لا يمكن حل أزمة البلاستيك أحادي الاستخدام بمجرد زيادة معدلات إعادة التدوير، وفق مراجعة واسعة للأبحاث العلمية خلصت إلى أن مواجهة المشكلة تتطلب الانتقال إلى نموذج أكثر شمولًا يقوم على الاقتصاد الدائري، بحيث تظل المواد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة من خلال إعادة الاستخدام والاسترداد وإعادة التدوير وإعادة تصميم المنتجات.
وأجرى الباحثون مراجعة لـ336 بحثًا علميًا نُشرت خلال الفترة من 2015 إلى 2025، بهدف فهم كيفية تطور الأبحاث المتعلقة بالحلول الدائرية للبلاستيك أحادي الاستخدام، والقضايا التي حظيت بأكبر قدر من الاهتمام العلمي.
ونُشرت المراجعة في دورية Interdisciplinary Environmental Review.
10 سنوات من أبحاث البلاستيك
اعتمد الباحثون على التحليل الببليومتري، وهو أسلوب يستخدم لرسم خريطة إحصائية للاتجاهات العلمية والعلاقات بين الأبحاث والموضوعات المتكررة، إلى جانب تحليل مضمون الدراسات التي شملتها المراجعة.
وسمح هذا الأسلوب للفريق بتتبع تطور الاهتمام العلمي بالبلاستيك أحادي الاستخدام، وتحديد أبرز الموضوعات التي ركز عليها الباحثون خلال العقد الماضي.
وأظهرت النتائج أن الأبحاث المتعلقة بالحلول الدائرية للبلاستيك شهدت نموًا سريعًا منذ عام 2017.
لكن رغم اتساع الاهتمام العلمي، ظلت إعادة التدوير الموضوع الأكثر حضورًا في الأدبيات البحثية.
ويرى الباحثون أن التركيز على إعادة التدوير وحدها قد يكون غير كافٍ لمعالجة المشكلة من جذورها.
لماذا لا تكفي إعادة التدوير؟
يقوم مفهوم الاقتصاد الدائري على تغيير الطريقة التي يتم بها إنتاج واستخدام والتخلص من المنتجات.
فبدلًا من النموذج التقليدي الذي يبدأ باستخراج الموارد وينتهي بتحول المنتج إلى نفايات، يحاول الاقتصاد الدائري إبقاء المواد والمنتجات داخل دورة الاستخدام لأطول فترة ممكنة.
وفي حالة البلاستيك، يعني ذلك عدم انتظار تحول المنتج إلى نفايات ثم محاولة إعادة تدويره، وإنما التفكير في إعادة استخدامه واسترداده وإعادة تدويره منذ مرحلة تصميمه وإنتاجه.
وهذا يتطلب تغييرًا في سلسلة القيمة بأكملها، من تصميم العبوة والمنتج إلى طريقة جمعه وفرزه وإعادته إلى خطوط الإنتاج.
إعادة الاستخدام قبل إعادة التدوير
تشير المراجعة إلى أن التعامل مع البلاستيك أحادي الاستخدام يحتاج إلى منظومة متعددة المستويات.
وتشمل هذه المنظومة:
- إعادة استخدام المنتجات عندما يكون ذلك ممكنًا.
- استرداد المواد التي يمكن إعادة إدخالها إلى سلاسل الإنتاج.
- إعادة تدوير البلاستيك وتحويله إلى مواد خام أو منتجات جديدة.
- إعادة تصميم المنتجات والعبوات لتقليل استهلاك المواد وجعلها أكثر قابلية لإعادة الاستخدام أو التدوير.
وبذلك يصبح الهدف ليس فقط التخلص من النفايات، وإنما منع تحول المواد القابلة للاستخدام إلى نفايات من الأساس.
البلاستيك والتلوث والميكروبلاستيك
لم يتركز اهتمام الأبحاث التي راجعها الفريق على إعادة التدوير فقط.
فقد تناولت الدراسات أيضًا عبوات البلاستيك وتأثيراتها البيئية والميكروبلاستيك وتأثيراته المحتملة على صحة الإنسان.
وتعكس هذه الموضوعات اتساع نطاق المشكلة؛ فالبلاستيك لا يمثل تحديًا لإدارة النفايات فقط، بل يرتبط أيضًا بالتلوث البيئي وانتشار الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في النظم البيئية.
ولهذا يرى الباحثون أن الحل يجب أن يبدأ قبل وصول المنتجات إلى مرحلة النفايات.
الوعي عامل حاسم
تكشف المراجعة أن نجاح أنظمة الاقتصاد الدائري لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها.
فـوعي المستهلكين وسلوكهم السابق في إعادة التدوير يمكن أن يؤثرا بدرجة كبيرة في نجاح هذه الأنظمة.
فحتى إذا توافرت حاويات الجمع ومنشآت إعادة التدوير، فإن النظام قد يفشل إذا لم يشارك المستهلكون بصورة صحيحة في عملية الفصل والجمع وإعادة المنتجات.
وهذا يجعل التوعية البيئية عنصرًا أساسيًا إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية.
السياسات يمكن أن تغير سلوك السوق
تحتاج منظومة الاقتصاد الدائري أيضًا إلى سياسات اقتصادية وتشريعية تشجع الشركات والمستهلكين على تقليل النفايات وإعادة استخدام المواد.
وأشارت المراجعة، من بين الأدوات التي يمكن أن تساعد، إلى الائتمان الأخضر، الذي يوفر حوافز مالية للأنشطة ذات الفوائد البيئية.
وتستطيع مثل هذه الأدوات تشجيع الشركات على الاستثمار في تقنيات أكثر كفاءة، وتصميم منتجات قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير، إلى جانب تحفيز المستهلكين على تبني سلوكيات أكثر استدامة.
لكن الباحثين يرون أن الحوافز المالية تحتاج إلى أن تكون جزءًا من منظومة سياسات أوسع، وليست حلًا منفردًا.
اللوجستيات العكسية حلقة مفقودة
من أبرز التحديات التي سلطت المراجعة الضوء عليها الحاجة إلى تطوير ما يعرف باسم اللوجستيات العكسية (Reverse Logistics).
وهي الأنظمة التي تسمح بجمع المنتجات والمواد المستخدمة وإعادتها مرة أخرى إلى الشركات أو مرافق المعالجة بدلًا من انتقالها مباشرة إلى مدافن النفايات.
وتكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة في الاقتصاد الدائري، لأن المواد لا يمكن إعادة استخدامها أو تدويرها إذا لم تتمكن الشركات من استعادتها بعد انتهاء استخدامها الأول.
وبالتالي، فإن إنشاء شبكات فعالة لجمع ونقل وفرز البلاستيك المستعمل يمثل شرطًا أساسيًا لإعادة إدخاله في الاقتصاد.
الفرز والجمع.. البداية الحقيقية
حتى عندما يتم جمع البلاستيك، تظل هناك مشكلة أخرى تتمثل في الفرز والمعالجة.
فأنواع البلاستيك المختلفة لا يمكن التعامل معها دائمًا بالطريقة نفسها، كما أن اختلاط المواد أو تلوثها ببقايا المنتجات يمكن أن يقلل من قيمتها وقابليتها لإعادة التدوير.
لذلك تدعو المراجعة إلى تحسين أنظمة الفرز والجمع والاسترداد، بما يسمح بفصل المواد القابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير بكفاءة أكبر.
وكلما ارتفعت جودة المواد المستردة، زادت فرص إعادة إدخالها إلى سلاسل الإنتاج بدلًا من التخلص منها.
المشكلة تبدأ من تصميم المنتج
أحد أهم الاستنتاجات التي يطرحها مفهوم الاقتصاد الدائري هو أن أزمة البلاستيك لا يمكن تحميلها بالكامل إلى مرحلة التخلص من النفايات.
فـتصميم المنتج نفسه يمكن أن يحدد إلى حد كبير ما إذا كان سيصبح نفاية يصعب التعامل معها أو مادة يمكن الاحتفاظ بها داخل الاقتصاد.
وهنا يأتي دور إعادة التصميم، بحيث تصبح العبوات والمنتجات أسهل في إعادة الاستخدام والفصل والاسترداد وإعادة التدوير.
وهذا التحول يمكن أن يقلل الضغط على أنظمة إدارة النفايات بدلًا من محاولة معالجة المشكلة بعد حدوثها.
من نموذج «الاستخدام والتخلص» إلى دورة مغلقة
تعكس نتائج المراجعة تحولًا مهمًا في التفكير بشأن البلاستيك.
فالنموذج التقليدي يقوم على إنتاج المنتج، استخدامه لفترة قصيرة، ثم التخلص منه.
أما الاقتصاد الدائري فيحاول بناء دورة مختلفة: تصميم أفضل، استخدام أطول، إعادة استخدام، جمع واسترداد، إعادة تدوير، ثم إعادة إدخال المواد في الإنتاج.
وفي حالة البلاستيك أحادي الاستخدام، يمثل الانتقال إلى هذا النموذج تحديًا كبيرًا، لكنه قد يوفر معالجة أكثر شمولًا للمشكلة من الاعتماد على إعادة التدوير وحدها.
السنوات المقبلة تحتاج إلى حلول متكاملة
تُظهر مراجعة الأبحاث خلال عقد كامل أن الاهتمام العلمي بالاقتصاد الدائري والبلاستيك أحادي الاستخدام يتزايد بسرعة، لكن تحويل المعرفة إلى أنظمة فعالة على أرض الواقع يحتاج إلى دمج عدة عناصر.
وتشمل هذه العناصر التكنولوجيا، والتصميم المستدام، والبنية التحتية لجمع وفرز النفايات، واللوجستيات العكسية، والحوافز الاقتصادية، والسياسات الحكومية، ووعي المستهلكين.
وبذلك، لا يصبح الهدف مجرد زيادة كمية البلاستيك التي تدخل مصانع إعادة التدوير، وإنما إعادة التفكير في دورة حياة البلاستيك بالكامل.
فالاقتصاد الدائري، وفق ما تشير إليه المراجعة، لا يتعامل مع البلاستيك باعتباره مادة يجب التخلص منها بعد الاستخدام، بل باعتباره موردًا ينبغي الحفاظ عليه واسترداده وإعادة استخدامه داخل الاقتصاد لأطول فترة ممكنة.
