بحث صناع سياسات وباحثون وخبراء دوليون سبل تعزيز فهم الخسائر التي تتعرض لها النظم البيئية نتيجة تغير المناخ وتدهور الأراضي، بما يسهم في دعم جهود التكيف والحد من مخاطر الكوارث واستعادة الأراضي، وفتح مسارات جديدة للتمويل المناخي.
وجاء ذلك خلال جلسة بعنوان «ربط التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي والخسائر والأضرار في سياق تغير المناخ»، عُقدت على هامش الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، المنعقدة في العاصمة المنغولية أولان باتور.
خسائر بيئية يصعب قياسها
ناقش المشاركون خلال الجلسة تداعيات تغير المناخ والكوارث على النظم البيئية، وما تسببه من خسائر واسعة تمتد آثارها إلى التنوع البيولوجي وسبل العيش والثقافات والاقتصادات المحلية.
وأشار المشاركون إلى أن العديد من هذه الخسائر لا تزال صعبة القياس والتقييم، كما أنها غالبًا ما تغيب عن التقييمات التقليدية الخاصة بمفهوم الخسائر والأضرار المناخية، الأمر الذي يقلل من إمكانية إدراجها ضمن خطط الاستجابة والتمويل.
وركزت المناقشات على مبادرة FRAME-ECO، وهي مبادرة تعاونية بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، ومعهد جامعة الأمم المتحدة للبيئة والأمن البشري، بهدف تطوير إطار متعدد الأبعاد لتقييم خسائر التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية.
ويستند الإطار إلى مناهج من بينها نظام المحاسبة البيئية والاقتصادية وإطار القيم الخاص بالمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، بما يساعد الدول على دمج هذه الخسائر في أنظمة التكيف مع تغير المناخ والحد من مخاطر الكوارث.
كما يستهدف الإطار دعم قرارات التمويل المناخي والمساهمة في تفعيل صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار.
النظم البيئية بنية تحتية واقية
وأكدت المناقشات أهمية عدم الاقتصار على قياس الخسائر الاقتصادية المباشرة، وإنما تضمين الخسائر غير الاقتصادية، مثل الأضرار التي تلحق بسبل العيش والقيم الثقافية والخدمات التي تقدمها النظم البيئية.
وشددت فروزينا شتراوس من برنامج الأمم المتحدة للبيئة على ضرورة تعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة، داعية إلى جمع المعلومات بطريقة تسمح باستخدامها في أكثر من مجال، مع بناء شراكات فعالة بين المؤسسات المعنية.
من جانبه، أوضح وزير الدولة للبيئة وتغير المناخ في منغوليا، باتبايار شورنشولون، أن بلاده تشهد بالفعل مظاهر للخسائر والأضرار المرتبطة بتغير المناخ، حتى قبل أن يصبح بالإمكان تحويلها إلى أرقام مالية.
وأشار إلى أن منغوليا تعمل على تطوير خطة وطنية للتكيف، بالتوازي مع عملياتها المرتبطة بالمساهمات المحددة وطنيًا والاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي، مؤكدًا أهمية دمج التكيف القائم على النظم البيئية في التخطيط الوطني.
وشدد على أن استعادة الأراضي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تكلفة فقط، وإنما استثمارًا في الأرض والسكان والمستقبل.
وفي السياق نفسه، أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في غامبيا، كارل فريدريك بول، ضرورة التعامل مع النظم البيئية باعتبارها «بنية تحتية واقية»، خاصة في مواجهة المخاطر الساحلية والمناخية.
وأوضح أن حماية النظم البيئية يمكن أن تسهم في منع وقوع خسائر قبل أن تصبح غير قابلة للعكس، مشيرًا إلى الحاجة إلى أدلة أكثر قوة لإثبات الجدوى الاقتصادية والمالية للاستثمار المبكر في حماية الطبيعة وتعزيز قدرتها على الصمود.
من البيانات إلى التمويل
وأكد الدكتور أنيميش كومار من مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث أهمية رصد الطيف الكامل للخسائر الاقتصادية وغير الاقتصادية الناجمة عن تغير المناخ والكوارث.
فيما أشارت ييفون فالتس من معهد جامعة الأمم المتحدة للبيئة والأمن البشري إلى إمكانية تحويل تقييمات الخسائر والأضرار إلى أنظمة للرصد والمتابعة، بما يسمح باستخدام البيانات بصورة أكثر فاعلية في صنع السياسات.
وشددت دورين لين روبنسون من برنامج الأمم المتحدة للبيئة على أن تقييم قيمة الخسائر لا ينبغي أن يكون مجرد عملية أكاديمية، مؤكدة ضرورة أن يكون للمجتمعات المحلية المتضررة دور أساسي في تحديد قيمة ما فقدته من موارد وخدمات ونظم بيئية.
وتوصل المشاركون إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في تحسين البيانات والتقييمات، وإنما في تحويل هذه المعرفة إلى حلول قابلة للاستثمار، خاصة أن مشروعات التكيف القائم على النظم البيئية واستعادة الأراضي يمكن أن تعزز القدرة على الصمود وتمنع خسائر مستقبلية.
4 أولويات لمواجهة الخسائر والأضرار
وحددت المناقشات أربع أولويات رئيسية للتحرك خلال المرحلة المقبلة، تتمثل في:
– كسر الحواجز بين المؤسسات: من خلال الربط بين الاتفاقيات الدولية المعنية بالمناخ والتنوع البيولوجي وتدهور الأراضي، إلى جانب إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث، عبر مناهج مشتركة لرصد النظم البيئية.
– رصد الخسائر غير المرئية: عبر إدراج الخسائر الاقتصادية وغير الاقتصادية بصورة منهجية في عمليات التقييم.
– تحويل الأدلة إلى إجراءات: باستخدام نتائج التقييمات في دعم استعادة الأراضي والتكيف القائم على النظم البيئية والحد من مخاطر الكوارث بالاعتماد على الطبيعة.
– فتح مسارات التمويل: من خلال ضمان الاعتراف بالأضرار التي تتعرض لها النظم البيئية ضمن آليات تمويل المناخ وتمويل الخسائر والأضرار.
وتعمل شبكة أصدقاء التكيف القائم على النظم البيئية وشراكة البيئة والحد من مخاطر الكوارث على مواصلة هذا المسار من خلال مجموعة عمل مشتركة بشأن الخسائر والأضرار، إلى جانب إعداد موجز سياسات بعنوان كل خسارة مهمة: توحيد وتوسيع نطاق الاستجابة للخسائر والأضرار المرتبطة بالنظم البيئية.
وتؤكد المناقشات الدولية أن خسائر النظم البيئية لا يمكن معالجتها طالما ظلت غير مرئية في أنظمة التقييم وصنع القرار، وأن تحسين جمع البيانات، وتعزيز التنسيق، وإشراك المجتمعات المحلية يمكن أن يحول الأدلة العلمية إلى إجراءات مبكرة واستثمارات أكبر في القدرة على الصمود أمام تداعيات تغير المناخ.
