بكتيريا التربة تساعد القمح على تقليل اعتماده على الأسمدة.. قمح أخضر يقلل الحاجة للأسمدة ويخفض الانبعاثات
تحول زراعي.. القمح يعزز إنتاجه عبر بكتيريا التربة وليس الأسمدة
يتشارك مراقبو المناخ ومزارعو القمح القلق نفسه: الاعتماد المفرط على الأسمدة يرفع تكاليف الإنتاج ويزيد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. لذلك، يسعى العلماء جاهدين للحفاظ على المحاصيل دون الاعتماد على النيتروجين الصناعي.
تشير أحدث الأبحاث إلى حليف غير متوقع: الميكروبات الموجودة في التربة، والتي تتشبث بجذور القمح وتساعد النبات في إدارة استخدامه للنيتروجين. وقد نُشرت الدراسة في دورية Trends in Plant Science.
يعتبر ولفرام فيكوورث، من جامعة فيينا، وفريقه العالمي، هذه الشراكة مفتاحًا لمحاصيل أكثر صلابة وحقول أكثر نظافة.
الأسمدة: عبء مناخي ومالي
يلجأ المزارعون إلى استخدام كميات متزايدة من النيتروجين للحفاظ على المحاصيل، لكن ما بين 40 و68% من هذه الأسمدة يتسرب إلى الهواء والمياه. يؤدي ذلك إلى رفع التكاليف، ويطلق النيتروجين التفاعلي في البيئة.
في عام 2022، بلغ الطلب العالمي على الأسمدة النيتروجينية نحو 190 مليون طن، وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة، ومن المتوقع أن يزداد مع ارتفاع الطلب على الحبوب في تربية الماشية.
يتحول كثير من هذا النيتروجين إلى أكسيد النيتروز، وهو غاز أقوى بـ300 مرة من ثاني أكسيد الكربون على مدى قرن، ويستقر في المياه الجوفية، مما يهدد مصادر الشرب.
لذلك، فإن تقليل تسرب النيتروجين يعد خطوة مهمة لحماية المناخ والصحة العامة، وهذه الاستراتيجية الجديدة في زراعة القمح تسعى لتحقيق الهدفين دون الحاجة إلى مواد كيميائية إضافية.

التربة والأمطار تهدر النيتروجين
تحوّل البكتيريا الموجودة في التربة سماد الأمونيوم إلى نترات في عمليّة تُعرف بالنترتة. لكن النترات تذوب بسهولة مع الأمطار وتغادر التربة العليا.
تبطئ مثبطات النترتة الصناعية هذه العملية، لكنها مكلفة وقد تضر الميكروبات المفيدة. أما النباتات، فيمكنها إنتاج مثبطات طبيعية، إلا أن مربّي النباتات لم يكونوا يهتمون بهذا العامل لصعوبة قياسه سابقًا. واليوم، تسمح تقنيات التحليل المتقدّمة للعلماء بترتيب سلالات القمح وفقًا لقدرتها الطبيعية على كبح النترتة.
وبالاعتماد على هذا الدفاع الطبيعي، يمكن للمزارعين تقليل فواتير الأسمدة دون التأثير على الإنتاج. السر يكمن في اختيار الصنف المناسب لكل حقل.
ميكروبات القمح تدير النيتروجين
يوصف النبات وميكروبيوم جذوره بأنه “هولوباينت” (Holobiont) — أي وحدة بيئية واحدة قائمة على التعاون والتنافس. وهذا المفهوم يُعيد صياغة تركيز مربي النباتات من الجينات النباتية وحدها إلى التفاعل الأوسع مع الميكروبات.
فهم هذه العلاقات الكيميائية يفتح أمام العلماء والمزارعين آفاقًا جديدة في تحسين المحاصيل. كما يفسر لماذا ينجح صنف ما في تربة مرهقة بينما يفشل آخر في نفس الظروف.

جذور القمح تطلق دفاعات كيميائية
قال عالم الأحياء الجزيئية بجامعة فيينا، أريندام غاتاكاك: “تحليلنا لمركبات الإفراز الجذري أظهر تباينًا كبيرًا بين سلالات القمح”. فقد وجد الفريق تفاوتًا بعامل 10 في النشاط المثبط للنترتة بين السلالات المختلفة.
السلالات الأعلى أداءً تطلبت كميات أقل من الأمونيوم لتحقيق نفس الكتلة الحيوية مقارنة بالسلالات القياسية. وأظهرت التجارب الميدانية الأولية في النمسا والهند انخفاضًا بنسبة 30% في استخدام الأسمدة بعد موسم واحد فقط.
ومن المركبات التي أثارت الاهتمام “براشيالاكتون”، التي تم اكتشافها أولاً في أعشاب المناطق الاستوائية، وتبيّن وجودها أيضًا في القمح عالي النشاط المثبط للنترتة. يشبه تركيبها المثبطات الصناعية لكنها تتحلل بأمان في التربة.
وتشير هذه الاكتشافات إلى احتمال وجود كيمياء مشابهة في محاصيل أخرى مثل الذرة والشعير، حيث بدأت بالفعل عمليات المسح الكيميائي لها.
قمح يعزز الغلة ويوفر المال
تتبع هذه المركبات الدقيقة في جذور آلاف السلالات يتطلب تحليلات كثيفة، وهنا يأتي دور التعلم الآلي.
تقوم الخوارزميات بفرز بصمات المركبات الكيميائية، وملامح الميكروبيوم، وسجلات الغلة لاختيار أفضل التركيبات الجينية. ويُحوّل هذا النهج دفاتر المربين إلى أدوات تنبؤ قوية.
قال فيكوورث: “باستخدام خوارزميات التعلم الآلي، يمكننا تطوير منصة واعدة لاستنباط أصناف جديدة”. ويغذي فريقه النماذج ببيانات شاملة تشمل الحمض النووي، والحمض النووي الريبي، والبروتينات، والمركبات الكيميائية.
وبمجرد تحديد السلالات الفائزة، يمكن تسريع التجارب في البيوت المحمية، مما يختصر فترة التطوير إلى ثلاث سنوات فقط — أي نصف المدة المعتادة.

فوائد للمزارعين والكوكب
خفض استخدام الأسمدة بنسبة 25% على مساحة 540 مليون فدان من زراعة القمح عالميًا سيوفر نحو 12 مليون طن من النيتروجين سنويًا. أي ما يعادل مليارات الدولارات وانخفاضًا كبيرًا في انبعاثات أكسيد النيتروز.
كما تعني المدخلات الأقل تقليل عدد رحلات الجرارات والمصانع، مما يخفض انبعاثات الكربون خارج حدود المزرعة.
وتُرحّب الجهات الصحية بتحسّن جودة المياه الجوفية وتقليل “المناطق الميتة” في البحيرات. على سبيل المثال، تراهن خطة معالجة الطحالب في بحيرة إيري على تقليل المغذيات بنسبة 40% بحلول عام 2025.
وعندما يرى المزارعون زيادة في الغلة إلى جانب المكاسب البيئية، تتسارع وتيرة التبنّي. وتمنحهم مقاربة “الهولوباينت” الإثنين معًا.

قمح أكثر خضرة في الطريق
من المتوقع أن تصل أولى أصناف القمح المصنفة وفق نشاطها المثبط للنترتة إلى الأسواق الأوروبية بحلول عام 2028، إذا سارت المراجعات التنظيمية بسلاسة. ومن المتوقع أن تلحق آسيا وأمريكا الشمالية سريعًا.
وتركز المشاريع المستقبلية على دمج جينات BNI مع جينات مقاومة الجفاف لتطوير محاصيل أكثر قوة. وقد بدأت بالفعل تجارب على سلالات مزدوجة داخل غرف تجريبية جافة.
أما خارج القمح، فتظهر محاصيل مثل السورغم، والأرز، والأعشاب المراعية وعودًا بمقاومة ذاتية لاستخدام النيتروجين، إذ تمتلك كل منها ميكروبيومها الخاص القابل للتعديل.
وقد يبدو تربية النبات والميكروبات معًا أمرًا جديدًا، لكنه في الحقيقة يعكس طريقة عمل النظم البيئية منذ ملايين السنين. وقد يكون حصاد المستقبل هو الصمود نفسه.





