تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض.. حل ممكن أم وهم مناخي؟
تطوير نموذج يوفر طريقة أكثر عملية وموثوقية للتنبؤ بمدى سرعة توسيع نطاق تقنيات تخزين الكربون
غالبًا ما يُنظر إلى تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض، وهو أحد المكونات الرئيسية لتكنولوجيا احتجاز الكربون وتخزينه، باعتباره حلاً حيويًا لمكافحة تغير المناخ.
وفي ضوء الحاجة الملحة إلى معالجة ظاهرة الانحباس الحراري العالمي، تم التحقيق بدقة في العديد من الأساليب المحتملة لاحتجاز الكربون.
رغم أن مفهوم تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض يعد مفهوما واعدا، فإن الأبحاث الأخيرة التي أجرتها إمبريال كوليدج لندن تسلط الضوء على القيود والتحديات الهامة المرتبطة بتوسيع نطاق هذه التكنولوجيا.
وتعتمد السيناريوهات الدولية الحالية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي إلى أقل من 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 بشكل كبير على التقنيات القادرة على إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي للأرض بمعدلات غير مسبوقة.
وتهدف هذه الاستراتيجيات إلى إزالة ما بين 1 و30 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا بحلول عام 2050، ومع ذلك، فإن التقديرات بشأن السرعة التي يمكن بها نشر هذه التقنيات كانت إلى حد كبير تكهنية.
وتشير الدراسة إلى أن التوقعات الحالية من غير المرجح أن تتحقق في ظل وتيرة التنمية الحالية.
عدم اليقين في توقعات التخزين
وقال يوتينج تشانج، المؤلف الرئيسي من قسم علوم الأرض والهندسة في إمبريال كوليدج: “هناك العديد من العوامل التي تلعب دورًا في هذه التوقعات، بما في ذلك السرعة التي يمكن بها ملء الخزانات بالإضافة إلى قضايا جيولوجية وجغرافية واقتصادية وتكنولوجية وسياسية أخرى”.
ويضيف “ومع ذلك، فإن النماذج الأكثر دقة مثل تلك التي قمنا بتطويرها سوف تساعدنا على فهم كيف يمكن لعدم اليقين في سعة التخزين، والاختلافات في القدرة المؤسسية عبر المناطق، والقيود المفروضة على التنمية أن تؤثر على خطط المناخ والأهداف التي وضعها صناع السياسات.”
توصل الخبراء إلى أن تخزين ما يصل إلى 16 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض سنويًا بحلول عام 2050 أمر ممكن، لكنه يتطلب زيادة كبيرة في سعة التخزين والتوسع الذي لا تدعمه مستويات الاستثمار والتطوير الحالية.
خطط واقعية لتخزين ثاني أكسيد الكربون
وفي حين تتطلع حكومة المملكة المتحدة إلى وضع بريطانيا كقوة عظمى في مجال الطاقة النظيفة من خلال مبادرات مثل التقاط الكربون وتخزينه، فإن البحث يؤكد على الحاجة إلى مواءمة مثل هذه الطموحات مع الأهداف الواقعية للتخزين الآمن والفعال لثاني أكسيد الكربون.
كما أشار المؤلف المشارك الدكتور صامويل كريفور، من قسم علوم الأرض والهندسة في إمبريال كوليدج، “على الرغم من أن تخزين ما بين ستة إلى 16 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا لمعالجة تغير المناخ أمر ممكن من الناحية الفنية، فإن هذه التوقعات المرتفعة أكثر عدم يقين من التوقعات المنخفضة”.
وأضاف “ويرجع هذا إلى عدم وجود خطط قائمة من جانب الحكومات أو اتفاقيات دولية لدعم مثل هذا الجهد الضخم، ومع ذلك، فإن خمسة جيجا طن من الكربون التي تدخل إلى الأرض لا تزال تشكل مساهمة كبيرة في التخفيف من آثار تغير المناخ”.
نمذجة تخزين ثاني أكسيد الكربون
قام الباحثون بتطوير نماذج لإظهار مدى سرعة توسيع نطاق أنظمة تخزين الكربون بشكل واقعي، مع الأخذ في الاعتبار عوامل مثل الجيولوجيا المناسبة، والقيود الاقتصادية، والجدوى التكنولوجية.
وتشير هذه النماذج إلى أنه رغم إمكانية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على نطاق واسع، فإن الطريق إلى تحقيق هذه الغاية والمساهمة من المناطق الرئيسية قد تختلف بشكل كبير عن التوقعات الحالية.
على سبيل المثال، تتساءل الدراسة عن التوقعات المفرطة التفاؤل التي كثيرا ما نجدها في تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وخاصة بالنسبة لدول مثل الصين وإندونيسيا وكوريا الجنوبية، حيث معدل التنمية الحالي منخفض.
وأشار البروفيسور كريستوفر جاكسون، المؤلف المشارك في الدراسة من قسم علوم الأرض والهندسة في إمبريال كوليدج، إلى أنه “بينما تلعب نماذج التقييم المتكاملة دورًا مهمًا في مساعدة صناع السياسات المناخية على اتخاذ القرارات، فإن بعض الافتراضات التي يقومون بها عندما يتعلق الأمر بتخزين كميات كبيرة من الكربون تحت الأرض تبدو غير واقعية”.
“تشير نتائجنا إلى أن هناك حاجة إلى معايير أكثر قابلية للتحقيق ودقة لتوجيه السياسات والاستثمار.”
وضع معيار عالمي واقعي
وتشير تحليلات الفريق إلى أن المعيار العالمي الأكثر واقعية لتخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض قد يكون في نطاق 5-6 جيجا طن سنويا بحلول عام 2050.
ويتماشى هذا التوقع مع أنماط النمو التي لوحظت في الصناعات القائمة، بما في ذلك التعدين والطاقة المتجددة .
ومن خلال تطبيق أنماط النمو التاريخية هذه على تخزين ثاني أكسيد الكربون، تمكن الباحثون من تطوير نموذج يوفر طريقة أكثر عملية وموثوقية للتنبؤ بمدى سرعة توسيع نطاق تقنيات تخزين الكربون.
وأوضح الدكتور كريفور أن “دراستنا هي الأولى التي تطبق أنماط النمو من الصناعات القائمة على تخزين ثاني أكسيد الكربون، ومن خلال استخدام البيانات التاريخية والاتجاهات من قطاعات أخرى، يوفر نموذجنا الجديد نهجًا واقعيًا وعمليًا لتحديد أهداف قابلة للتحقيق لتخزين الكربون، مما يساعد صناع السياسات على اتخاذ قرارات مستنيرة”.
يسلط البحث، الذي تم تمويله من قبل مجلس أبحاث الهندسة والعلوم الفيزيائية والأكاديمية الملكية للهندسة، الضوء على أهمية تحديد أهداف واقعية في الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ.
ورغم أن تخزين الكربون تحت الأرض يمثل استراتيجية واعدة، فإن فهم إمكاناته وحدوده أمر بالغ الأهمية لتحقيق أفضل استفادة من هذه التكنولوجيا.





