كتب: محمد كامل
في الوقت الذي يمثل فيه فاقد وهدر الخضروات والفاكهة تحديًا للأمن الغذائي، يمكن أن يتحول جزء من هذا الفائض إلى فرصة اقتصادية حقيقية من خلال تجفيف المنتجات الزراعية وتحويلها إلى سلع ذات عمر تخزيني أطول وقيمة مضافة أعلى.
ولا يتطلب مشروع التجفيف بالضرورة استثمارات ضخمة في بدايته، إذ يمكن تطويره تدريجيًا من نطاق منزلي أو أسري إلى مشروع صغير متخصص، بشرط اختيار المحاصيل المناسبة، وتجهيز موقع ملائم، والالتزام بقواعد النظافة والسلامة وجودة التجفيف والتعبئة.
وفي هذا السياق، تحدثت الدكتورة أمل أبو الفتوح العوضي، رئيس قسم تداول الخضر بمعهد بحوث البساتين، مركز البحوث الزراعية، لـ«المستقبل الأخضر»، عن أهمية تجفيف الخضروات والفاكهة، والعوامل التي تؤثر في جودة المنتج، وكيفية اختيار موقع التجفيف والمساحات المطلوبة، إلى جانب خطوات تجهيز وتجفيف المحاصيل والجدوى الاقتصادية للمشروع والأسواق التي يمكن أن تستقبل المنتجات المجففة.
لماذا يمثل تجفيف الخضروات والفاكهة فرصة اقتصادية؟
أوضحت أبو الفتوح أن نسب الفاقد والهدر في محاصيل الخضروات والفاكهة مرتفعة، وتقدر بنحو 25% إلى 50% بحسب المحصول وسلسلة التداول والظروف التي يمر بها المنتج، وهو ما يجعل الحفاظ على المحاصيل وتحويل الفائض إلى منتجات مصنعة أحد الحلول المهمة للحد من الهدر وتعزيز الاستفادة الاقتصادية من الإنتاج الزراعي.
وأشارت إلى أن هدر الطعام للفرد في مصر يقدر بنحو 91 كيلوجرامًا سنويًا، ما يعكس حجم المشكلة وأهمية البحث عن وسائل عملية لإطالة عمر المنتجات الزراعية والاستفادة منها بدلًا من التخلص منها.
ويأتي التجفيف ضمن الطرق التي يمكن استخدامها للحفاظ على المنتجات الزراعية، إذ يعتمد على خفض محتوى الماء في الغذاء إلى مستويات تحد من نمو الكائنات الدقيقة وتبطئ عمليات التلف، بما يساعد على إطالة فترة صلاحية المنتج وتسهيل تخزينه ونقله.
ماذا يحقق تجفيف الخضروات والفاكهة؟
بحسب أبو الفتوح، يوفر التجفيف مجموعة من المزايا، أبرزها:
إطالة فترة الصلاحية: خفض الرطوبة يساعد على الحد من نشاط الكائنات الدقيقة والإنزيمات المسؤولة عن تلف المنتج، ما يسمح بالحفاظ عليه لفترات أطول وفقًا لنوع المنتج وطريقة التجفيف والتعبئة والتخزين.
تقليل الوزن والحجم: إزالة جزء كبير من المياه تجعل المنتجات المجففة أخف وأقل حجمًا من المنتجات الطازجة، وهو ما يسهل تخزينها ونقلها.
خفض تكاليف النقل والتعبئة: انخفاض الوزن والحجم يمكن أن يساهم في تقليل تكلفة النقل والتداول مقارنة بالمنتج الطازج، خاصة في عمليات التصدير.
الحفاظ على جزء مهم من القيمة الغذائية: يمكن للتجفيف الجيد أن يحافظ على قدر من العناصر الغذائية الموجودة في الخضروات والفاكهة، مع اختلاف درجة الاحتفاظ بالفيتامينات والمركبات الحساسة للحرارة وفق طريقة التجفيف ودرجة الحرارة ومدة المعالجة.
الحد من الهدر الغذائي: يسمح التجفيف باستغلال جزء من الفائض الموسمي وتحويله إلى منتج يمكن الاحتفاظ به واستخدامه خارج موسم الإنتاج.
تعدد الاستخدامات: يمكن استخدام المنتجات المجففة في الشوربات والصلصات والأطعمة الجاهزة والوجبات الخفيفة، كما يمكن إعادة ترطيب بعضها بالماء قبل الاستخدام.
ما العوامل التي تؤثر في عملية التجفيف؟
توضح أبو الفتوح أن نجاح عملية التجفيف لا يعتمد على الحرارة وحدها، وإنما يتأثر بمجموعة من العوامل المرتبطة بطبيعة المحصول وطريقة المعالجة وظروف التجفيف.
1- طبيعة وحجم الغذاء
يؤثر التركيب الكيميائي للمادة الغذائية وحجم وسمك القطع في سرعة فقدان المياه وجودة المنتج النهائي.
فكلما اختلفت طبيعة المحصول أو حجم القطع، اختلفت طريقة وصول الحرارة والهواء إلى المياه الموجودة داخله، وبالتالي تختلف سرعة التجفيف والنتيجة النهائية.
2- طريقة التجفيف
تختلف جودة المنتج بحسب الطريقة المستخدمة، سواء كان التجفيف شمسيًا أو باستخدام مجففات ميكانيكية أو تقنيات أخرى.
وتوفر المجففات الميكانيكية قدرة أكبر على التحكم في ظروف العملية، خاصة درجة الحرارة وحركة الهواء، بينما يرتبط التجفيف الشمسي بدرجة الحرارة والرطوبة وسرعة الهواء والظروف الجوية.
3- درجة حرارة الهواء
أوضحت أبو الفتوح أن درجات الحرارة المستخدمة داخل المجففات قد تتراوح بصورة عامة بين 50 و70 درجة مئوية وفق نوع المنتج وطريقة التجفيف.
ولا توجد درجة حرارة واحدة تصلح لجميع المحاصيل؛ فرفع الحرارة بصورة مفرطة قد يؤدي إلى التأثير في اللون والطعم والقوام وبعض المركبات الغذائية، بينما تؤدي الحرارة المنخفضة جدًا إلى إطالة زمن التجفيف وزيادة فرص التلف إذا لم تكن ظروف التشغيل مناسبة.
كما ترتبط سرعة التجفيف بسرعة حركة الهواء، إذ تساعد حركة الهواء المناسبة على نقل الرطوبة بعيدًا عن سطح المنتج.
4- رطوبة الهواء
كلما انخفضت رطوبة الهواء أصبح انتقال المياه من المنتج إلى الهواء أسهل، وبالتالي يمكن أن تتسارع عملية التجفيف، بينما تؤدي الرطوبة المرتفعة إلى إبطائها.
وهذا العامل يصبح أكثر أهمية في حالة التجفيف الشمسي، الذي يتأثر بصورة مباشرة بالظروف الجوية.
كيف تختار موقع مشروع التجفيف؟
اختيار الموقع ليس خطوة ثانوية، بل أحد العوامل الأساسية التي تحدد كفاءة المشروع وسلامة المنتج.
وتوضح أبو الفتوح أن موقع التجفيف يجب أن يكون معزولًا قدر الإمكان عن مصادر الحشرات والقوارض ومصادر التلوث المحيطة، مع الاستفادة من أشعة الشمس عند استخدام التجفيف الشمسي.
ويفضل كذلك أن يكون الموقع قريبًا من:
- مناطق إنتاج المحاصيل.
- مناطق الفرز والتعبئة.
- وحدات التبريد.
- أماكن التخزين.
- مصادر المياه النظيفة والطاقة اللازمة للتشغيل.
كما ينبغي توفير ظروف حرارية مناسبة للعمل، مع مراعاة أن الظروف الفعلية المطلوبة تختلف بحسب نوع المحصول وطريقة التجفيف المستخدمة.
والفكرة الأساسية هنا هي تقليل المسافة والزمن بين الحصاد والفرز والتجهيز والتجفيف والتعبئة والتخزين، لأن طول فترة تداول المحصول قبل التصنيع يمكن أن يرفع الفاقد ويؤثر في الجودة.
كيف تحدد المساحة المطلوبة؟
بعد اختيار الموقع، يتم تحديد المساحة وفقًا لكمية المحصول المستهدف تجفيفه وطبيعة التجهيزات المستخدمة.
وتشير أبو الفتوح إلى أن الكميات التي يمكن التعامل معها قد تقدر بصورة تقريبية بنحو 10 إلى 15 كيلوجرامًا من الثمار الطازجة لكل متر مربع في بعض نظم التجفيف، مع التأكيد على أن هذه النسبة ليست قاعدة ثابتة لكل المحاصيل أو كل أنواع المجففات.
فالمساحة المطلوبة تتأثر أيضًا بسمك شرائح المنتج، وطريقة توزيعها، ومساحة صواني التجفيف، وزمن الدورة الإنتاجية، وطاقة المجفف، والمساحات اللازمة للغسيل والتقطيع والتعبئة والتخزين.
قبل التجفيف.. كيف تختار الخضروات والفاكهة؟
نجاح المشروع يبدأ من اختيار المادة الخام، وليس من المجفف نفسه.
درجة النضج
ينبغي اختيار الثمار عند مرحلة النضج المناسبة للمحصول، بحيث تكون ذات جودة جيدة ومحتوى مناسب من السكر والنكهة.
وفي المقابل، يجب تجنب الثمار غير الناضجة التي قد تعطي طعمًا غير مرغوب، وكذلك الثمار شديدة النضج أو المتضررة التي ترتفع فيها احتمالات التلف أثناء التصنيع.
الجودة والسلامة الظاهرية
يجب أن تكون الخضروات والفاكهة المستخدمة سليمة وخالية من:
- العفن.
- الإصابات الحشرية.
- الكدمات والخدوش الشديدة.
- البقع غير الطبيعية.
- التلف أو الذبول الشديد.
كما يفضل اختيار ثمار ذات قوام مناسب للتقطيع والتجفيف.
اختيار المحصول في موسمه
من الناحية الاقتصادية، يمكن الاستفادة من انخفاض أسعار بعض المحاصيل خلال ذروة الموسم، مثل البصل والثوم والطماطم والفراولة والتفاح والمانجو، ثم تحويل جزء من الإنتاج إلى منتجات مجففة يمكن تسويقها لاحقًا.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار المشروع: شراء المحصول في الوقت الذي تكون فيه وفرة المعروض سببًا في انخفاض سعره، ثم إضافة قيمة إليه بدلًا من بيعه خامًا فقط.
ما خطوات تجفيف الخضروات والفاكهة؟
أولًا: الغسيل
تبدأ العملية بغسل الخضروات أو الفاكهة جيدًا لإزالة الأتربة والشوائب، مع استخدام مياه آمنة ونظيفة والالتزام بممارسات النظافة أثناء جميع مراحل التصنيع.
ثانيًا: التحضير والتقطيع
يتم تقطيع المنتجات إلى شرائح أو قطع متقاربة في السمك والحجم، لأن اختلاف الأحجام يؤدي إلى اختلاف سرعة فقدان المياه، وبالتالي قد تصبح بعض القطع جافة أكثر من اللازم بينما تظل قطع أخرى محتفظة برطوبة مرتفعة.
ثالثًا: المعالجة الأولية للخضروات
توضح أبو الفتوح أن بعض الخضروات تحتاج إلى معالجة أولية قبل التجفيف، مثل السلق بالماء الساخن أو البخار لفترات تختلف بحسب نوع المحصول، وقد تتراوح في بعض الحالات بين دقيقتين و10 دقائق.
وتساعد هذه المعالجة في تعطيل بعض الإنزيمات والحفاظ على اللون والجودة في عدد من الخضروات.
ومن المهم كذلك التعامل سريعًا مع المحصول بعد الحصاد، وعدم تركه في ظروف رطبة أو سيئة التهوية، إذ يمكن وضعه في مكان مظلل جيد التهوية للتخلص من الرطوبة السطحية وتقليل مخاطر التلف.
رابعًا: المعالجة الأولية للفاكهة
تحتاج بعض الفواكه إلى معالجة تمنع الاسمرار وتحافظ على اللون، خاصة المنتجات التي تتعرض للأكسدة بعد التقطيع.
ومن الوسائل المستخدمة غمر بعض الفواكه مثل التفاح والموز والمشمش في عصير الليمون أو محاليل حمض الأسكوربيك لفترة مناسبة، وهي خطوة تساعد على الحد من تغير اللون.
كما تستخدم في بعض عمليات تصنيع الفاكهة المجففة محاليل الكبريت أو ثاني أكسيد الكبريت للمساعدة في الحفاظ على اللون والجودة، لكن استخدام هذه المواد يجب أن يتم وفق القواعد الفنية والتشريعات المنظمة لسلامة الغذاء والحدود المسموح بها، وليس بصورة عشوائية.
من مشروع منزلي إلى نشاط تجاري
ميزة مشروع التجفيف أنه يمكن أن يبدأ على نطاق صغير، لكن نجاحه التجاري لا يتوقف على امتلاك مجفف فقط.
فالمشروع يحتاج إلى التفكير في سلسلة كاملة تبدأ من:
شراء المحصول → الفرز → الغسيل → التجهيز → المعالجة الأولية → التجفيف → التبريد → التعبئة → التخزين → التسويق.
وكل حلقة من هذه السلسلة تؤثر في جودة المنتج النهائي وسعره.
كما أن المنتج المجفف ليس بالضرورة مجرد بديل للمنتج الطازج؛ إذ يمكن تقديمه كمنتج جديد ذي قيمة مضافة، سواء للسوق المحلية أو لمصانع الأغذية أو المطاعم أو شركات التعبئة والتصدير.
هل تجفيف الخضروات والفاكهة مشروع مربح؟
تصف أبو الفتوح المشروع بأنه من المشروعات الاقتصادية الواعدة، مشيرة إلى أن إنتاج طن من المنتج المجفف قد يحتاج في بعض المحاصيل إلى نحو 8 إلى 10 أطنان من المنتج الطازج، بحسب نوع المحصول ومحتوى الرطوبة ونسبة الفاقد أثناء التصنيع.
كما أشارت إلى أن سعر طن بعض المنتجات المجففة قد يصل تقريبًا إلى 2000–3000 دولار، إلا أن هذه الأرقام لا ينبغي التعامل معها باعتبارها صافي ربح أو سعرًا ثابتًا للسوق؛ إذ تختلف الأسعار بصورة كبيرة وفق نوع المنتج والجودة ودرجة التجفيف والتعبئة والمواصفات المطلوبة والسوق المستهدف وتوقيت البيع.
وبالتالي فإن الجدوى الاقتصادية الحقيقية يجب أن تحسب على أساس سعر شراء المحصول + تكلفة العمالة + المياه والطاقة + التجفيف + التعبئة + التخزين + النقل + الفاقد + التحاليل والاشتراطات + التسويق والتصدير، ثم مقارنة إجمالي التكلفة بسعر البيع الفعلي.
أين يمكن تصدير الخضروات والفاكهة المجففة؟
بحسب أبو الفتوح، تشمل الأسواق المستوردة للمنتجات المجففة عددًا من الدول والأسواق الأوروبية والخليجية والأمريكية، ومن بينها: إيطاليا، فرنسا، هولندا، ألمانيا، الأسواق الأمريكية، والإمارات.
وأشارت إلى إمكانية التصدير عبر ميناء الإسكندرية وميناء دمياط للأسواق الأوروبية، وميناء سفاجا للأسواق الخليجية.
لكن دخول هذه الأسواق لا يعتمد على وجود منتج جيد فقط، وإنما يتطلب الالتزام بالمواصفات الفنية والصحية الخاصة بكل سوق، ومتطلبات التعبئة والبطاقة التعريفية، والاشتراطات الخاصة بسلامة الغذاء والملوثات والحدود القصوى لبقايا المبيدات، فضلًا عن متطلبات المستورد نفسه.
التجفيف.. تقليل للهدر ومشروع للقيمة المضافة
في النهاية، تكشف تجربة تجفيف الخضروات والفاكهة عن معادلة تتجاوز فكرة حفظ الطعام التقليدية.
فالمحصول الذي قد يفقد جزءًا من قيمته بسبب وفرة الإنتاج أو صعوبة التسويق في ذروة الموسم، يمكن أن يتحول بعد التجفيف إلى منتج أخف وزنًا، أطول عمرًا، وأسهل في التخزين والنقل والتسويق.
وهنا تتقاطع ثلاثة أهداف في مشروع واحد: تقليل فاقد الغذاء، ورفع القيمة المضافة للمحاصيل الزراعية، وخلق مصدر دخل جديد للأسر والمشروعات الصغيرة.
لكن النجاح لا يبدأ بشراء المجفف، وإنما باختيار المحصول المناسب والسوق المناسب، ثم بناء عملية إنتاج تحافظ على الجودة والسلامة من لحظة شراء الثمار وحتى وصول المنتج إلى المستهلك أو المشتري الخارجي.
