تشهد جرينلاند تصاعدًا لافتًا في الاهتمام الأميركي، بعد أن أعاد الرئيس دونالد ترامب طرح فكرة سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة، في سياق يتجاوز الجدل السياسي إلى اعتبارات اقتصادية واستراتيجية أوسع.
ويأتي هذا الاهتمام في وقت تتزايد فيه أهمية القطب الشمالي بوصفه مجالًا للتنافس على الموارد والمعادن الحرجة، وكذلك على الممرات البحرية التي قد يعيد ذوبان الجليد فتحها أمام التجارة العالمية.
وفي المقابل، قوبلت الطروحات الأميركية برفض صريح من الدنمارك وحكومة غرينلاند، اللتين شددتا على أن الجزيرة ليست معروضة للبيع.
غير أن تقارير غربية تشير إلى أن النقاش لا يدور فقط حول مسألة السيادة، بل يتصل أيضًا بكلفة النفوذ والعائد الاقتصادي في منطقة تشهد تحولات متسارعة. وبين خطاب الأمن القومي وحسابات السوق، تتحول غرينلاند إلى ملف اقتصادي–سياسي مفتوح داخل معادلة القوة الدولية.
اقتصاد القطب الشمالي.. معادن نادرة وطاقة
تشير تقارير من بلومبيرج و«تلجراف» إلى أن جرينلاند تُقدَّم اليوم بوصفها «كنزًا محتملًا من الموارد الطبيعية»، إذ يمكن العثور فيها على 37 معدنًا من أصل 50 معدنًا تصنفها الولايات المتحدة «حرجة»، بكميات متوسطة أو مرتفعة، استنادًا إلى مسح أُجري عام 2023.
وتدخل هذه المعادن في صميم الصناعات الدفاعية عالية التقنية، وتقنيات الطاقة المتجددة، والبطاريات، والمغناطيسات المتقدمة، في وقت تهيمن فيه الصين على جزء كبير من سلاسل إنتاجها وتوريدها عالميًا.
وتضيف صحيفة «تلغراف» أن غرينلاند تمتلك نحو 7% من المياه العذبة العالمية المخزنة في صفائحها الجليدية، وهو رقم يرفع القيمة الاقتصادية للجزيرة في عالم يتجه إلى مزيد من شح الموارد.
كما تتحدث تقارير عن احتياطيات غير مطوّرة من النفط والغاز يُعتقد أنها من الأكبر في القطب الشمالي، مع تقديرات تشير إلى أنها قد تمثل ثالث أكبر احتياطي في المنطقة. ولا يفتح ذوبان الجليد المتسارع بفعل التغير المناخي نافذة للتعدين فحسب، بل يخلق أيضًا ممرات شحن أقصر بين أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا، ما يقلص كلفة النقل والتأمين ويعيد تشكيل حسابات التجارة البحرية.
صفقة تريليونية أم عبء مالي؟
من زاوية اقتصادية مباشرة، تحذّر بلومبيرج من أن أي استحواذ أميركي محتمل سيأتي بكلفة مرتفعة ومعقّدة سياسيًا وماليًا. فقد قدّرت «واشنطن بوست» عام 2019 قيمة غرينلاند بما يصل إلى 1.7 تريليون دولار، على افتراض أنها أصل قابل للبيع، وهو تقدير يُستعاد كثيرًا في النقاش العام بوصفه مرجعًا لحجم «الشيك» المتوقع.
وتذهب «تلجراف» إلى أن المسألة لا تتوقف عند ثمن الشراء، بل تتعداه إلى أعباء دعم منطقة تُعد من الأدنى دخلًا للفرد في القطب الشمالي، باستثناء روسيا، ما يعني أن أي ضم محتمل سيكون مصحوبًا بفاتورة تشغيلية طويلة الأجل تشمل البنية التحتية، والإسكان، والخدمات، والمطارات، والموانئ، والاتصالات، في بيئة مناخية قاسية.
في المقابل، يشير خبراء إلى أن تقليص الاعتماد على المعادن الصينية قد يمنح واشنطن «عائدًا جيوسياسيًا–اقتصاديًا» يصعب قياسه بالأرقام الفورية، لأنه يرتبط بأمن سلاسل التوريد ومرونة الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
وبين نموذج «الصفقة العقارية» ونموذج «الاستثمار الاستراتيجي»، تبدو غرينلاند حالة تختلط فيها حسابات الربح والخسارة بحسابات السيطرة والردع.
الأمن القومي كغطاء اقتصادي
ويكرر ترامب، وفق هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أن «الولايات المتحدة تحتاج إلى جرينلاند من أجل الأمن القومي، لا من أجل المعادن»، في صيغة تحاول فصل السياسة الدفاعية عن الإغراءات الاقتصادية. غير أن التقارير نفسها تُبرز التداخل الوثيق بين الأمن والاقتصاد.
فجزيرة جرينلاند تمنح موقعًا متقدمًا لمراقبة القطب الشمالي، الذي يُتوقع أن يتحول إلى ساحة تنافس على طرق التجارة والموارد. وتضم الجزيرة قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي تُعد أقصى قاعدة أميركية شمالًا، وتحتوي على منظومات رادار للإنذار المبكر من الصواريخ الباليستية ومراقبة الفضاء، ما يمنحها قيمة استراتيجية يصعب تعويضها ببدائل قريبة.
وتشير بلومبيرج إلى أن السيطرة أو النفوذ الأوسع على جرينلاند قد يتيح لواشنطن فرصًا جديدة لتوسيع حضورها الجوي والبحري وتعزيز مراقبة الأنشطة الروسية والصينية، خصوصًا مع ازدياد حركة السفن والاهتمام العسكري بالمنطقة.
وفي خلفية هذا الخطاب، تُقرأ «الضرورة الأمنية» وسيلةً لتبرير استثمار ضخم في بنية قطبية قد تتحول لاحقًا إلى منصة لاقتصاد الموارد والنقل، ليصبح الأمن القومي إطارًا سياسيًا لتسويق مشروع اقتصادي طويل الأمد.
الصين وروسيا.. سباق الموارد والممرات
وتلفت «تلجراف» إلى أن بكين وموسكو تعملان معًا لتعزيز نفوذهما في القطب الشمالي، ليس بالمعنى العسكري فقط، بل عبر مسارات الاستثمار والتمويل ومشاريع البنية اللوجستية المرتبطة بالنقل والموارد.
وفرضت الصين مؤخرًا قيودًا على تصدير المعادن ردًا على القيود الأميركية على أشباه الموصلات المتقدمة، ما زاد من حساسية ملف المعادن النادرة اقتصاديًا، وأعاد طرح سؤال الاعتماد على مورد واحد في سلعة استراتيجية.
وتستشهد الصحيفة بتقييمات أميركية ترى القطب الشمالي «مفترق طرق عالميًا جديدًا» للمواد الخام والممرات البحرية، بما يعني أن أي سيطرة أو شراكات حصرية هناك ستنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج العالمي في قطاعات التكنولوجيا والطاقة.
الناتو والاقتصاد السياسي للتحالف
تحذّر مجلة «ذا أتلانتيك» من أن أي محاولة أميركية لفرض السيطرة على غرينلاند قد تطلق سلسلة تفاعلات قد تُشلّ حلف شمال الأطلسي، إذ ستضع أعضاء الحلف أمام إشكالية قانونية وسياسية غير مسبوقة: ماذا يحدث إذا هددت دولة عضو سيادة دولة عضو أخرى؟
اقتصاديًا، يترجم هذا النوع من الصدمات فورًا إلى حالة من عدم اليقين في الاستثمارات العابرة للأطلسي، وإلى إعادة تسعير للمخاطر في قطاعات الدفاع والطاقة والنقل البحري.
وتنقل «بي بي سي» تحذيرًا دنماركيًا مفاده أن أي محاولة للسيطرة على غرينلاند قد تعني نهاية الناتو، وهو كلام يحمل أبعادًا اقتصادية تتجاوز السياسة، لأن التحالف لا يمثل إطارًا عسكريًا فحسب، بل يشكل مظلة استقرار للأسواق الأوروبية والأميركية.
وفي هذا السياق، تتحول جرينلاند إلى اختبار لميزان القوة داخل التحالف، وإلى نقطة قياس لكلفة الاعتماد الأوروبي على المظلة الأميركية، وكلما طال الجدل، ارتفعت كلفة عدم اليقين على طرفي الأطلسي، من صفقات السلاح إلى عقود الطاقة والبنى القطبية.
ماذا يعني كل ذلك؟
تتقاطع روايات التقارير عند حقيقة واحدة، وهي أن غرينلاند ليست مجرد قضية سيادة أو خطاب انتخابي، بل رهان اقتصادي طويل الأمد على المعادن الحرجة، والمياه، والطاقة، والممرات البحرية.
وبين كلفة تريليونية محتملة وعوائد استراتيجية مؤجلة، تبدو شهية ترامب لغرينلاند انعكاسًا لتحول أعمق في الاقتصاد السياسي العالمي، حيث تُعاد رسم الخرائط لا بالحروب التقليدية وحدها، بل بحسابات الموارد وسلاسل التوريد في عصر التغير المناخي.