ملفات خاصةأهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

انبعاثات الكربون تجهد كوكبنا مثل جسر مُثقل.. والعواقب خفية

العلماء يحذرون: الضغط المتراكم في الأرض قد يسبق الكوارث المناخية

الأرض ليست لوحة أرقام: انبعاثات الكربون تغير بنيتها الميكانيكية

تُحصي البشرية انبعاثاتها الكربونية سنويًا، لكنها نادرًا ما تراعي كيف يتحمّل الكوكب نفسه هذا العبء. تغيّر دراسة جديدة الصورة تمامًا بمعاملة الأرض كمادة مُرهَقة بدلًا من كونها مجرد لوحة نتائج سلبية.

قاد فريق بقيادة ماثياس جوناس من المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA) دراسة حوّل فيها الانبعاثات إلى وحدات يستخدمها المهندسون لاختبار الجسور.

استعار الباحثون أدوات من علم الروماتولوجيا، الذي يدرس كيفية تشوه المواد.

وتشير نتائجهم إلى أن نظام الكربون والمناخ تجاوز بالفعل نطاقه الطبيعي. نُشرت الدراسة في مجلة علوم البيئة الكلية.

الأرض تشعر بالضغط من تلوث الكربون

بدلاً من الأطنان، قاس الفريق الضغط الجوي بوحدة الباسكال، وهي وحدة القياس التي يستخدمها المهندسون لوصف قوة الدفع على متر مربع من السطح. وصمموا الأرض كجسم ماكسويل، وهو مزيج من الأجزاء المرنة واللزجة التي تتمدد وتتدفق عند إجبارها.

في هذا النموذج، تُسبب الانبعاثات المتراكمة ضغطًا، بينما يمثل تمدد عمود الهواء وتباطؤ امتصاص الكربون برًا وبحرًا ضغطًا معاكسًا. وتكشف نسبة الاثنين عن سرعة تآكل النسيج العالمي.

قال جوناس: «أردنا أن نرى كيف يتمدد نظام الأرض بأكمله ويتعرض للضغط تحت هذا العبء». ومن خلال حساب التغير من عام 1850 إلى عام 2021، اكتشف الفريق عتبات خفية غير مرئية في مخططات توازن الكتلة المعتادة.

حتى الضغط المنخفض يعيد تشكيل الأرض

تظهر الحسابات أنه بحلول عام 2021، كانت البشرية تحقن ما بين 12.8 و15.5 باسكال سنويًا من الطاقة الإضافية لكل وحدة حجم، وهي القيمة التي أطلق عليها جوناس «قوة الإجهاد». تنتشر هذه القوة على كل ياردة مكعبة من الهواء والماء والتربة، وتشبه نسيمًا خفيفًا لكنه لا يتوقف.

هذا الضغط الثابت، الضئيل عند أي نقطة، يصبح هائلًا عند جمعه عبر المحيطات والغلاف الجوي. لا تستطيع المخازن الطبيعية للأرض استيعاب سوى قدر محدود قبل أن يتباطأ زمن استجابتها.

يشبّه جوناس الظاهرة بترك خرطوم ماء مفتوح طوال الليل؛ فيغمر الماء الفناء بحلول الصباح. وبالمثل، يغيّر الضغط المستمر، وإن كان منخفضًا، حجم الغلاف الجوي وكيمياء المحيط.

انبعاثات الكربون

إضعاف الأنظمة الطبيعية للأرض

تبيّن الدراسة أن هناك زمن تأخير بين نبضة الانبعاثات والاستجابة الهيكلية للكوكب. وقد بلغ هذا التأخير ذروته في أوائل القرن العشرين، كاشفًا أن أحواض اليابسة والمحيطات بدأت تفقد مرونتها أسرع مما كان متوقعًا.

بحسب تقديرهم المتوسط، فإن سنة الانقلاب كانت عام 1932 – بعد نحو عقدين من خروج طراز T من خطوط التجميع.

بعد تلك النقطة، لم يعد نظام الأرض والمحيط يتعافى بالتوازي مع الضغط، بل امتص الضربة وحمل «الندوب» إلى الأمام.

وأشار جوناس إلى أن «حتى لو حققنا أهدافنا المتعلقة بالانبعاثات، فإن إضعاف الأنظمة الطبيعية للأرض قد يتركنا نواجه اضطرابات كبرى قبل الموعد المتوقع».

الضغوط المتزايدة تجعل العمل المناخي ملحًا

تجاوز إنتاج ثاني أكسيد الكربون 40.9 مليار طن في عام 2022، وهو رقم قياسي رفع مستوى الطاقة المُستنفدة إلى مستوى أعلى. ومع تزايد الانبعاثات بنسبة تقارب 0.5% سنويًا، ترتفع الطاقة المضخّة في بنية الكوكب حتى مع بقاء أهداف درجات الحرارة على الورق.

يؤدي التأخير أيضًا إلى تضخيم التكاليف، لأن البنية التحتية المُصممة لخط أساس أكثر برودة قد تتدهور أسرع تحت تأثير الضغط الحراري والميكانيكي المُركب، إن احتساب درجة الحرارة فقط يتجاهل الفواتير الخفية للصيانة.

تحذر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من أنه للحفاظ على الاحتباس الحراري عند مستوى قريب من 2.7 درجة فهرنهايت، يجب أن تبلغ انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري ذروتها قبل عام 2025، ثم تنخفض بنسبة 43% بحلول 2030.

وتشير أرقام جوناس إلى أن كل عام تأخير يزيد الضغط الأساسي، مما يعني أن التخفيضات المستقبلية يجب أن تكون أكثر حدة لمجرد إيقاف المزيد من الضغط.

الأحواض الطبيعية تفقد قوتها

لا تزال الأحواض الطبيعية تمتص نحو نصف ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية، إلا أن كفاءتها تتراجع، خاصة في المحيط الجنوبي والغابات الاستوائية.

في عام 2023، أدت الحرارة الشديدة إلى انخفاض امتصاص الغطاء النباتي الأرضي للكربون بشكل ملحوظ، وفقًا للرصد العالمي.

لقد تباطأ امتصاص المحيطات بنسبة تصل إلى 4% خلال العقد الماضي، بينما تأرجحت كفاءة اليابسة بين الإيجابية والسلبية خلال فترات الجفاف الكبرى.

يؤكد تحليل الضغط هذه الملاحظات الميدانية بإظهار أن الجانب المحيطي من المعادلة يضعف أسرع من الجانب الأرضي.

في النموذج، ينخفض ثابت التخميد المرتبط بامتصاص المحيطات بنسبة 30% منذ عام 1850 وحتى اليوم، مما يدل على أن الحرارة والحموضة قد تعيدان تشكيل الكيمياء البحرية بالفعل، بينما ينخفض ثابت اليابسة بوتيرة أبطأ.

دور المحيطات في التخفيف من تغير المناخ

ضغوط الماضي ومخاطر المستقبل

لأن قوة الضغط تتزايد مع تراكم الانبعاثات، فإن مجرد الوصول إلى صافي الصفر في أواخر القرن لن يُعيد ضبط الساعة. فالضغط المُجمد في النظام قد يستمر لعقود، مما يطيل الوقت اللازم لاستعادة الأحواض قوتها.

لذا، فإن مخططات إزالة الكربون ليست اختيارية، بل أشبه بخطة إصلاح هيكلية ضرورية لتخفيف الضغط المتراكم. ومع ذلك، فإن الإزالة واسعة النطاق ليست جاهزة بالسرعة أو التكلفة المطلوبة.

إذا انتظرت الدول حتى يعلو إنذار درجات الحرارة فقط، فقد تتجاهل التعب الميكانيكي المتراكم تحت السطح.

يشبّه جوناس هذا الخطر بدفع عارضة فولاذية حتى تتسارع الشقوق المجهرية قبل أن يظهر الانحناء.

ضغوط الأرض والأضرار الخفية

يأمل المؤلفون في نسج إطار عملهم الروماتولوجي في نماذج مناخية مقترنة بحيث تظهر ديناميكيات التعب جنبًا إلى جنب مع مخرجات درجات الحرارة وهطول الأمطار.

الهدف هو تحديد المناطق التي تنتشر فيها الصدمات المحلية – من موت الأشجار إلى فقدان الجرف الجليدي – على مستوى عالمي. كما يخطط الباحثون لتحسين معلمات الأحواض باستخدام بيانات الأقمار الصناعية والعوامات، لتقليل عدم اليقين في ثوابت التخميد.

وسوف تكشف الحدود المحسنة ما إذا كان التحول الذي حدث في ثلاثينيات القرن العشرين بمثابة عتبة عالمية أم الخطوة الأولى في سلسلة تغييرات.

في نهاية المطاف، يُقدّم هذا النهج معيارًا آخر للتقدم: قراءة مباشرة لمدى سرعة استرخاء الأرض بعد انخفاض الضغط. وقد يكون انخفاض هذا الرقم محفزًا بقدر أي منحنى حرارة.

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading