فقدان نحو 5 آلاف فدان من المراعي الطبيعية يوميًا في أمريكا الشمالية بسبب التوسع الزراعي

تقرير: الزراعة تلتهم 1.8 مليون فدان من الأراضي العشبية في أمريكا الشمالية خلال عام

تخسر الأراضي العشبية والمراعي الطبيعية في أمريكا الشمالية مساحات واسعة نتيجة التوسع الزراعي، إذ تحولت نحو 1.8 مليون فدان، تعادل قرابة 730 ألف هكتار، من الأراضي المفتوحة إلى حقول للمحاصيل الزراعية، مثل الذرة وفول الصويا والقمح، خلال عام 2023، وفقًا لتقرير جديد صادر عن الصندوق العالمي للطبيعة.

ويعادل هذا الفقدان نحو 5 آلاف فدان يوميًا، في مؤشر على الضغوط التي يفرضها التوسع في الزراعة على النظم البيئية الطبيعية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

ووفقًا للصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، فإن تقرير «Plowprint 2026» يقدم للمرة الأولى تقديرًا موحدًا لخسائر الأراضي العشبية والأراضي المفتوحة التي تحولت إلى زراعة المحاصيل الصفية في الدول الثلاث مجتمعة.

ويصدر الصندوق هذا التقرير منذ عام 2014، ويعتمد في نسخته الجديدة على تحليل بيانات استخدام الأراضي والغطاء الأرضي. ويؤكد الصندوق أن الأرقام الواردة تمثل تقديراته الخاصة، وليست نتائج دراسة منشورة في دورية علمية محكمة.

وقالت أليكسيس بونوجوفسكي، نائبة رئيس برنامج السهول الكبرى في الصندوق العالمي للطبيعة، إن الأراضي العشبية لا تحظى دائمًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الغابات والمحيطات، رغم ما تتمتع به من أهمية بيئية استثنائية.

كندا تتصدر خسائر الأراضي العشبية

من إجمالي 1.8 مليون فدان تحولت إلى أراضٍ زراعية في عام 2023، استحوذت الأراضي العشبية في إقليم البراري الكندي على نحو 1.15 مليون فدان، بينما بلغت الخسائر في الولايات المتحدة المتجاورة نحو 446 ألف فدان، وفي المكسيك نحو 204 آلاف فدان.

وتختلف المحاصيل التي تدفع التوسع الزراعي من دولة إلى أخرى؛ إذ ترتبط عمليات تحويل الأراضي العشبية في الولايات المتحدة بدرجة كبيرة بزراعة الذرة وفول الصويا، بينما يمثل القمح المحرك الرئيسي لهذا التوسع في إقليم البراري الكندي.

وتظهر بيانات التقرير أن المساحة الإجمالية للأراضي التي دخلت نطاق الزراعة في الولايات المتحدة، أي الأراضي التي زُرعت في مرحلة ما، ارتفعت بنحو 2.1 مليون فدان بين عامي 2020 و2024، بزيادة قدرها 0.4%.

وفي كندا، زادت هذه المساحة بنسبة 5% بين عامي 2019 و2023، بينما سجلت المكسيك زيادة بلغت 7% بين عامي 2020 و2024.

وأوضحت بونوجوفسكي، أن وتيرة التوسع الزراعي في الولايات المتحدة أصبحت أبطأ مقارنة بفترات سابقة، لكن البلاد لا تزال تفقد مئات الآلاف من الأفدنة سنويًا من الأراضي العشبية.

وأضافت أن تحويل الأراضي يتسارع بوتيرة أكبر في كندا والمكسيك، في حين تظل المساحة الإجمالية للأراضي التي دخلت نطاق الزراعة في الولايات المتحدة هي الأكبر.

المراعي

الأقمار الصناعية ترصد تحول الأراضي العشبية

يعتمد تقرير «Plowprint» على مقارنة خرائط الغطاء الأرضي الحكومية من عام إلى آخر، وهي خرائط تُعد باستخدام صور الأقمار الصناعية لرصد التغيرات في استخدام الأراضي.

وفي الولايات المتحدة، يستند التحديث السنوي إلى قاعدة البيانات الوطنية للغطاء الأرضي، التابعة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

وللتمييز بين التحول الزراعي الدائم والتغيرات المؤقتة، لا يصنف الصندوق العالمي للطبيعة الأرض على أنها تحولت إلى زراعة المحاصيل الصفية إلا إذا زُرعت بهذه المحاصيل لعامين متتاليين.

وتهدف هذه القاعدة إلى تجنب احتساب الأراضي التي تُترك دون زراعة لموسم واحد، أو تتأثر بالجفاف، أو تُصنف خطأً بسبب محدودية دقة صور الأقمار الصناعية، باعتبارها أراضي فقدت غطاءها العشبي بصورة دائمة.

كما تفسر هذه المنهجية اعتماد التقرير على بيانات عام 2023 باعتباره أحدث عام يمكن تقديم تقديرات موحدة عنه للدول الثلاث؛ إذ تتأخر بيانات الغطاء الأرضي الكندية عامًا عن غيرها.

وكان الصندوق قد أوقف إصدار التقرير مؤقتًا في العام الماضي بعد تغير البيانات الحكومية التي يستند إليها، قبل إعادة بناء منهجيته التحليلية.

ومن أبرز التعديلات توسيع السجل التاريخي للأراضي الزراعية في الولايات المتحدة ليبدأ من عام 1986 بدلًا من عام 2008، كما كان الحال في الإصدارات السابقة.

وأتاح هذا التغيير رصد الأراضي التي حُولت إلى الزراعة في تسعينيات القرن الماضي ثم عادت إلى الغطاء العشبي، وهي حالات لم تكن المنهجية السابقة قادرة على تتبع تاريخها بالكامل.

ولهذا، يحذر الصندوق من إجراء مقارنة مباشرة بين تقديرات عام 2023 والأرقام الواردة في الإصدارات السابقة، بما في ذلك تقدير فقدان 1.9 مليون فدان في عام 2022، بسبب التغييرات التي طرأت على أساليب الحساب.

ملايين الأفدنة يمكن أن تعود إلى المراعي الطبيعية

كشفت البيانات التاريخية الموسعة عن جانب آخر من قصة الأراضي العشبية في الولايات المتحدة؛ إذ أظهرت أن نحو 65% فقط من إجمالي المساحة التي دخلت نطاق الزراعة تُزرع فعليًا في عام معين.

وفي المقابل، عادت قرابة ربع هذه المساحة، بما يعادل نحو 111 مليون فدان أو 45 مليون هكتار، إلى الغطاء العشبي أو أراضي الرعي، من بينها نحو 63 مليون فدان في منطقة السهول الكبرى.

وترى بونوجوفسكي، أن هذه الأراضي تمثل فرصة مهمة لاستعادة النظم البيئية العشبية، بالتوازي مع حماية المراعي الطبيعية التي لا تزال قائمة.

وقالت، إن التركيز لا ينبغي أن ينصب فقط على المساحات التي يجري فقدانها، بل يجب أن يمتد أيضًا إلى الفرص الكبيرة المتاحة لاستعادة الأراضي العشبية، إلى جانب الحفاظ على المراعي الأصلية المتبقية.

وفي المقابل، لا تزال أكثر من 80% من الأراضي التي دخلت نطاق الزراعة في كندا والمكسيك مستخدمة في الإنتاج الزراعي، وفقًا للتقرير.

ومع ذلك، فإن عودة الغطاء العشبي إلى الأراضي الزراعية المهجورة لا تعني بالضرورة استعادة النظام البيئي الأصلي بالكامل؛ إذ تشير دراسات عن الأراضي الزراعية المتروكة إلى أن آثار تحويل الأراضي العشبية القديمة قد تستمر لقرون.

وبالتالي، فإن استعادة الغطاء النباتي لا تعادل بالضرورة استعادة التنوع البيولوجي والتفاعلات البيئية التي كانت موجودة قبل تحويل الأرض إلى الزراعة.

المراعي الإفريقية

فقدان الأراضي العشبية يهدد الحياة البرية

تغطي الأراضي العشبية نحو ثلث مساحة الولايات الأمريكية الثماني والأربعين المتجاورة، وفقًا للصندوق العالمي للطبيعة، لكنها لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام العام، إذ يشير الصندوق إلى أن ما يقرب من نصف الأمريكيين لا يعرفون عنها إلا القليل أو لا يعرفون عنها شيئًا.

وتوفر هذه النظم البيئية موائل لمجموعة واسعة من الحيوانات، من بينها البيسون، وظباء البرونجهورن، وابن مقرض أسود القدمين، والثعلب السريع، والطيور المهاجرة التي تعتمد على المراعي المفتوحة.

كما تدعم الأراضي العشبية الملقحات البرية، التي تؤدي دورًا مهمًا في النظم البيئية الزراعية وإنتاج الغذاء.

ويؤدي تحويل هذه الأراضي إلى حقول للمحاصيل إلى تغيير طبيعة الموائل التي تعتمد عليها الأنواع البرية، وقد يحد من المساحات المتاحة للتغذية والتكاثر والحركة بين الموائل.

ويتناول التقرير أيضًا دور الشعوب الأصلية في حماية الأراضي العشبية، مشيرًا إلى أن الأراضي التي تديرها الأمم الأصلية تمثل أكثر من 6% من مساحة السهول الكبرى.

ويدعو الصندوق إلى تعزيز دور هذه المجتمعات في إدارة الأراضي والحفاظ عليها، بما يشمل جهود استعادة قطعان البيسون.

وفي إطار رفع الوعي بأهمية هذه النظم البيئية، أطلق الصندوق العالمي للطبيعة وائتلاف الأراضي العشبية الأمريكي حملة بعنوان «We Are Grasslanders»، تستهدف زيادة معرفة الجمهور بقيمة الأراضي العشبية وأهمية حمايتها.

كيف يمكن الحد من فقدان الأراضي العشبية؟

ترى بونوجوفسكي، أن السياسات العامة تمثل جزءًا أساسيًا من الحل، مشيرة إلى أن من أهم الخطوات التي يمكن للأفراد اتخاذها التعبير عن مواقفهم والمطالبة بسياسات أكثر دعمًا لحماية الأراضي الطبيعية.

ويطرح الصندوق العالمي للطبيعة ثلاثة مسارات رئيسية للحد من تحويل الأراضي العشبية إلى زراعة المحاصيل.

يتمثل المسار الأول في توسيع نطاق برنامج «Sodsaver»، الذي يحد من دعم تأمين المحاصيل في الأراضي العشبية التي تُحرث حديثًا، ويقتصر تطبيقه حاليًا على ست ولايات في منطقة السهول الكبرى.

أما المسار الثاني فيتمثل في إصلاح الحوافز المرتبطة بالتأمين الزراعي، بما يقلل من التشجيع الاقتصادي على تحويل الأراضي الطبيعية إلى أراضٍ مزروعة.

ويتمثل المسار الثالث في تعزيز برنامج الاحتياطي للحفاظ على الأراضي «Conservation Reserve Program»، الذي يقدم مدفوعات للمزارعين مقابل إخراج الأراضي الزراعية الحساسة بيئيًا من الإنتاج وتحويلها إلى غطاء عشبي أو أنواع أخرى من الغطاء النباتي.

وبالنسبة إلى مالكي الأراضي ومديريها، يشير الصندوق إلى أهمية الاستفادة من برامج مثل برنامج الاحتياطي للحفاظ على الأراضي، وبرنامج الاحتياطي للأراضي العشبية، وبرنامج حوافز الجودة البيئية «EQIP»، التي يمكن أن تساعد في الإبقاء على الأراضي العشبية أو استعادة الأراضي الزراعية الهامشية الأقل ملاءمة للإنتاج.

وتهدف هذه البرامج إلى توفير حوافز اقتصادية تجعل حماية الأراضي الطبيعية واستعادة الغطاء النباتي خيارًا أكثر قابلية للتطبيق بالنسبة إلى أصحاب الأراضي.

بيانات جديدة لتقييم حالة الأراضي العشبية

يرصد التقرير مساحة الأراضي التي تحولت إلى الزراعة أو عادت إلى الغطاء العشبي، لكنه لا يقيس بصورة مباشرة الحالة البيئية لكل فدان.

فقد تكون الأرض الواقعة ضمن نطاق الأراضي التي دخلت الزراعة حقلًا للذرة، أو مرعى مستعادًا، ولا تقيّم المنهجية الحالية مدى سلامة النظام البيئي أو درجة احتفاظه بخصائصه الطبيعية.

ويعمل الصندوق العالمي للطبيعة مع معهد بيولوجيا الحفاظ على البيئة «Conservation Biology Institute» على تطوير مقياس لسلامة الأراضي العشبية، ومن المقرر تقديم تحديث مرحلي بشأنه.

كما يحذر التقرير من المقارنة المباشرة بين مناطق الدراسة الثلاث، نظرًا إلى اختلاف طبيعتها البيئية؛ فالسهول الكبرى في الولايات المتحدة تمتد عبر مناطق تتباين في مستويات الرطوبة والجفاف، بينما تتميز الأراضي الكندية محل الدراسة بخصائص أقرب إلى الأراضي العشبية المنتجة في الجزء الشمالي من السهول الكبرى.

ولا تتيح المنهجية الجديدة حتى الآن رسم اتجاه زمني موثوق يمكن من خلاله تحديد ما إذا كانت خسائر عام 2023 أكبر أو أقل من الخسائر في السنوات السابقة.

وبالنسبة إلى عام 2024، يقدر الصندوق أن الولايات المتحدة حولت نحو 425 ألف فدان إضافي إلى الزراعة، بينما بلغت المساحة في المكسيك نحو 178 ألف فدان. أما تقديرات كندا لعام 2024، فلم تكن متاحة بعد، ومن المتوقع أن تسمح البيانات الكندية الجديدة بإضافة سنة أخرى إلى التقييم القاري.

ويظل التقرير، الصادر عن الصندوق العالمي للطبيعة، تقييمًا تحليليًا مستقلًا للمنظمة، وليس دراسة منشورة في مجلة علمية محكمة.

ويؤكد التقرير أن حماية الأراضي العشبية تتطلب الجمع بين الحد من تحويل المساحات الطبيعية المتبقية، واستعادة الأراضي التي تدهورت أو خرجت من الإنتاج الزراعي، وتطوير سياسات تجعل الحفاظ على هذه النظم البيئية خيارًا عمليًا للمزارعين ومالكي الأراضي.

↑
Exit mobile version