بسبب قرارات ترامب.. أوروبا تبتعد عن التقارير العلمية الأمريكية وتبني أنظمتها لمراقبة المناخ

ردًا على تقليصات ترامب.. أوروبا تطلق مبادرة علمية مستقلة لحماية بيانات المناخ

تتخذ الحكومات الأوروبية خطوات لكسر اعتمادها على البيانات العلمية المهمة التي أتاحتها الولايات المتحدة تاريخيًا مجانًا للعالم، وتعمل على تكثيف أنظمة جمع البيانات الخاصة بها لمراقبة تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة، وفقًا لمقابلات أجرتها وكالة “رويترز”.

وتمثل هذه الجهود – التي لم يتم الإبلاغ عنها من قبل – الاستجابة الأكثر واقعية من الاتحاد الأوروبي وحكومات أوروبية أخرى حتى الآن لتراجع الحكومة الأمريكية عن دعم البحث العلمي في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب.

منذ عودته إلى البيت الأبيض، بادر ترامب إلى تنفيذ تخفيضات شاملة في ميزانية الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، والمعاهد الوطنية للصحة، ووكالة حماية البيئة، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وغيرها من الوكالات، كما عمل على تفكيك البرامج التي تجري أبحاثًا في مجالات المناخ والطقس والبيانات الجغرافية والصحة، وعطّل بعض قواعد البيانات العامة.

أحداث الطقس المتطرفة

تحديات كبيرة في التخطيط للظواهر الجوية المتطرفة

ومع دخول هذه التخفيضات حيّز التنفيذ، أعرب مسؤولون أوروبيون عن قلقهم المتزايد من أنه في حال عدم استمرار الوصول إلى بيانات الطقس والمناخ المدعومة من الولايات المتحدة، ستواجه الحكومات والشركات تحديات كبيرة في التخطيط للظواهر الجوية المتطرفة والاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية، وفقًا للمقابلات.

وفي مارس، حثّت أكثر من اثنتي عشرة دولة أوروبية المفوضية الأوروبية على التحرك بسرعة لتوظيف العلماء الأمريكيين الذين سيفقدون وظائفهم بسبب هذه التخفيضات.

تغير المناخ يدمر البنية التحتية

العلم الأخضر الجديد المزيف

وعندما طُلب من مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض التعليق على تخفيضات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، وتحركات الاتحاد الأوروبي لتوسيع قاعدة بياناته العلمية، صرّح بأن التخفيضات التي اقترحها ترامب على ميزانية الوكالة لعام 2026 تستهدف البرامج التي تنشر ما وصفه بـ”العلم الأخضر الجديد المزيف”، في إشارة إلى أبحاث وسياسات تغير المناخ.

وقالت راشيل كاولي، المتحدثة باسم المكتب، عبر البريد الإلكتروني: “تحت قيادة الرئيس ترامب، بدأت الولايات المتحدة في تمويل العلوم الحقيقية مرة أخرى”.

وأشار مسؤولون أوروبيون إلى أنهم، إلى جانب خطر فقدان القدرة على الوصول إلى البيانات التي تشكّل أساس الفهم العالمي لتغير المناخ والأنظمة البحرية، يشعرون بالقلق إزاء الانسحاب الأمريكي العام من الأبحاث.

وقالت وزيرة الدولة السويدية للتعليم والبحث العلمي، ماريا نيلسون، لرويترز: “الوضع الحالي أسوأ بكثير مما توقعنا. بصراحة، ردة فعلي هي الصدمة”.

ووصف المعهد الدنماركي للأرصاد الجوية بيانات الحكومة الأمريكية بأنها “بالغة الحيوية”، مؤكدًا اعتماده على عدة مجموعات بيانات لقياس الجليد البحري في القطب الشمالي ودرجات حرارة سطح البحر.

وصرّح أدريان ليما، مدير المركز الوطني لأبحاث المناخ التابع للمعهد: “هذه ليست مجرد مشكلة فنية، فالبيانات الموثوقة تدعم تحذيرات الطقس المتطرف، وتوقعات المناخ، وحماية المجتمعات، وفي نهاية المطاف، إنقاذ الأرواح”.

أجرت “رويترز” مقابلات مع مسؤولين من ثماني دول أوروبية، أفادوا بأن حكوماتهم تُجري مراجعاتٍ لمدى اعتمادها على البيانات الأمريكية المتعلقة بالمناخ والمحيطات والطقس.

ووصف مسؤولون من سبع دول – هي الدنمارك وفنلندا وألمانيا وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد – جهودًا مشتركة في مراحلها الأولى لحماية بيانات الصحة والمناخ، وبرامج البحث الأساسية.

التحديات المناخية وتأثيرها على الزراعة

الاعتماد على الولايات المتحدة

قال مسؤول كبير في المفوضية الأوروبية إن الاتحاد الأوروبي يسعى، كأولوية، إلى توسيع نطاق وصوله إلى بيانات مراقبة المحيطات، والتي تُعد بالغة الأهمية لقطاعي الشحن والطاقة، بالإضافة إلى أنظمة الإنذار المبكر بالعواصف.

وأوضح المسؤول أن الاتحاد يخطط خلال العامين المقبلين لتوسيع شبكة المراقبة والبيانات البحرية الأوروبية، التي تجمع وتستضيف معلومات حول طرق الشحن، وموائل قاع البحر، والنفايات البحرية، وغيرها من المخاوف البيئية.

وذكر أن المبادرة تهدف إلى “محاكاة الخدمات الموجودة في الولايات المتحدة، وربما استبدالها”.

وأشار مسؤول ثانٍ في الاتحاد الأوروبي إلى أن أوروبا تشعر بقلق خاص من تأثير خفض التمويل الأمريكي للذراع البحثية التابعة للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، والتي تُعد عنصراً أساسياً في نظام مراقبة المحيطات العالمي، وهو شبكة تدعم خدمات الملاحة، وطرق الشحن، والتنبؤ بالعواصف.

وتعتمد شركات التأمين على سجلات الكوارث في هذا النظام لنمذجة المخاطر، كما يستخدم مخططو السواحل بيانات خط الساحل ومستوى سطح البحر والمخاطر البيئية لتوجيه استثمارات البنية التحتية.

ويعتمد قطاع الطاقة كذلك على البيانات المحيطية والزلزالية لتقييم جدوى مشاريع الحفر البحري أو إنشاء مزارع الرياح.

مزرعة الرياح البحرية

اتحاد أوروبي جديد من العلماء لمواجهة انسحاب أمريكا من أبحاث البيئة

وأضاف المسؤول أن الاتحاد الأوروبي يدرس أيضًا زيادة تمويله لبرنامج “أرجو”، وهو جزء من نظام مراقبة المحيطات العالمي، يدير شبكة من العوّامات لرصد محيطات العالم، وتتبع ظواهر الانحباس الحراري، والأحداث الجوية المتطرفة، وارتفاع مستوى سطح البحر.

وكانت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي قد وصفت البرنامج، الذي يعمل منذ أكثر من 25 عامًا، بأنه “جوهرة التاج في علوم المحيطات”، ويُوفر بياناته مجانًا لقطاعات النفط والغاز، والسياحة البحرية، وغيرها.

تُموّل الولايات المتحدة 57% من النفقات التشغيلية السنوية لبرنامج أرغو (40 مليون دولار)، بينما يموّل الاتحاد الأوروبي 23%. ولم يُجب البيت الأبيض أو الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي على استفسارات بشأن الدعم المستقبلي للبرنامج.

وصرّح كريغ ماكلين، الذي تقاعد عام 2022 بعد أربعة عقود في الوكالة، بأن تحرك أوروبا لإنشاء نظام مستقل لجمع البيانات والاضطلاع بدور أكبر في مشروع “أرجو” يمثل تحولًا تاريخيًا عن عقود من الريادة الأمريكية في علوم المحيطات. وأشار إلى أن الولايات المتحدة، عبر إدارة NOAA، كانت تموّل أكثر من نصف عمليات قياس محيطات العالم.

ويُقر العلماء الأوروبيون بالدور الريادي الذي لعبته الولايات المتحدة في البحث العلمي وجمع البيانات عالميًا، مؤكدين في الوقت ذاته أن الدول الأوروبية أصبحت تعتمد بشكل مفرط على هذا الدور.

وقالت كاترين بونينغ-جايس، المديرة العلمية لمركز هيلمهولتز الألماني لأبحاث البيئة: “الأمر أشبه بالدفاع: نحن نعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في هذا المجال أيضًا. إنهم رواد وقدوة، لكن هذا يجعلنا أيضًا تحت رحمتهم”.

ناسا

“الأرشفة العصابية”

تتخذ عدة حكومات أوروبية حاليًا تدابير للحد من هذا الاعتماد. فقد صرّحت وزيرة البحث والتعليم العالي النرويجية، سيغرون آسلاند، بأن دول الشمال الأوروبي اجتمعت في الربيع لتنسيق جهود تخزين البيانات. كما ناقش وزراء العلوم الأوروبيون التخفيضات الأمريكية في اجتماع عُقد في باريس في مايو.

وقالت آسلاند إن النرويج خصصت مليوني دولار لدعم وتخزين البيانات الأميركية لضمان الوصول المستقر إليها.

وبدأ المعهد الدنماركي للأرصاد الجوية في فبراير بتنزيل البيانات المناخية الأمريكية التاريخية تحسبًا لاحتمال حذفها من قبل الحكومة الأمريكية، ويستعد للتحوّل إلى بدائل في حال انقطاع البيانات، بحسب ما صرّحت به كريستينا إيجلوند، وزيرة التعليم العالي والعلوم في الدنمارك.

وقال ليما من المعهد: “المشكلة الحرجة تكمن في احتمال توقف تدفق بيانات الرصد الجديدة”. وأضاف: “قد تستمر نماذج الطقس بالعمل بدون بيانات الولايات المتحدة، لكن جودتها ستتأثر بلا شك”.

وفي السياق ذاته، كلّفت الحكومة الألمانية منظمات علمية، من بينها مركز هيلمهولتز، بمراجعة مدى اعتمادها على قواعد البيانات الأمريكية.

ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدأ العلماء والمواطنون حول العالم في تنزيل قواعد البيانات الأمريكية المتعلقة بالمناخ، أو الصحة العامة، أو البيئة، والمهددة بالإيقاف، فيما بات يُعرف بـ”الأرشفة العصابية”.

وقال فرانك أوليفر جلوكنر، رئيس الأرشيف الرقمي “PANGAEA”، الذي تديره مؤسسات بحثية ألمانية ممولة من القطاع العام: “لقد تلقينا بالفعل طلبات – أو دعنا نقول نداءات طوارئ – من زملائنا في الولايات المتحدة، قالوا فيها: لدينا مشكلة هنا… وقد نضطر إلى التخلي عن بعض مجموعات البيانات”.

وكالة الفضاء الأوروبية

وفي إطار تخفيضات إدارة “كفاءة الحكومة”، تم إنهاء خدمات حوالي 800 موظف من أصل 12 ألفًا في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، أو منحوا حوافز للاستقالة.

وتسعى خطة ميزانية البيت الأبيض لعام 2026 إلى تقليص حجم الإدارة بشكل أكبر، عبر اقتراح خفض بقيمة 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل 27% من الميزانية، بالإضافة إلى تقليص عدد الموظفين بنسبة 20% ليصل إلى 10 آلاف موظف فقط.

ويشمل الاقتراح إلغاء مكتب أبحاث المحيطات والغلاف الجوي، وهو الذراع البحثية الرئيسة للإدارة، والمسؤول عن أنظمة رصد المحيطات، بما في ذلك “أرغو”، وشبكات المراقبة الساحلية، وأجهزة استشعار الأقمار الصناعية، ومختبرات نمذجة المناخ.

كما أعلنت الإدارة، في الفترة بين أبريل ويونيو، عن إيقاف تشغيل 20 مجموعة بيانات أو منتجًا متعلقًا بالزلازل وعلوم البحار.

وقال جلوكنر إن تخزين بيانات الحكومة الأمريكية لا يواجه عوائق قانونية، لأنها متاحة في المجال العام.

لكن دون وجود تمويل وبنية تحتية قوية، فإن قدرة المؤسسات البحثية على تحديث تلك البيانات ستبقى محدودة.

وأوضحت دينيس روس، الزميلة البارزة في اتحاد العلماء الأمريكيين، والمسؤولة السابقة عن البيانات في الحكومة الأمريكية خلال إدارة بايدن، أن قواعد البيانات بحاجة إلى تحديث مستمر، وهو ما يتطلب تمويلاً وبنية تحتية لا تستطيع توفيرها سوى الحكومات.

وفي الأشهر الأخيرة، أجرى مسؤولون من الاتحاد الأوروبي مشاورات مع باحثين أوروبيين ومؤسسات خيرية أمريكية ومنظمات صحية وبيئية لتحديد أولويات البيانات التي يجب حفظها.

وقالت روس: “هناك فرصة للدول والمؤسسات والجمعيات الخيرية لسد الفجوات، إذا بدأت جودة التعليم والبحث في الولايات المتحدة في التراجع”.

Exit mobile version