كشفت دراسة علمية حديثة أن تأثير الألياف النباتية في ميكروبات الأمعاء لا يعتمد على نوع الغذاء وحده، بل يتأثر أيضًا بتركيبة المجتمع الميكروبي الموجود داخل الجهاز الهضمي، بما في ذلك وجود بكتيريا أخرى يمكن أن تساعد بعض الأنواع على التفوق في المنافسة على الموارد الغذائية.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية Nature Microbiology في 2 أكتوبر 2026، أن بكتيريا Escherichia coli، المعروفة اختصارًا باسم E. coli، يمكن أن تساعد بكتيريا Segatella copri على زيادة انتشارها داخل مجتمعات ميكروبية عند توافر أنواع معينة من الكربوهيدرات المعقدة المشتقة من النباتات.
وتشير النتائج إلى أن العلاقة بين النظام الغذائي والميكروبيوم أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، إذ لا تتحدد استجابة بكتيريا الأمعاء بما يتناوله الإنسان فقط، بل تتأثر أيضًا بالتفاعلات بين الميكروبات التي تعيش داخل الجهاز الهضمي.
وأُجريت الدراسة بقيادة فريق بحثي يضم كارولين تاوك ويوسف الموالي، تحت إشراف تيل ستروفيج، رئيس قسم تنظيم المناعة الميكروبية في مركز هيلمهولتز لأبحاث العدوى بألمانيا، بالتعاون مع باحثين من جامعة ترينتو وجامعة توبنغن ومؤسسات بحثية أخرى.
الألياف النباتية تغيّر التوازن بين بكتيريا الأمعاء
ركز الباحثون على مجموعتين رئيسيتين من البكتيريا المرتبطة بالميكروبيوم المعوي، هما عائلة Bacteroidaceae، التي تنتشر بكثرة لدى مجموعات سكانية في البلدان الصناعية، وعائلة Prevotellaceae، التي تضم بكتيريا Segatella copri، المعروفة سابقًا باسم Prevotella copri.
وترتبط هذه الأنماط الميكروبية باختلافات في أنماط الحياة والتغذية بين المجتمعات، لكن النظام الغذائي وحده لا يفسر بصورة كاملة أسباب انتشار إحدى المجموعتين على حساب الأخرى.
ولفهم العوامل المؤثرة في هذا التوازن، اختبر الباحثون تأثير 94 مكونًا غذائيًا داخل مجتمعات ميكروبية أُنشئت في المختبر، وضمت 21 نوعًا من بكتيريا الأمعاء البشرية.
وشملت المواد المختبرة 79 نوعًا من الكربوهيدرات المعقدة، معظمها من مصادر نباتية، إلى جانب 15 نوعًا من الفيتامينات.
وأظهرت النتائج أن 56 مكونًا غذائيًا ساهمت في زيادة انتشار S. copri داخل المجتمع الميكروبي، كما ارتبط الفيتامينان B3 وB5 بتأثير مشابه في ظروف الاختبار.
وكان أحد أبرز المركبات التي ركزت عليها الدراسة هو «الأرابينان» (Arabinan)، وهو كربوهيدرات معقد يوجد في جدران الخلايا النباتية، ويمثل أحد مكونات البكتين.
وعند إضافة الأرابينان إلى المجتمع الميكروبي المختبري، ارتفعت نسبة S. copri من 1.7% إلى 59.6%، بينما تراجعت نسبة البكتيريا المنافسة التابعة لعائلة Bacteroidaceae من 47% إلى 7.3%.
وأثبتت التجارب أن هذا التفوق ارتبط بقدرة S. copri على تحليل الأرابينان والاستفادة منه؛ إذ لم تحقق سلالة معدلة من البكتيريا، فقدت القدرة على تفكيك هذا المركب، الزيادة نفسها في انتشارها.
لكن المفاجأة ظهرت عندما اختبر الباحثون ما إذا كانت الألياف وحدها كافية لتحقيق هذا التحول.
بكتيريا E. coli.. الشريك غير المتوقع
عندما وضع الباحثون S. copri مع ستة أنواع منافسة من عائلة Bacteroidaceae في غياب بقية أفراد المجتمع الميكروبي، لم تتمكن البكتيريا من تحقيق التفوق نفسه، رغم توافر الأرابينان.
وتغيرت النتيجة عندما أضاف الفريق بكتيريا E. coli إلى التجربة؛ إذ تحوّل ميزان المنافسة لصالح S. copri عند وجود المركب النباتي.
وللتأكد من أن هذا التأثير لم يكن ناتجًا عن بكتيريا أخرى، أعاد الباحثون إضافة مجموعات مختلفة من الميكروبات إلى التجارب بصورة تدريجية، ووجدوا أن إضافة E. coli وحدها كانت كافية لإحداث التحول الملحوظ في ظروف الاختبار.
وتوضح النتيجة أن قدرة البكتيريا على استهلاك الألياف كانت ضرورية لتحقيق التفوق، لكنها لم تكن كافية وحدها؛ إذ احتاجت أيضًا إلى وجود بكتيريا أخرى تؤثر في البيئة الميكروبية المحيطة بها.
هل تتغذى البكتيريا على السكريات أم تستخدمها إشارات؟
حاول الباحثون تحديد الآلية التي تفسر هذا التعاون بين البكتيريا، وكان أحد التفسيرات المحتملة أن E. coli تستفيد من السكريات البسيطة الناتجة عن تفكيك الأرابينان بواسطة ميكروبات الأمعاء الأخرى. وتشمل هذه السكريات الأرابينوز والرامنوز والجالاكتوز وحمض الجالاكتورونيك.
وأظهرت تحليلات التعبير الجيني أن E. coli غيّرت نشاط الجينات المرتبطة باستخدام هذه السكريات عند وجود الأرابينان داخل المجتمع الميكروبي.
لكن التجربة الأكثر إثارة جاءت عندما أنشأ الباحثون سلالة من E. coli لا تستطيع استخدام السكريات الأربعة المستهدفة في التجارب. ورغم فقدانها هذه القدرة، استمرت في مساعدة S. copri على التفوق في ظروف الاختبار.
كما أن إضافة السكريات البسيطة مباشرة عززت انتشار S. copri عندما كانت E. coli موجودة، لكنها لم تحقق التأثير نفسه في غيابها.
وتشير هذه النتائج إلى أن السكريات قد تؤدي دورًا يتجاوز كونها مصدرًا للطاقة؛ إذ يُحتمل أن تعمل جزيئات إشارة تؤثر في التفاعلات بين البكتيريا، لكن الآلية الدقيقة التي تفسر ذلك لم تُحسم بعد.
التأثير لا يقتصر على نوع واحد من الألياف
لم يقتصر التأثير على الأرابينان وحده؛ فقد اختبر الباحثون ثمانية أنواع إضافية من الكربوهيدرات النباتية المعقدة، ووجدوا أنها عززت التفوق النسبي لـS. copri على البكتيريا المنافسة بوجود E. coli.
وشمل ذلك بعض مشتقات النشا، مثل الأميلوز والأميلوبكتين، في حين لم يُظهر النشا نفسه التأثير ذاته في التجارب.
كما أظهرت الاختبارات أن الفيتامينين B3 وB5 يمكن أن يعززا هذا التفوق في وجود E. coli، بينما لم يظهر التأثير نفسه مع الفيتامينات الأخرى التي اختبرها الباحثون.
وامتدت النتائج إلى سلالات مختلفة من E. coli، بما فيها سلالات معوية غير ممرضة وسلالات مخبرية وأخرى ممرضة. كما ظهر تأثير مشابه مع بعض أنواع بكتيريا Klebsiella وسلالة من Salmonella .
وتشير هذه النتائج إلى أن التفاعل قد لا يقتصر على سلالة بكتيرية واحدة، بل يمكن أن يرتبط بمجموعة من البكتيريا التابعة لعائلة Enterobacteriaceae .
ومع ذلك، فإن رصد هذا التأثير في التجارب لا يعني أن وجود السلالات الممرضة مفيد لصحة الإنسان، ولا يبرر السعي إلى زيادة أعدادها داخل الأمعاء.
ماذا كشفت الاختبارات باستخدام عينات بشرية وفئران؟
للتأكد من أن النتائج لا تقتصر على المجتمعات الميكروبية المبسطة في المختبر، اختبر الباحثون تأثير الأرابينان في مجتمعات بكتيرية أُنشئت من عينات براز ثمانية بالغين أصحاء.
وأظهرت النتائج أن إضافة الأرابينان ارتبطت بزيادة انتشار S. copri داخل هذه المجتمعات، بما يتفق مع جانب من النتائج السابقة.
لكن إضافة E. coli لم تؤدِّ إلى زيادة ملحوظة إحصائيًا في وفرة البكتيريا المرتبطة بها داخل المجتمعات البشرية المختبرة، وهو ما حدّ من قدرة الباحثين على تأكيد أن البكتيريا المضافة وحدها كانت مسؤولة عن التأثير.
وفي المقابل، أظهرت التجارب التي استخدمت مجتمعات ميكروبية من أمعاء فئران كانت تفتقر طبيعيًا إلى عائلة Enterobacteriaceae أن زيادة انتشار S. copri ارتبطت بوجود الأرابينان وE. Coli معًا.
وتدعم هذه النتائج أهمية التفاعلات بين الميكروبات في تشكيل المجتمع المعوي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن تناول الألياف أو تغيير النظام الغذائي سيؤدي إلى التأثير نفسه لدى البشر في ظروف الحياة اليومية.
بيانات نحو ألف شخص تكشف اختلافات بين أنماط الحياة
حلل الفريق البحثي أيضًا بيانات منشورة عن الميكروبيوم المعوي لنحو ألف بالغ سليم، ينتمون إلى مجموعات ذات أنماط حياة صناعية وأخرى غير صناعية.
وأظهرت التحليلات أن الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات ذات أنماط حياة غير صناعية حملوا مستويات أعلى من S. copri وتنوعًا أكبر في البكتيريا المرتبطة بعائلة Enterobacteriaceae.
وضمن هذه المجموعة، ارتبط ارتفاع تنوع الأنواع البكتيرية التابعة لهذه العائلة بزيادة الحصة النسبية لـS. copri داخل الميكروبيوم، بينما لم يظهر الارتباط نفسه لدى المجموعات ذات أنماط الحياة الصناعية.
كما فحص الباحثون 3310 عينات ميكروبية من الأغذية، ووجدوا أن الأغذية النباتية حملت أكبر كميات من هذه البكتيريا مقارنة بالفئات الغذائية الأخرى ضمن العينات المدروسة.
لكن هذه النتائج تُظهر ارتباطات إحصائية ولا تثبت أن البكتيريا الموجودة في الطعام هي السبب المباشر لانتشار S. copri لدى الأشخاص الذين يتناولونه، كما لا تثبت أن التفاعل الذي رُصد في المختبر يحدث بالطريقة نفسها داخل الأمعاء البشرية.
ماذا تعني الدراسة لصحة الأمعاء والتغذية؟
تقدم الدراسة تصورًا أكثر تعقيدًا للعلاقة بين الغذاء والميكروبيوم؛ إذ تشير إلى أن تأثير أحد المكونات الغذائية قد يتوقف على هوية الميكروبات الموجودة بالفعل، وعلى التفاعلات التي تنشأ بينها عند توافر هذا المكون.
وقال تيل ستروفيج، قائد الدراسة، إن النتائج توضح ضرورة عدم النظر إلى تأثير المكونات الغذائية بمعزل عن المجتمع البكتيري الموجود داخل الأمعاء، مشيرًا إلى الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد إمكانية الاستفادة من هذه المعرفة في تطوير أساليب تغذية شخصية أو تدخلات تستهدف الميكروبيوم.
ولا تزال أسئلة رئيسية بلا إجابة، أبرزها طبيعة الإشارة التي تستجيب لها E. coli، وكيف تؤثر في المنافسة بين البكتيريا، ومدى قدرة هذه الآلية على تفسير الاختلافات في الميكروبيوم بين الأفراد.
كما لم تحدد الدراسة ما إذا كان تناول نظام غذائي غني بالألياف سيؤدي إلى التحولات الميكروبية نفسها لدى الأشخاص، أو كيف تؤثر الاختلافات الفردية في البكتيريا الموجودة مسبقًا على هذه الاستجابة.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Microbiology في أكتوبر 2026، بعنوان: «التآزر بين بكتيريا الأمعاء والنظام الغذائي ينظم المنافسة بين مجموعات بكتيرية سائدة في الأمعاء البشرية».
