توتر الأمهات بعد الولادة يزيد خطر تأخر النمو لدى الأطفال
تأثير صامت يعيق تطور مهارات الطفل المبكرة.. أخطر فترة يتأثر فيها الرضيع
تشهد الحياة المبكرة لدى الطفل تغيرات سريعة؛ إذ يكتسب الصغير قدرات جديدة بوتيرة لا تتكرر لاحقًا. فمع كل أسبوع تزداد مهاراته في الحركة والنطق والفضول والتواصل الاجتماعي.
ويقود مقدمو الرعاية معظم هذا التطور عبر توفير الطمأنينة والبنية والتنظيم ومساحة آمنة للاستكشاف، وتُسهم التجارب الأولى في تشكيل أنماط قد تؤثر في التعلم والثقة والتوازن العاطفي مستقبلاً.
نُشرت الدراسة في دورية JAMA Network Open.
يدرس العلماء العوامل التي قد تعطل هذا النمو المبكر، ويبرز من بينها الضغط النفسي لدى الأم، إذ يمكن أن يؤثر في الارتباط العاطفي، وتنظيم الحياة اليومية، والإشارات البيولوجية التي تصل إلى الطفل. وقد ظل تحديد الفترة التي يكون فيها هذا الضغط أكثر تأثيرًا سؤالًا محوريًا في علم النمو.
الضغط النفسي لدى الأمهات
وتقدم دراسة حديثة في اليابان إجابة واضحة؛ إذ تشير نتائجها إلى نافذة زمنية محددة يترك فيها الضغط النفسي لدى الأمهات أثرًا عميقًا في تطور الطفل، ما يمنح الأسر وبرامج الصحة العامة توجيهًا مهمًا.
ينمو دماغ الطفل ويتشكل بسرعة استثنائية من الحياة الجنينية وحتى سن الثانية؛ حيث تتكون المسارات العصبية وتتعزز استجابةً للتجارب اليومية.
ويُعد دعم مقدمي الرعاية عنصرًا أساسيًا في هذا التقدم، من خلال التفاعل الدافئ والروتين المنتظم وإتاحة فرص الاستكشاف، وهي عوامل تبني مهارات التواصل والتحكم الحركي وحل المشكلات والفضول الاجتماعي.
لكن الضغط النفسي لدى الأم خلال الحمل أو في العام الأول بعد الولادة قد يعطل هذه العملية؛ إذ يؤثر في سلوكيات الرعاية، ويقلل الصبر، ويحد من التفاعل واللعب، ويجعل تهدئة الطفل أكثر صعوبة.
كما يمكن أن يقلص مدة الرضاعة الطبيعية، ما ينعكس على التغذية والارتباط العاطفي. وقد يؤدي ارتفاع معدل الكورتيزول لدى الأم إلى التأثير في نمو الجنين، كما يزيد الضغط أثناء الحمل احتمالات الولادة المبكرة وما يرافقها من تحديات.
دائرة تأثير متبادلة بين الأم والطفل
وفي الاتجاه الآخر، قد تُسهم مشكلات الطفل الصحية أو صعوبات التغذية أو التأخر في التواصل في زيادة ضغط الأم، ما يؤدي إلى دائرة تأثير متبادلة بين الأم والطفل تجعل التطور المبكر حساسًا للغاية للحالة النفسية لدى الطرفين.
قدّم مشروع بحثي ضخم في اليابان فرصة نادرة لدراسة هذه العلاقة، إذ شمل أكثر من 82 ألف زوج من الأمهات والأطفال.
وسُجل الضغط النفسي لدى الأمهات خلال أواخر الحمل ومرة أخرى عند بلوغ الطفل عامه الأول، باستخدام استبيان قصير يُعرف باسم K6 لرصد الضغوط العاطفية. وتابعت الفحوص الدورية بعد الولادة تطور مهارات التواصل والحركة وحل المشكلات والسلوك الاجتماعي حتى مرحلة الطفولة المبكرة.
تأثير الضغط النفسي بعد الولادة
ولفحص العلاقة السببية، استخدم الباحثون نماذج إحصائية متقدمة، من بينها “النموذج البنيوي الهامشي”، الذي يميز تأثير الضغط خلال الحمل عن تأثيره في العام الأول بعد الولادة، كما حدّ من الانحياز الناتج عن تأثير الطفل في ضغط الأم والعكس. وساعدت النماذج المرجّحة في ضبط عوامل الدخل والتعليم والعادات الحياتية والدعم الأسري والظروف المرتبطة بالولادة، ما أتاح صورة أوضح لتطور الطفل.
وأظهرت النتائج أن تأثير الضغط النفسي بعد الولادة كان أقوى من تأثيره خلال الحمل، إذ ارتفعت مخاطر التأخر النمائي في مجالات التواصل والتحكم الحركي والمهارات الاجتماعية وحل المشكلات. وعندما ظهر الضغط في الفترتين معًا، ارتفع الخطر بدرجة أكبر بطريقة تراكمية.
وقال الدكتور كينتا ماتسومورا من جامعة الصحة والرفاه في أوموري: “تشير نتائجنا بوضوح إلى ضرورة دعم الصحة النفسية للأمهات منذ الحمل وحتى نهاية العام الأول بعد الولادة”.
وتبرز هذه الأنماط أهمية توفير دعم مستمر للصحة النفسية للأمهات، مع أن دعم مرحلة الحمل يظل ضروريًا، إلا أن العام الأول بعد الولادة يبدو أكثر حساسية وتأثيرًا في خفض المخاطر. وأكّد الباحثون أن هذه النتائج يمكن أن توجه السياسات الصحية والاجتماعية المبنية على الأدلة.
وتُضيف الدراسة قوة تحليلية بفضل حجم العينة الكبير واستخدام نماذج سببية متقدمة، فيما تظل أدوات الفحص مثل K6 غير مثالية، إلا أن التكرار عبر فترات مختلفة يعزز مصداقية النتائج. وتشير الأبحاث المستقبلية المرتقبة إلى إمكانية كشف المسارات البيولوجية بدقة أكبر وتحسين برامج الدعم النفسي للأمهات، بما يسهم في خفض التأخر النمائي لدى الأطفال وتخفيف العبء على الأسر.





