تجربة تمتد 29 عامًا تكشف كيف يغيّر الاحترار بنية التربة تحت المراعي الجبلية

من الزهور إلى الشجيرات.. فطريات التربة تفشل في التكيف مع الاحترار طويل الأمد

كشفت تجربة علمية امتدت لنحو 29 عامًا في ولاية كولورادو الأمريكية أن ارتفاع درجات الحرارة لا يغيّر فقط الغطاء النباتي فوق سطح الأرض، بل يمتد تأثيره إلى أعماق التربة، حيث يعيد تشكيل العلاقات البيئية الأساسية داخل النظم الجبلية.

وأظهرت الدراسة أن المروج الجبلية في منطقة كريستد بوت شهدت تحولات كبيرة بعد تعرضها لزيادة حرارية مستمرة، إذ تراجعت النباتات المزهرة الكثيفة لصالح انتشار الشجيرات، وعلى رأسها نبات الميرمية (الشيح الجبلي).

وبدأت التجربة عام 1991 بقيادة العالم الفيزيائي جون هارتي من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، حيث تم استخدام أجهزة تسخين بالأشعة تحت الحمراء لرفع حرارة خمس قطع تجريبية بنحو 4 درجات فهرنهايت بشكل دائم على مدار العام، بينما تُركت خمس قطع أخرى دون تغيير للمقارنة.

ونُشرت الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.

فطريات التربة تفشل في التكيف مع الاحترار طويل الأمد

واستمرت التجربة حتى عام 2019، لتصبح أطول تجربة ميدانية للاحترار المناخي في نظام بيئي طبيعي.

وأظهرت النتائج أن النظام البيئي في المناطق المسخنة تغير بشكل جذري، حيث تحولت المروج الغنية بالأعشاب والزهور إلى مجتمع نباتي أكثر خشونة وجفافًا تهيمن عليه الشجيرات، وهي عملية وصفها الباحثون باسم «تَشَجُّر المراعي».

وامتدت هذه الظاهرة إلى مناطق أوسع في جبال كولورادو، حيث أظهرت دراسات أخرى زيادة كبيرة في تغطية الشجيرات خلال العقود الأخيرة.

فطريات التربة تفشل في التكيف مع الاحترار طويل الأمد

وفي عام 2019، قام فريق البحث بجمع عينات شاملة من التربة لم يتم الوصول إلى أعماقها سابقًا، بهدف دراسة التغيرات تحت سطح الأرض، لتكشف النتائج عن تحول موازٍ في البنية الميكروبية.

وأظهرت التحاليل أن الفطريات الجذرية التكافلية، التي تعيش في علاقة تبادل منفعة مع النباتات عبر تزويدها بالمغذيات مقابل السكريات، شهدت تراجعًا حادًا في المناطق الأكثر دفئًا.

وفي المقابل، زادت أنواع أخرى من الفطريات المحللة التي تتغذى على المواد العضوية الميتة، ما غيّر طريقة دوران الكربون والنيتروجين داخل التربة.

وأشار الباحثون إلى أن هذه الفطريات لم تُظهر قدرة على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة حتى بعد 29 عامًا من التعرض المستمر، وهو ما فاجأ الفريق العلمي.

وقالت الباحثة ستيفاني كيفلين من جامعة تينيسي إنهم توقعوا أن تتأقلم الفطريات مع الاحترار الطويل، إلا أن ذلك لم يحدث، ما أدى إلى آثار مباشرة على دورات المغذيات والكربون في النظام البيئي.

وأوضحت الدراسة أن النظام البيئي في حالته الأصلية كان يعتمد على دورة سريعة للمغذيات، حيث تقوم النباتات العشبية بامتصاص العناصر الغذائية وإعادتها بسرعة إلى التربة بعد تحللها.

لكن مع سيطرة الشجيرات، أصبح النظام أكثر بطئًا وجفافًا، مع احتفاظ النباتات بالمغذيات لفترات أطول، وتباطؤ عمليات التحلل.

كما أشارت النتائج إلى أن التربة نفسها أصبحت أكثر جفافًا، وأن النظام البيئي يتجه تدريجيًا نحو حالة أقرب إلى البيئات الجافة مقارنة بالمروج الرطبة السابقة.

وأكد الباحثون أن هذه التغيرات لا تزال غير مفهومة بالكامل من حيث إمكانية تعميمها على جميع النظم الجبلية الأخرى، نظرًا لاختلاف الظروف البيئية.

فطريات التربة تفشل في التكيف مع الاحترار طويل الأمد

كما أوضحوا أن تحليل التربة تم في نقطة زمنية واحدة فقط، ما يترك تساؤلات حول سرعة حدوث هذه التحولات عبر العقود.

وتشير الدراسة إلى أن التغير المناخي قد يؤدي إلى انفصال بين النباتات والكائنات الدقيقة في التربة، وهو ما يضعف قدرة النظم البيئية على تدوير المغذيات بشكل طبيعي.

ويحذر الباحثون من أن هذا التحول قد يؤثر على الغطاء النباتي المتاح للرعي، وعلى مخزون الكربون والنيتروجين في التربة على نطاق أوسع.

وأكدت الباحثة آيمي كلاسن أن المراعي الجبلية تشهد تحولًا بنيويًا عميقًا، مع انتقالها نحو أنظمة بيئية أبطأ وأكثر تحفظًا في استخدام الموارد.

Exit mobile version