تغيّر المناخ يفتح الباب لتفشي أوبئة جديدة من الحيوانات إلى البشر

9 % من مساحة الأرض مهددة بتفشي أمراض قاتلة بسبب تغيّر المناخ

تشير دراسة بحثية جديدة إلى أن تغيّر المناخ يخلق “نقاط ضعف جديدة” تسهم في زيادة احتمالات تفشي الأوبئة في مختلف أنحاء العالم.

تتناول الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science Advances، تسعة أمراض حيوانية المنشأ – وهي العدوى التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر – وتتمتع بقدرة عالية على التسبب في حالات طوارئ صحية عامة حادة.

ومن بين هذه الأمراض: فيروس زيكا، وإيبولا، ومتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس).

ووفقًا للبحث، فإن 9% من مساحة اليابسة على الكوكب معرضة حاليًا لخطر “مرتفع” أو “مرتفع للغاية” لتفشي هذه الأمراض.

ويخلص مؤلفو الدراسة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة هطول الأمطار، وندرة المياه، تُعد من “العوامل الرئيسية” في انتشار هذه الأمراض.

مع ذلك، قوبلت هذه الورقة البحثية بردود فعل متباينة من قبل علماء آخرين.

فبينما أشاد أحد الخبراء غير المشاركين في الدراسة بحداثتها ودقتها، رأى آخر، في تصريح لموقع كاربون بريف، أن البحث لم يُحط ببعض العوامل الرئيسية المسببة للأمراض الحيوانية المنشأ، مشيرًا إلى أن “فكرة إمكانية إجراء تقييم واحد للمخاطر العالمية يناسب الجميع هي فكرة غير صحيحة”.

تفشي أوبئة جديدة من الحيوانات إلى البشر

ما هي الأمراض الحيوانية المنشأ؟

يوجد أكثر من 200 مرض حيواني المنشأ معروف، وهي عدوى تنتقل إلى البشر من الحيوانات الأليفة أو الماشية أو الحيوانات البرية.

تنتقل هذه الأمراض عندما يعبر العامل المُمْرِض، مثل الفيروسات أو البكتيريا أو الطفيليات أو الفطريات، من الحيوان إلى الإنسان، سواء من خلال اللدغات، أو ملامسة الدم، أو اللعاب، أو البراز.

ومن أبرز الأمثلة على هذه الأمراض: داء لايم، وداء الكلب، وإنفلونزا الطيور، وكوفيد-19، الذي يُعتقد أنه أودى بحياة مئات الآلاف منذ ظهوره لأول مرة لدى البشر عام 2019.

تحمل الحيوانات، التي تُعرف بـ”العوائل”، مسببات الأمراض؛ فعلى سبيل المثال، تُعد الكلاب العوائل الرئيسية لداء الكلب.

تُحدّث منظمة الصحة العالمية بانتظام قائمتها الخاصة بـ”الأمراض ذات الأولوية”، والتي تضم أمراضًا حيوانية المنشأ قد تتسبب في طوارئ صحية عامة مثل الأوبئة (ارتفاع حاد في عدد الحالات في منطقة محددة) أو الجوائح (انتشار عالمي واسع النطاق للمرض).

تغيّر المناخ وانتشار الأوبئة

يتزايد عدد الأمراض الحيوانية المنشأ الجديدة بوتيرة سريعة. وهناك عدة عوامل تؤثر في انتشارها، يأتي على رأسها المناخ.

تزدهر مسببات الأمراض، وكذلك الحيوانات التي تحملها، في المناخات الدافئة والرطبة؛ ولذلك تنتشر العديد من هذه الأمراض في المناطق الاستوائية.

كما يُعد الاتصال المتكرر بين البشر والحيوانات عاملًا رئيسيًا آخر. فعندما يعيش الناس بالقرب من مناطق ذات تنوع بيولوجي غني، مثل الغابات، يزداد خطر انتقال الأمراض.

تفشي أوبئة جديدة من الحيوانات إلى البشر

رسم خرائط المخاطر

جمع الباحثون بيانات حول تفشي الأمراض الحيوانية المنشأ المُدرجة على قائمة الأولويات لدى منظمة الصحة العالمية خلال الفترة من 1975 إلى 2020، اعتمادًا على بيانات الشبكة العالمية للأمراض المعدية والوبائيات.

استُبعد مرض كوفيد-19 من التحليل رغم كونه مدرجًا على قائمة الأولويات، وذلك بسبب انتشاره الهائل الذي غطى العالم، ما يجعل من الصعب رصد أنماطه المكانية بدقة.

عرّفت الدراسة “تفشي المرض” بأنه حالتان أو أكثر مرتبطتان بنفس المرض، أو عدد من الحالات يفوق المتوقع، أو حالة واحدة ناجمة عن مُمْرِض يُشكل تهديدًا كبيرًا للصحة العامة.

وحدّد المؤلفون 131 تفشيًا مرتبطًا بأمراض ذات قابلية للتحول إلى أوبئة أو جوائح، خلال الفترة المذكورة.

العوامل المؤثرة على الانتقال

استخدم الباحثون بيانات الأقمار الصناعية لتحديد تسعة عوامل خطر محتملة تسهم في انتقال الأمراض الحيوانية المنشأ:

اعتمد المؤلفون على نموذج تنبؤي قائم على تقنيات التعلم الآلي لدمج هذه المتغيرات وتحديد خريطة خطر تفشي هذه الأمراض في مختلف المناطق.

كما أجروا تعديلات في النموذج لمراعاة التفاوت في تسجيل بيانات تفشي الأمراض، حيث تميل الدول المتقدمة إلى رصد وتوثيق الحالات بشكل أدق من الدول النامية.

تفشي أوبئة جديدة من الحيوانات إلى البشر

نتائج الدراسة

تُظهر خريطة المخاطر الناتجة أن نصف الكرة الجنوبي – خصوصًا أمريكا اللاتينية وأوقيانوسيا – أكثر عرضة لتفشي الأوبئة مقارنةً بنصف الكرة الشمالي، الذي تُعدّ أوروبا وأمريكا الشمالية من أبرز مناطقه ذات الخطر المحدود.

وتشير النتائج إلى أن نحو 9% من مساحة اليابسة في العالم، والتي يقطنها قرابة 130 مليون نسمة، معرضة لخطر “مرتفع” أو “مرتفع للغاية”.

وتقول الدكتورة أنجيلا فانيلي، المؤلفة الرئيسية للدراسة والباحثة في مجلس البحوث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية، إن هذه الدراسة “هي الأولى التي تفحص العوامل المشتركة المسببة للأمراض الحيوانية المنشأ ذات القدرة الوبائية والجائحة على نطاق عالمي”.

مؤشر مخاطر الأوبئة

اعتمد الباحثون على بيانات اللوائح الصحية الدولية لتقييم قدرة الدول على الاستجابة للأحداث المتعلقة بالأمراض الحيوانية المنشأ عند التماس بين البشر والحياة البرية.

وبدمج هذه البيانات، طور الفريق البحثي “مؤشرًا لمخاطر الأوبئة”، يصنّف الدول وفقًا لمستوى التهديد الحيواني المنشأ وقدرتها على الاستجابة.

وتُظهر النتائج أن بابوا غينيا الجديدة تُعدّ من أكثر الدول تعرضًا للخطر.

آليات التأثير المناخي

حلّلت الدراسة كيف تؤثر العوامل البيئية المختلفة على خطر تفشي الأمراض.

وبيّنت النتائج أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة هطول الأمطار يرفعان من احتمالات انتقال العدوى، إذ إن العوائل الطبيعية للمُمْرِضات تتكيّف غالبًا مع البيئات الحارة والرطبة.

كما وجد الباحثون أن “ندرة المياه المعتدلة” مرتبطة بأعلى خطر لتفشي الأمراض، ربما بسبب تجمع الحيوانات حول مصادر المياه القليلة المتبقية، مما يسهل انتقال المُمْرِضات.

أما “الظروف القاحلة للغاية”، فقد تؤدي إلى انقراض العوائل، وبالتالي توقف انتشار المُمْرِض.

وتوضح فانيلي، أن تغيّر المناخ يمكن أن يُضعف قدرة المجتمعات على الصمود، كما يؤدي إلى نقص في المياه يضر بجودة المياه والنظافة والصرف الصحي، ما يزيد بدوره من خطر تفشي الأمراض.

تغير استخدام الأراضي وكثافة السكان

أكدت الدراسة أن إزالة الغابات وتغير استخدام الأراضي يزيدان من فرص التواصل بين البشر والحيوانات البرية، ما يفتح الباب لانتقال مسببات الأمراض.

وترتبط الكثافة السكانية، سواء للبشر أو للماشية، بزيادة احتمالية تفشي الأمراض الحيوانية المنشأ، إذ تسهّل هذه الكثافة انتقال المُمْرِضات وانتشارها.

استقبال علمي متباين

قوبلت الدراسة بردود أفعال متباينة في الأوساط العلمية.

قال الدكتور إبراهيم ضيوف، باحث ما بعد الدكتوراه في المناخ والصحة بجامعة الشيخ أنتا ديوب في السنغال، إن الدراسة “تقدم منظورًا أكثر شمولاً” من الأبحاث التي تركز على مرض واحد، واصفًا منهجيتها بأنها “سليمة ومبتكرة وشفافة”.

وأشاد بدورها في ربط النمذجة البيئية بتخطيط الصحة العامة، معتبرًا أن دولًا مثل جمهورية الكونغو ومدغشقر، التي تجمع بين المخاطر العالية والقدرة المحدودة على الاستجابة، تستحق دعمًا موجّهًا من برامج التكيّف الإقليمية أو متعددة الأطراف.

في المقابل، انتقد الدكتور كولين كارلسون، أستاذ علم الأوبئة بجامعة ييل، منهجية الدراسة، مشيرًا إلى أن نتائجها تُبنى على متغيرات ترتبط بالبيئات الاستوائية مثل الغابات المطيرة ذات الكثافة الحيوية العالية، متجاهلة عوامل أخرى مهمة مثل الفقر.

واعتبر أن “فكرة إجراء تقييم عالمي موحد للمخاطر الصحية فكرة غير دقيقة”، مشددًا على أن “رواية أن الأوبئة تنبع فقط من بلدان الجنوب العالمي، وأن سكانها أقل قدرة أو رغبة في منعها، هي رواية مغلوطة”.

Exit mobile version