أسرار عمرها 15 مليون عام.. المراعي الإفريقية ظهرت أبكر بـ5 ملايين سنة مما اعتقد العلماء

5 ملايين سنة إضافية في تاريخ السافانا.. دراسة تكشف جذور المراعي الإفريقية

كشفت دراسة علمية جديدة أن المراعي المفتوحة في إفريقيا ظهرت قبل نحو 15 مليون عام، أي قبل حوالي 5 ملايين سنة مما كان يعتقده العلماء سابقًا، في اكتشاف يعيد رسم تاريخ السافانا الإفريقية وتطور النظم البيئية التي أصبحت لاحقًا موطنًا لأنواع عديدة من الحيوانات، وصولًا إلى أسلاف البشر.

واعتمد الباحثون على أدلة غير تقليدية للوصول إلى هذا الاستنتاج، إذ استخدموا حفريات جزيئية محفوظة في رواسب قاع المحيط، وهي بقايا كيميائية لنباتات كانت تنمو على اليابسة ثم حملتها الرياح إلى البحر، حيث استقرت في الرواسب وحُفظت لملايين السنين.

وتتيح هذه البقايا الجزيئية للعلماء تتبع التغيرات التي طرأت على النظم البيئية في شمال غرب إفريقيا على مدى 24 مليون سنة، وفهم الظروف التي ساعدت على ظهور المراعي وانتشارها.

ونُشرت الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.

المراعي الإفريقية

حفريات جزيئية في قاع المحيط تكشف تاريخ المراعي

المراعي الإفريقية

درس فريق البحث عينات من لباب الحفر المستخرجة من قاع المحيط ضمن برنامج الاكتشاف الدولي للمحيطات، واستخرج منها الحفريات الجزيئية وقياس خصائصها ونظائرها الكيميائية.

وتشكل هذه المواد سجلًا طبيعيًا فريدًا للتغيرات التي حدثت على اليابسة؛ فالنباتات التي كانت تنمو في القارة الإفريقية كانت تطلق مواد عضوية وجزيئات مميزة، حملتها الرياح إلى المحيط، ثم تراكمت في الرواسب البحرية وحُفظت عبر العصور الجيولوجية.

ومن خلال تحليل هذه البقايا، تمكن الباحثون من تحديد توقيت ظهور النظم البيئية المفتوحة، وكذلك تتبع التحولات التي مرت بها قبل أن تصبح السافانا بالشكل المعروف اليوم.

المراعي ظهرت قبل 15 مليون عام

أظهرت النتائج أن أولى النظم البيئية المفتوحة، التي تشبه المراعي، ظهرت منذ نحو 15 مليون عام.

ويمثل هذا التوقيت تقدمًا بنحو 5 ملايين سنة على التقديرات السابقة لبداية ظهور المراعي الإفريقية.

لكن الباحثين يشيرون إلى أن المراعي الأولى لم تكن مطابقة للسافانا الحديثة.

فأنواع الأعشاب التي كانت موجودة آنذاك اختلفت عن الأنواع التي تهيمن على كثير من النظم البيئية الإفريقية الحالية، ولم تصبح المراعي الأقرب إلى شكل السافانا الحديثة هي النمط السائد إلا بعد مرور ملايين السنين.

ويعني ذلك أن نشأة السافانا لم تكن حدثًا مفاجئًا، وإنما كانت عملية تطورية طويلة مرت خلالها النظم البيئية الإفريقية بمراحل متعددة من التحول.

المراعي الإفريقية

مناخ إفريقيا ساعد على ظهور السافانا

يعد ظهور المراعي الإفريقية أحد أهم التحولات في تاريخ النظم البيئية والمناخ العالمي.

وحدثت المراحل الأولى من ظهور هذه النظم خلال فترة شهد فيها الكوكب انخفاضًا في درجات الحرارة وتزايدًا في الجفاف، أو ما يعرف بعملية التصحر المناخي التدريجي.

لكن الباحثين يؤكدون أن تغير المناخ وحده لا يفسر ظهور المراعي وانتشارها.

فقد تداخلت عدة عوامل، من بينها المناخ والحرائق والحيوانات العاشبة، في تشكيل هذه البيئات وتحديد كيفية تطورها على مدى ملايين السنين، وهذه التفاعلات نفسها لا تزال تؤثر في السافانا الإفريقية حتى اليوم.

المراعي مهّدت الطريق لتطور الحيوانات وأسلاف البشر

المراعي الإفريقية

لم يكن ظهور المراعي مجرد تحول في الغطاء النباتي لإفريقيا، بل كان له تأثير واسع في تطور الحياة البرية على القارة.

فمع انتشار البيئات المفتوحة، تغيرت مصادر الغذاء والموائل المتاحة للحيوانات، ما ساهم في دفع تحولات تطورية لدى العديد من الأنواع.

ويرى الباحثون أن ظهور المراعي قبل نحو 15 مليون عام مهّد الطريق لسلسلة من التطورات في الحيوانات الإفريقية، بما في ذلك مراحل مهمة من تطور أسلاف البشر.

وبالتالي، فإن فهم توقيت نشأة هذه النظم البيئية يساعد العلماء على إعادة تقييم الظروف التي تطورت فيها الحياة البرية الإفريقية خلال ملايين السنين الماضية.

ماذا تخبرنا المراعي القديمة عن مستقبل السافانا؟

لا تقتصر أهمية الدراسة على فهم الماضي، إذ يمكن للسجل الجيولوجي أن يقدم مؤشرات حول كيفية استجابة السافانا والنظم البيئية المفتوحة مستقبلًا لتغير المناخ.

ويحذر العلماء من أن ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وتغير أنماط سقوط الأمطار قد تحدث تحولات كبيرة في النظم البيئية الإفريقية خلال العقود المقبلة.

لكن التنبؤ بهذه التغيرات ليس سهلًا؛ لأن العوامل المناخية المختلفة قد تؤثر في النظام البيئي بطرق متعارضة.

فعلى سبيل المثال، قد يؤدي ارتفاع ثاني أكسيد الكربون إلى تغيير نمو النباتات، بينما يمكن أن يؤدي تغير هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الجفاف والحرائق، في حين تؤثر الحيوانات العاشبة في تركيب الغطاء النباتي وكثافته.

الماضي يقدم مفتاحًا لفهم المستقبل

المراعي الإفريقية

يشير السجل الجيولوجي إلى أن استجابة السافانا وغيرها من النظم البيئية شبه المدارية المفتوحة للتغيرات المناخية المستقبلية ستعتمد ليس فقط على مقدار الاحترار العالمي، ولكن أيضًا على طبيعة التفاعلات بين المناخ والحرائق والحيوانات والنباتات.

ويمنح ذلك العلماء فرصة لاستخدام الماضي البعيد باعتباره تجربة طبيعية واسعة لفهم كيفية تغير النظم البيئية عندما تتعرض لاضطرابات مناخية كبيرة.

وقادت الدراسة آنا شارتمن خلال أبحاث الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، بالتعاون مع مستشارها براتيغيا بوليسار، أستاذ علوم المحيطات، وكارولين سترومبرج، أستاذة في جامعة واشنطن.

وتقدم النتائج صورة أكثر دقة لتاريخ السافانا الإفريقية، وتكشف أن جذور المراعي المفتوحة تمتد إلى 15 مليون سنة على الأقل، بما يضيف فصلًا جديدًا إلى قصة تطور واحدة من أكثر النظم البيئية أهمية على كوكب الأرض.

Exit mobile version