أخبارابتكارات ومبادرات

بكتيريا خارقة تحوّل أول أكسيد الكربون إلى وقود حيوي بكفاءة غير مسبوقة

ثورة في التكنولوجيا الحيوية.. ميكروب من بحيرة أفريقية يفتح آفاقًا صناعية واعدة

كشفت دراسة حديثة، نُشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز”، عن تقدم كبير في تسخير نوع من البكتيريا لتحويل أول أكسيد الكربون بكفاءة غير مسبوقة، مما يمهد الطريق لثورة في التكنولوجيا الحيوية الصناعية.

يقول ريمي هوك، الباحث في معهد الهندسة الكيميائية والبيئية والبيولوجية في جامعة فيينا التقنية بالنمسا، والباحث الرئيسي في الدراسة، في تصريحات حصرية لموقع الجزيرة نت: “قد تحمل البكتيريا عناصر وراثية كامنة يمكن تنشيطها انتقائيًا عند الحاجة لذلك”.

ويضيف هوك أن ذلك يُتيح طريقًا مختصرًا لاكتساب سمات أيضية جديدة دون الحاجة إلى طفرات تدريجية بطيئة كما يحدث في الظروف الطبيعية عبر الزمن، مشيرًا إلى أن هذا يعد “تذكيرًا قويًا بأن جينومات البكتيريا أكثر ديناميكية واستجابة مما نظنه غالبًا”.

ويشرح هوك: “ما رأيناه في بكتيريا ‘الثرموأنايروباكتر كيفو’ قد يكون مجرد غيض من فيض، ويفتح آفاقًا بحثية جديدة لفهم كيفية مساعدة العناصر الجينية المتنقلة البكتيريا على البقاء والابتكار في بيئات قاسية”.

تم عزل بكتيريا “كيفو” في الأصل من بحيرة كيفو الواقعة على الحدود بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويبلغ نطاق نمو هذا الكائن الحي ما بين 50 و72 درجة مئوية، في وسط تبلغ درجة حموضته بين 5.3 و7.3، مع ظروف مثالية عند 66 درجة مئوية.

بكتيريا خارقة

يُعرف غاز الاصطناع بأنه خليط من الغازات يحتوي على نسب متفاوتة من أول أكسيد الكربون والهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، ويتغير تركيبه الكيميائي حسب المواد الخام المستخدمة وطبيعة التصنيع. ويُنتَج عادة من تغويز الفحم أو المخلفات العضوية في درجات حرارة مرتفعة وبكميات محدودة من الأكسجين أو البخار.

لطالما تعامل الباحثون مع البكتيريا المنتِجة للأسيتات، مثل بكتيريا “الثرموأنايروباكتر كيفو”، كمحفزات حيوية واعدة لتحويل غاز الاصطناع إلى وقود حيوي ومنتجات صناعية مستدامة.

ويقول هوك: “تستخدم بكتيريا كيفو عادة ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين. ولكي تتمكن من استخدام غاز الاصطناع بفعالية، كان لا بد أن تتحمل أيضًا أول أكسيد الكربون السام، وهو ما يُمثل تحديًا كبيرًا للعديد من الميكروبات التي تقوم بتخمير الغازات”.

كانت عملية التكيف مع أول أكسيد الكربون مذهلة من حيث السرعة، إذ حصل الباحثون على سلالة جديدة تُعرف باسم “أول أكسيد الكربون-1” في غضون 31 جيلًا فقط، من خلال ما يُعرف بالتطور المخبري التكيفي.

والأهم، أن هذه السلالة أظهرت معدل نمو سريع للغاية عند اعتمادها على أول أكسيد الكربون وغاز الاصطناع، بمعدل تضاعف لا يتجاوز 3 ساعات، مقارنة بمحاولات سابقة وصلت فيها فترة التضاعف إلى 40 ساعة.

السر في الجينات القافزة

تُعد سلالة “أول أكسيد الكربون-1” الأسرع نموًا بين جميع البكتيريا المنتجة للأسيتات المعروفة، ما يجعلها مرشحة مثالية للاستخدام الصناعي. وتمتاز بقدرتها على استهلاك أول أكسيد الكربون، والهيدروجين، وثاني أكسيد الكربون في آن واحد، وهي خاصية حاسمة في البيئات الصناعية.

السر وراء هذه القدرة الفائقة يكمن في آلية جينية غير متوقعة، إذ اكتشف العلماء وجود عنصر جيني كبير ودائري خارج الكروموسوم، يُعرف باسم “الميغاترانسبوزون”، وهو نوع من “الجينات القافزة” التي يمكنها التنقل داخل الجينوم وإعادة ترتيب مادته الوراثية.

يشرح هوك: “يبلغ طول هذا العنصر حوالي 86 ألف زوج قاعدي، ويحمل أكثر من مئة جين. وقد سمّيناه ‘الميغاترانسبوزون’ أو القافز الضخم. والأهم أنه لا ينشط إلا عند التعرض لأول أكسيد الكربون، حيث يُعيد برمجة التعبير الجيني المرتبط بالتنفس اللاهوائي، ويُحوّل قدرة الميكروب إلى ما يشبه ‘تنفس’ أول أكسيد الكربون”.

وقد نشأ هذا العنصر من منطقة في الكروموسوم تُعرف بمسار “وود-لونغدال”، وهو مسار أساسي لإنتاج الأسيتات. وتبين أن وجود الميغاترانسبوزون كان قاصرًا على السلالات المتكيفة مع أول أكسيد الكربون، بينما غاب تمامًا عن السلالات غير القادرة على استخدامه.

استجابة تكيفية مذهلة

يضيف هوك: “الجينات القافزة منتشرة في جميع الجينومات الميكروبية، ولكن غالبًا ما تم تجاهل دورها في التكيف الأيضي. تشير نتائجنا إلى أن محفزات بيئية مثل التعرض لأول أكسيد الكربون، يمكن أن تُفعّل جينات ناقلة معينة، مما يُطلق برامج تعبير جيني جديدة تدعم التكيّف السريع”.

هذه الآلية تتيح للبكتيريا تعديل مساراتها الأيضية بدقة للتعامل مع بيئات سامة أو متغيرة، كما تقلل من العبء الأيضي عند غياب الضغوط البيئية، مثل أول أكسيد الكربون.

وتُعزى سمية أول أكسيد الكربون إلى قدرته على تعطيل توازن الأكسدة والاختزال داخل الخلية، ما يؤدي إلى تثبيط إنزيمات رئيسية وتراكم مركبات ضارة. لكن البكتيريا طورت آلية تحييد لهذه السمية.

يوضح هوك: “يُعد الفيريدوكسين من أهم البروتينات في أيض بكتيريا كيفو، إذ ينقل الإلكترونات داخل الخلية. وعند التعرض لأول أكسيد الكربون، يتراكم الشكل المختزل منه، ما يؤدي إلى اختناق أيضي. بعد التكيف، لاحظنا تغيّرات في التعبير الجيني تُقلل إنتاج الفائض من الفيريدوكسين المختزل، وتُعزز إعادة تدويره إلى الشكل المؤكسد، مما يُعيد التوازن داخل الخلية”.

تطبيقات صناعية واعدة

تُظهر هذه النتائج كيف يمكن للجينات القافزة أن تُسهم في تمكين الكائنات الدقيقة من اكتساب قدرات أيضية معقدة والتكيف مع الظروف القاسية بسرعة مذهلة. كما توفر خارطة طريق جديدة لهندسة الأيض في المستقبل.

على الصعيد الصناعي، تمثل سلالة “أول أكسيد الكربون-1” منصة واعدة لتحويل غاز الاصطناع – وهو ناتج نفايات صناعية – إلى منتجات كيميائية قيّمة مثل الأسيتات، ما يُسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويدعم التوجه نحو اقتصاد دائري مستدام.

يختم هوك حديثه بالقول: “الآن وقد فهمنا الآلية الجينية لاستخدام أول أكسيد الكربون، ولدينا نظام تحرير جيني عالي الكفاءة باستخدام تقنية كريسبر، فإن الخطوة التالية هي توجيه عملية الأيض نحو إنتاج مركبات كيميائية أو أنواع وقود أكثر تقدمًا. كما نعمل على شراكات صناعية لتطبيق هذه الاكتشافات في تجارب عملية على نطاق واسع”.


مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة