دراسة جديدة تستعرض أكثر من ثلاثة عقود من أبحاث «البصمات المناخية»، وتؤكد أن الأدلة على تأثير انبعاثات غازات الدفيئة أصبحت أقوى منذ عام 2009، من طبقات الغلاف الجوي العليا إلى أعماق المحيطات.
تتزايد الأدلة العلمية التي تربط تغير المناخ بالنشاط البشري، مع تطور الأساليب التي يستخدمها الباحثون للتمييز بين آثار انبعاثات غازات الدفيئة والتقلبات الطبيعية في مناخ الأرض.
وتخلص مراجعة علمية جديدة إلى أن أكثر من ثلاثة عقود من الأبحاث المعروفة باسم «البصمات المناخية» قدمت أدلة قوية ومتسقة على أن الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية يعيد تشكيل أنظمة المناخ على الكوكب.
وتكتسب المراجعة أهمية خاصة في ظل الجدل الدائر في الولايات المتحدة بشأن الأساس العلمي للتشريعات المنظمة لانبعاثات غازات الدفيئة، بعدما شكك تقرير صادر عن وزارة الطاقة الأمريكية في عام 2025 في موثوقية بعض أبحاث البصمات المناخية وفي الأدلة التي استند إليها قرار بيئي رئيسي صدر عام 2009.
ونُشرت المراجعة في مجلة Earth’s Future، بقيادة بنيامين سانتر، الأستاذ بجامعة إيست أنجليا البريطانية، وبمشاركة باحثين من مؤسسات علمية، بينها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ولاية كولورادو وجامعة إدنبرة.
ويرى الباحثون أن الأدلة التي كانت متاحة عند صدور القرار الأمريكي عام 2009 كانت قوية بالفعل، لكنها أصبحت أكثر رسوخًا مع تراكم القياسات والملاحظات والتطورات العلمية خلال السنوات التالية.
ما «البصمات المناخية» وكيف تكشف دور الإنسان؟
لا يعتمد علماء المناخ على ارتفاع متوسط درجات الحرارة وحده لإثبات تأثير الأنشطة البشرية، بل يدرسون أنماطًا محددة من التغيرات المناخية وتوقيتها وتوزيعها، ثم يقارنونها بما تتوقعه النماذج العلمية في ظل التأثيرات البشرية والطبيعية المختلفة.
وتُعرف هذه الطريقة باسم «البصمات المناخية»، وهي تقوم على البحث عن أنماط تغير تتوافق مع الآثار الفيزيائية المتوقعة لزيادة غازات الدفيئة، ولا يمكن تفسيرها بالقدر نفسه من خلال التقلبات الطبيعية وحدها.
فعندما ترتفع تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، تتغير طريقة احتفاظ الأرض بالطاقة وتوزيعها. ويمكن رصد آثار ذلك في درجات الحرارة، وأنماط الهطول، والمحيطات، وطبقات الغلاف الجوي المختلفة.
ويكتسب هذا النهج قوته من توافق أدلة مستقلة متعددة؛ فكلما ظهرت البصمة المتوقعة في أجزاء مختلفة من النظام المناخي، وأكدتها القياسات والملاحظات، ازدادت الثقة في تحديد مصدر التغير.
وتوضح سوزان سولومون، أستاذة الدراسات البيئية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن دراسات متعددة أجرتها مجموعات بحثية حول العالم كشفت تغيرات متسقة في جوانب مستقلة من مناخ الأرض، بدءًا من أعلى طبقات الغلاف الجوي وصولًا إلى أعماق المحيطات.
ولا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على إثبات أن المناخ يتغير، بل تمتد إلى تحديد الأسباب التي تقف وراء التغيرات المرصودة، والتمييز بين تأثير النشاط البشري والتأثيرات الطبيعية.
من استنتاج عام عام 1995 إلى أدلة أكثر رسوخًا
يعود تاريخ أبحاث البصمات المناخية إلى عقود، وأسهمت أعمال سانتر وزملائه في الوصول إلى استنتاج مهم للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عام 1995، مفاده أن مجمل الأدلة يشير إلى وجود تأثير بشري يمكن تمييزه في مناخ الأرض.
ومنذ ذلك الحين، تطورت أدوات الرصد والتحليل والنمذجة المناخية، وأصبحت القدرة على اكتشاف بصمات النشاط البشري أكثر دقة.
وتشير المراجعة الجديدة إلى أن الفترة التي أعقبت عام 2009 شهدت تسجيل السنوات العشر الأشد حرارة في السجلات الآلية لدرجات حرارة سطح الأرض، وهو ما عزز الإشارة المناخية المرتبطة بالنشاط البشري مقارنة بالتقلبات الطبيعية التي قد تحجبها أو تزيد من وضوحها على المدى القصير.
ويقول سانتر إن العلوم المنشورة منذ صدور القرار الأمريكي عام 2009 عززت الأدلة التي كانت متاحة آنذاك، وأصبح من الصعب تجاهل اتساق النتائج التي تربط الأنشطة البشرية بالتغيرات المناخية المرصودة.
ولا يعني ذلك أن كل تغير مناخي يمكن تفسيره بعامل واحد، أو أن التقلبات الطبيعية اختفت؛ بل يعني أن تأثير غازات الدفيئة أصبح واضحًا على نحو متزايد عند تحليل الاتجاهات طويلة الأجل ومقارنتها بالأنماط التي تتوقعها الفيزياء المناخية.
من ارتفاع الحرارة إلى مخاطر الفيضانات والحرائق والأضرار الزراعية
تتجاوز أهمية البصمات المناخية قياس متوسط حرارة الكوكب، إذ تساعد الباحثين على دراسة كيفية تأثير الاحترار البشري في خصائص الظواهر المتطرفة، بما يشمل تواترها أو شدتها أو احتمال وقوعها في ظروف معينة.
وتشمل المخاطر المرتبطة بهذه الظواهر الإجهاد الحراري، والفيضانات، وحرائق الغابات، والأضرار التي تلحق بالمحاصيل الزراعية، إلى جانب آثارها في صحة الإنسان والنظم البيئية والاقتصادات المحلية.
وقد تطورت أساليب علمية تسمح للباحثين بتقدير مدى مساهمة تغير المناخ في تغيير احتمال وقوع حدث متطرف أو شدته. ويعتمد هذا النوع من الأبحاث على مقارنة الظروف المناخية الحالية بعالم افتراضي أقل تأثرًا بانبعاثات غازات الدفيئة، مع مراعاة العوامل الطبيعية والظروف المحلية المؤثرة في كل حدث.
وتساعد هذه الدراسات على الإجابة عن أسئلة محددة: هل جعل الاحترار حدثًا معينًا أكثر احتمالًا؟ هل زاد شدة الأمطار أو موجة الحر؟ وما مقدار التغير الذي يمكن إسناده إلى التأثير البشري؟
ويضيف هذا التحليل مستوى مهمًا من الدقة إلى فهم العلاقة بين تغير المناخ والكوارث، لأن وجود تأثير بشري في اتجاه مناخي عام لا يعني بالضرورة أن جميع الظواهر الجوية المتطرفة تتصرف بالطريقة نفسها.
الغلاف الجوي والمحيطات.. أدلة متسقة عبر النظام المناخي
توضح المراجعة أن بصمات الاحترار البشري لم تعد مقتصرة على قياسات درجات حرارة سطح الأرض، بل تظهر في مكونات متعددة من النظام المناخي.
ويعني ذلك أن الباحثين يستطيعون فحص التغيرات في طبقات الغلاف الجوي، إلى جانب التغيرات في المحيطات، ومقارنة هذه الملاحظات بالتأثيرات الفيزيائية المتوقعة لزيادة تركيزات غازات الدفيئة.
وتنبع أهمية هذا الاتساق من أن الأنظمة المناخية مترابطة، لكن استجابتها للاحتباس الحراري تختلف باختلاف خصائص كل مكون. وعندما تظهر أنماط التغير المتوقعة في مواقع وطبقات مختلفة، يصبح تفسيرها من خلال عامل واحد متوافق مع الأدلة أكثر قوة.
وتساعد هذه المعرفة أيضًا على تحسين التوقعات المناخية، وتقييم المخاطر التي تواجه المجتمعات والنظم البيئية، وتطوير السياسات الرامية إلى تقليل الانبعاثات والاستعداد للآثار التي يصعب تجنبها.
الجدل الأمريكي.. ما علاقة الدراسة بقرار عام 2009؟
تأتي المراجعة في وقت يتجدد فيه الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن «قرار الخطر» الصادر عن وكالة حماية البيئة الأمريكية عام 2009، والمعروف باسم Endangerment Finding .
وخلص القرار إلى أن غازات الدفيئة تشكل خطرًا على الصحة العامة ورفاه الإنسان، وهو ما وفر أساسًا قانونيًا مهمًا لتنظيم انبعاثات هذه الغازات بموجب قانون الهواء النظيف الأمريكي.
وفي يوليو 2025، أصدرت وزارة الطاقة الأمريكية تقريرًا شكك في مصداقية أبحاث البصمات المناخية وفي الأساس العلمي الذي استند إليه القرار.
ويرى مؤلفو المراجعة الجديدة أن هذا التقييم لم يعكس بصورة كافية وزن الأدلة المتاحة عام 2009، ولا التقدم العلمي الذي تحقق خلال السنوات السبع عشرة التالية.
ويحذر الباحثون من أن إلغاء القرار قد تكون له آثار تتجاوز تنظيم الانبعاثات، إذا فتح الباب أمام مراجعة أو إلغاء إجراءات بيئية أخرى تستند إلى الأساس القانوني نفسه.
لكن المراجعة العلمية ليست في حد ذاتها حكمًا قضائيًا بشأن قانونية أي إجراء حكومي، كما أن تقييم السياسات الأمريكية يتطلب النظر إلى النصوص القانونية والإجراءات الرسمية إلى جانب الأدلة العلمية.
وتتمثل مساهمة الدراسة الأساسية في مراجعة الأدلة المناخية وتطورها، وتقييم مدى قوتها في تفسير التغيرات المرصودة، لا في الفصل القانوني في النزاع السياسي والتنظيمي.
لماذا يهم استمرار أبحاث المناخ؟
يرى الباحثون أن مواصلة أبحاث البصمات المناخية ضرورية لفهم حجم التأثير البشري وتحديد المخاطر التي تتعرض لها المجتمعات والاقتصادات والنظم الطبيعية.
فكلما تحسنت القدرة على رصد التغيرات وإسناد أسبابها، أمكن تطوير تقييمات أكثر دقة للمخاطر، وتحسين سياسات خفض الانبعاثات والتكيف مع آثار تغير المناخ.
كما أن استمرار الرصد المستقل يساعد على اختبار التوقعات العلمية ومراجعتها مع ظهور بيانات جديدة، ويمنح صناع القرار والجمهور أساسًا أفضل لتقييم الخيارات المتاحة.
ويحذر سانتر من أن استمرار الأبحاث الصارمة في إسناد التغيرات المناخية قد يتعرض بدوره للتهديد إذا تراجعت المؤسسات والبرامج التي تدعمها.
ويرى أن هذه الأبحاث تربط بين حرق الوقود الأحفوري والأضرار التي يمكن أن تطال صحة الإنسان والبيئة والمجتمعات والاقتصادات.
خلاصة: الأدلة تتراكم ولا تتوقف عند ارتفاع الحرارة
تخلص المراجعة إلى أن أكثر من ثلاثين عامًا من أبحاث البصمات المناخية عززت فهم العلماء لأسباب التغيرات التي يشهدها مناخ الأرض، وأن الأدلة على التأثير البشري أصبحت أقوى منذ عام 2009.
وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها لا تستند إلى مؤشر منفرد، بل إلى أنماط متوافقة من التغيرات المرصودة في أجزاء متعددة من النظام المناخي، وإلى تطور الأساليب التي تميز بين التأثيرات البشرية والتقلبات الطبيعية.
وفي ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالحر الشديد والأمطار الغزيرة والفيضانات وحرائق الغابات، تظل هذه المعرفة ضرورية لتحديد مصادر الخطر، وتحسين التوقعات، ودعم سياسات الحد من الانبعاثات.
فالجدل حول الاستجابة السياسية لتغير المناخ لا يغير الحاجة إلى مواصلة القياس العلمي والتحقق من الأدلة؛ إذ إن فهم ما يحدث، وتحديد أسبابه، وتقدير مخاطره، يمثل خطوة أساسية لاتخاذ قرارات أكثر قدرة على حماية البشر والبيئة.
