذه الدراسة، برمج العلماء الخلايا لإنتاج ثلاثة أدوية بيولوجية في الوقت نفسه:
- جسم مضاد ضد فيروس HIV
- ببتيد مشابه لـ GLP-1 لعلاج مرض السكري من النوع الثاني
- هرمون اللبتين المسؤول عن الشهية والتمثيل الغذائي
هذا المزيج يوضح أن جهازًا صغيرًا واحدًا يمكنه إدارة علاجات متعددة في آن واحد.

الأكسجين يحافظ على عمل الجهاز
تحدٍ رئيسي في مثل هذه الزرعات هو الحفاظ على حياة الخلايا، إذ تحتاج الأكسجين للبقاء على قيد الحياة والعمل.
عندما تُجمع العديد من الخلايا في مساحة صغيرة، يصبح الأكسجين محدودًا، ما يؤدي إلى موت بعض الخلايا وانخفاض إنتاج الدواء.
لحل هذه المشكلة، صمم الفريق نظامًا لإنتاج الأكسجين داخل الجهاز نفسه.
يعتمد هذا على أبحاث سابقة نُشرت في مجلة Nature Communications، حيث أظهر الباحثون أن فصل جزيئات الماء يمكن أن يولد الأكسجين محليًا. الآن، تم تطوير هذا المفهوم إلى نظام زرعي كامل قابل للزرع.
كيفية عمل الصيدلية الحية
يتكون HOBIT من ثلاثة أجزاء رئيسية تعمل معًا:
- غرفة تحتوي على الخلايا المصممة.
- مولد أكسجين صغير يوفر الأكسجين مباشرة حيث يحتاجه الخلايا.
- إلكترونيات وبطارية للتحكم في العملية والتواصل اللاسلكي مع الأجهزة الخارجية.
بفضل إنتاج الأكسجين داخل الزرعة، تحصل الخلايا على إمداد ثابت حتى في البيئات منخفضة الأكسجين، مما يسمح ببقاء عدد أكبر من الخلايا على قيد الحياة وإنتاج الأدوية بكفاءة أعلى مقارنة بالطرق القديمة.
قال الدكتور جوناثان ريفني، أستاذ الهندسة الطبية الحيوية في جامعة نورثويسترن والمشارك في الدراسة: “تسلط هذه الدراسة الضوء على الإمكانات الكبيرة لمنصة بيولوجية هجينة متكاملة لعلاج الأمراض”.
اختبار الزرعة
لتقييم فاعلية الجهاز، زرعه الباحثون تحت جلد الفئران، ثم قاموا بقياس كمية الأدوية التي أنتجتها الخلايا لمدة 30 يومًا.
أظهرت النتائج فروقًا واضحة بين الأجهزة المدعومة بالأكسجين وتلك التي بلا دعم أكسجيني.
في الزرعات المدعومة بالأكسجين، بقيت مستويات الأدوية الثلاثة مستقرة طوال فترة الدراسة، بينما تراجعت الأدوية قصيرة العمر في الأجهزة غير المدعومة خلال أسبوع واحد، حتى الأدوية طويلة العمر انخفضت تدريجيًا مع الوقت.
الحفاظ على حياة الخلايا
البقاء على قيد الحياة مفتاح نجاح هذه الزرعات. في نهاية التجربة، كان حوالي 65٪ من الخلايا في الأجهزة المدعومة بالأكسجين لا تزال حية، مقارنة بـ 20٪ فقط في الأجهزة دون أكسجين.
يظهر هذا الفرق الكبير أهمية نظام إنتاج الأكسجين للحفاظ على خلايا صحية، وهو ما يضمن إنتاج أدوية مستمر وفعّال لعلاج الحالات المزمنة.
قال الدكتور ريفني: “نظرًا لأن مصانع الخلايا المزروعة تنتج الأدوية باستمرار، فإن الحفاظ على الخلايا حية باستخدام تقنيتنا للأكسجة يسمح لنا بالحفاظ على مستويات ثابتة لعدة علاجات في وقت واحد”.
الصيدلية الحية قد تغيّر العلاجات الطبية
تفتح هذه التقنية الباب أمام إمكانات مستقبلية عديدة. يخطط العلماء الآن لاختبار الجهاز في حيوانات أكبر واستكشاف علاجات لأمراض محددة، بما في ذلك زرع خلايا البنكرياس لعلاج مرضى السكري.
لم تعد فكرة مصنع أدوية قابل للبرمجة داخل الجسم مجرد خيال علمي؛ فقد تقلل أجهزة مثل HOBIT الحاجة إلى الأدوية المنتظمة وتسهّل العلاج لملايين الناس.
قال الدكتور ريفني: “نبدأ الآن برؤية كيفية عمل البيوالإلكترونيات وعلاج الخلايا معًا على منصة واحدة”.
مع استمرار الأبحاث، قد تصبح الصيدليات الحية أداة قوية في الطب، لتغيير الطريقة التي نفكر بها في العلاج وجعل الرعاية الصحية أبسط وأكثر ذكاءً وفعالية.





