في الوقت الذي ينظر فيه الإنسان إلى العالم بعينيه، تعيش الحيوانات في عوالم حسية مختلفة تمامًا؛ فالنحلة تستطيع رؤية ضوء لا تستطيع العين البشرية رصده، وبعض الحيوانات البحرية تمتلك أنظمة بصرية تختلف جذريًا عن رؤيتنا، بينما تستطيع أنواع أخرى استشعار الحرارة أو الحركة في ظروف لا يستطيع الإنسان فيها رؤية شيء.
هذه الحقيقة تقف في قلب اليوم العالمي للحيوان 2026، الذي يوافق الأحد 4 أكتوبر، ويحمل هذا العام شعار «ارَ العالم من خلال عيونهم»، في دعوة لا تقتصر على التعاطف مع الحيوانات، وإنما تحث على فهم العالم بالطريقة التي تختبره بها الكائنات الأخرى.
وجاء الشعار من اقتراح تقدمت به مواطنة بريطانية تدعى زوي، اختير من بين مئات المشاركات.
وكتبت صاحبة الاقتراح أن البشر غالبًا ما يتخذون قراراتهم وينظرون إلى المستقبل من منظور يتمحور حول الإنسان، متسائلة: ماذا لو حاولنا النظر إلى الأشياء من خلال عيون مختلفة؟
لكن السؤال الذي يبدو فلسفيًا في ظاهره له إجابة علمية مدهشة: الحيوانات التي تشاركنا الكوكب لا ترى البيئة نفسها التي نراها نحن، حتى عندما تنظر معنا إلى الزهرة نفسها أو الشعاب المرجانية نفسها.
اليوم العالمي للحيوان.. حكاية بدأت قبل أكثر من قرن
اليوم العالمي للحيوان أقدم مما قد يتوقع كثيرون.
وتعود بدايته إلى الكاتب والمحرر الألماني هاينريش زيمرمان، الذي نظم أول احتفال بهذه المناسبة في 24 مارس عام 1925 داخل قصر الرياضة في برلين، بحضور أكثر من 5 آلاف شخص.
وكان زيمرمان يرغب في إقامة المناسبة في 4 أكتوبر، يوم عيد القديس فرنسيس الأسيزي، المعروف باعتباره شفيع الحيوانات، لكن مشكلات تنظيمية حالت دون ذلك في البداية.
وفي عام 1929، أصبح 4 أكتوبر موعدًا للاحتفال بالمناسبة، قبل أن تعتمد مجموعات حماية الحيوان المشاركة في مؤتمر دولي بمدينة فلورنسا الإيطالية، في مايو 1931، هذا التاريخ رسميًا.
وكان زيمرمان يدير أيضًا مجلة حملت اسم Mensch und Hund، أي «الإنسان والكلب»، واستخدمها للدفاع عن الحيوانات ومناهضة القسوة عليها.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت المناسبة تدريجيًا إلى حركة عالمية تهدف إلى رفع مكانة الحيوانات وتعزيز الوعي بحقوقها ورفاهها.
وفي عام 2003، أطلقت مؤسسة Naturewatch Foundation البريطانية موقع اليوم العالمي للحيوان، وتولت تنسيق الفعاليات الدولية المرتبطة به، بينما بدأ برنامج السفراء في 2007، ويضم اليوم أكثر من 90 متطوعًا في أكثر من 70 دولة.
وكان احتفال العام الماضي بمثابة الذكرى المئوية للمناسبة، وحمل شعار «أنقذوا الحيوانات.. أنقذوا الكوكب»، بينما ينقل شعار 2026 الاهتمام خطوة أخرى إلى الأمام: من مجرد إنقاذ الحيوانات إلى محاولة فهم العالم من منظورها.
النحلة ترى عالمًا مخفيًا عن الإنسان
ربما لا يوجد مثال أوضح على اختلاف التجربة الحسية بين البشر والحيوانات من النحل.
فالإنسان يعتمد على ثلاثة أنواع رئيسية من الخلايا الحساسة للضوء، تستجيب تقريبًا للأحمر والأخضر والأزرق، ومنها يبني الدماغ ملايين الألوان التي نراها.
أما النحل، فلديه أيضًا ثلاثة أنواع رئيسية من مستقبلات الضوء، لكنها تستجيب للأشعة فوق البنفسجية والأزرق والأخضر.
وهذا الاختلاف يعني أن النحل لا يستطيع رؤية اللون الأحمر بالطريقة التي يراه بها الإنسان، لكنه يستطيع في المقابل رؤية الأشعة فوق البنفسجية، وهي جزء من الطيف الضوئي لا تستطيع أعيننا رؤيته.
والأكثر إثارة أن كثيرًا من الزهور تحمل أنماطًا فوق بنفسجية على بتلاتها تساعد النحل على الوصول إلى مصادر الرحيق.
هذه العلامات غير مرئية للإنسان بالعين المجردة، لكنها تظهر عند استخدام كاميرات وتقنيات تصوير خاصة.
وبالتالي، فإن الإنسان والنحلة إذا وقفا فوق الزهرة نفسها، فهما في الحقيقة لا يريان الزهرة نفسها تمامًا.
كل منهما يرى جزءًا مختلفًا من العالم، ويفوته جزء آخر تراه الكائنات الأخرى.
عندما تكون كثرة مستقبلات الألوان عيبًا وليس ميزة
إذا كان النحل يفتح نافذة على عالم ضوئي لا يراه البشر، فإن الروبيان السرعوف يقدم مفاجأة أكثر تعقيدًا.
هذا الكائن البحري الذي يعيش في الشعاب المرجانية يشتهر بقوة الضربة التي يوجهها، لكن عينيه تخفيان نظامًا بصريًا استثنائيًا.
بعض أنواع الروبيان السرعوف تمتلك 12 نوعًا من الخلايا الحساسة للألوان، مقارنة بثلاثة أنواع لدى الإنسان.
وقد يبدو منطقيًا أن امتلاك هذا العدد الهائل من مستقبلات الألوان يعني قدرة فائقة على التمييز بين الألوان.
لكن دراسة أجريت عام 2014 على يد هان ثوين وزملائها في معهد كوينزلاند للدماغ اختبرت هذه الفكرة مباشرة.
درب الباحثون الروبيان السرعوف على اختيار لون معين للحصول على الطعام، ثم قدموا له لونًا ثانيًا وبدأوا في تقليل الفرق بين اللونين تدريجيًا لمعرفة متى يعجز الحيوان عن التمييز بينهما.
والنتيجة كانت مفاجئة.
الروبيان السرعوف لم يكن أفضل من الإنسان في تمييز الألوان المتقاربة، بل كان أداؤه أقل من البشر والنحل والفراشات في هذه الاختبارات.
والسبب المحتمل أن هذا الحيوان لا يعالج إشارات مستقبلات الألوان المختلفة بالطريقة نفسها التي تفعلها الحيوانات الأخرى، وإنما يبدو أنه يمسح عينيه على الجسم ويقرأ نمط الإشارات الصادر عن الأنواع الـ12 من الخلايا في وقت واحد.
هذه الطريقة تمنحه قدرة على التعرف السريع إلى لون معين مع قدر أقل من المعالجة داخل الدماغ، لكنها تأتي على حساب قدرته على التفريق بين درجات لونية متقاربة جدًا.
وهنا تظهر مفارقة علمية لافتة:
رؤية العالم من خلال عيني الروبيان السرعوف لا تعني بالضرورة رؤية ألوان أكثر، بل رؤية العالم بطريقة مختلفة.
ماذا ترى الحيوانات عندما ترتفع حرارة الكوكب؟
لا يتوقف سؤال «رؤية العالم من خلال عيون الحيوانات» عند الحواس.
فإذا أردنا فعلًا فهم العالم من منظور الحيوانات، فعلينا أن نسأل أيضًا: كيف يبدو الكوكب عندما تتغير بيئته بسرعة؟
الشعاب المرجانية تقدم واحدة من أوضح الإجابات.
ويحدث ابيضاض المرجان عندما تستمر حرارة المياه في الارتفاع لفترة طويلة، ما يدفع الشعاب المرجانية إلى فقدان الطحالب الدقيقة التي تعيش داخل أنسجتها وتساعدها في الحصول على الطاقة.
وعندما تفقد الشعاب هذه الكائنات، تتحول إلى اللون الأبيض، وإذا استمرت موجة الحرارة لفترة طويلة، يمكن أن تموت.
وبين أوائل عام 2023 ومنتصف عام 2025، تعرضت مساحة تقدر بنحو 84% من مناطق الشعاب المرجانية حول العالم لدرجات حرارة كانت كافية للتسبب في ابيضاض الشعاب، وفق بيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية.
وسُجل ابيضاض جماعي في 83 دولة وإقليمًا على الأقل، ما جعل هذه الظاهرة الأوسع نطاقًا المسجلة حتى الآن.
وللمقارنة، شهد أول حدث عالمي كبير لابيضاض الشعاب عام 1998 تعرض نحو 21% من الشعاب لدرجات حرارة خطرة.
ومنذ ذلك الوقت، اتسع نطاق كل حدث عالمي كبير.
ورغم أن أحدث موجة ابيضاض جماعي يُرجح أنها انتهت، فإن درجات حرارة المحيطات لا تزال مرتفعة بصورة غير معتادة، كما أن الشعاب التي تنجو من الحرارة الشديدة قد لا تخرج منها دون أضرار طويلة الأمد.
ومن منظور الحيوانات التي تعتمد على الشعاب، فإن ارتفاع حرارة المحيط لا يمثل مجرد رقم في تقارير المناخ؛ بل يعني تغيرًا في الموطن والغذاء والعلاقات البيئية التي تعتمد عليها حياتها.
الحيوانات البرية تخسر أعدادًا ضخمة.. لكن الرقم يحتاج إلى فهم
ولا تقتصر الضغوط على الحيوانات البحرية.
فأحد أوسع المؤشرات المستخدمة لتقييم حالة الحياة البرية عالميًا هو مؤشر الكوكب الحي Living Planet Index، الذي تصدره جمعية علم الحيوان في لندن.
وتتبعت نسخة 2024 من المؤشر ما يقرب من 35 ألف مجموعة حيوانية تنتمي إلى 5,495 نوعًا من الثدييات والطيور والبرمائيات والزواحف والأسماك، خلال الفترة من 1970 إلى 2020.
ووجد التقرير أن الحجم المتوسط لهذه المجموعات انخفض بنسبة 73% خلال الفترة.
وكانت مجموعات الحيوانات التي تعيش في المياه العذبة الأكثر تضررًا، إذ بلغ متوسط انخفاضها 85%.
لكن هنا توجد نقطة مهمة للغاية لفهم الرقم.
انخفاض المؤشر بنسبة 73% لا يعني أن 73% من جميع الحيوانات البرية على الأرض اختفت.
فالمؤشر يقيس التغير المتوسط في أحجام مجموعات الحيوانات التي تمت متابعتها، وليس تعدادًا عالميًا لكل حيوان موجود على الكوكب.
ولهذا تستخدم جمعية علم الحيوان في لندن المؤشر باعتباره إنذارًا مبكرًا لارتفاع مخاطر الانقراض، وليس تعدادًا شاملًا للحيوانات.
وتصدر فقدان الموائل وتدهورها قائمة التهديدات الأكثر تسجيلًا، وكان إنتاج الغذاء وتغير استخدام الأراضي من أهم القوى المحركة وراء ذلك.
وكانت الحيوانات التي تعيش في الأنهار والبحيرات والأراضي الرطبة من بين الأكثر تضررًا.
أمريكا اللاتينية تتصدر التراجع
وتكشف البيانات أيضًا عن اختلافات كبيرة بين المناطق.
فقد سجلت مجموعات الحيوانات في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي أكبر انخفاض متوسط، بلغ 95%، مقارنة بنحو 39% في أمريكا الشمالية.
لكن الصورة ليست كلها تراجعًا.
فبعض الأنواع نجحت في استعادة أعدادها، ومن الأمثلة اللافتة البيسون الأوروبي في وسط أوروبا، الذي ارتفعت أعداده من الصفر إلى نحو 6,800 حيوان خلال الفترة نفسها.
وهذا يوضح أن الاتجاهات البيئية ليست متطابقة في كل مكان، وأن حماية الموائل وإعادة الأنواع إلى بيئاتها يمكن أن تحقق نتائج ملموسة.
عالم الحيوانات لا يزال مليئًا بأسرار لا نفهمها
النحل والروبيان السرعوف ليسا سوى مثالين على اتساع الفجوة بين العالم الحسي للإنسان والعوالم التي تعيش فيها الحيوانات.
فالكلاب، على سبيل المثال، تواجه صعوبة في التمييز بين الأحمر والأخضر، بينما تستطيع الأفاعي الجرسية استشعار حرارة أجسام فرائسها حتى في الظلام الدامس.
وفي حالة الروبيان السرعوف، لا يزال العلماء لا يملكون إجابة كاملة عن الكيفية التي يحول بها الدماغ الإشارات القادمة من 12 نوعًا من الخلايا الحساسة للألوان إلى إدراك بصري.
وهذه الفجوة في المعرفة تكشف جانبًا مهمًا من شعار اليوم العالمي للحيوان 2026.
فالنظر إلى العالم من خلال عيون الحيوانات لا يعني محاولة تخيل شكل الألوان في عيونها فقط، وإنما الاعتراف بأن الإنسان ليس المقياس الوحيد لتجربة الحياة على الأرض.
الحيوان قد يسمع ما لا نسمعه، ويرى ما لا نراه، ويشعر بالحرارة أو الروائح أو الاهتزازات بطريقة مختلفة، بينما تعتمد حياته على بيئة قد نغيرها نحن دون أن ندرك كيف تبدو هذه التغيرات من جانبه.
من التعاطف إلى تغيير القرارات
في النهاية، يحمل شعار اليوم العالمي للحيوان هذا العام رسالة تتجاوز الاحتفال الرمزي.
فعندما ننظر إلى الطبيعة من منظور الإنسان وحده، قد تبدو خسارة موطن طبيعي أو ارتفاع حرارة البحر أو اختفاء نوع من الكائنات قضية بيئية بعيدة.
لكن عندما نحاول النظر إلى العالم من منظور الحيوانات التي تعتمد على هذه البيئات، تصبح الصورة مختلفة.
الشعاب المرجانية ليست مجرد منظر جميل للسياح، والغابات ليست مجرد مساحات خضراء، والأنهار ليست مجرد مجارٍ للمياه؛ إنها موائل وأنظمة حياة تعتمد عليها ملايين الكائنات.
ولهذا فإن حماية الحيوانات لا تبدأ فقط من إنقاذ حيوان مصاب أو حماية نوع مهدد بالانقراض، وإنما تمتد إلى الطريقة التي ننتج بها الغذاء، ونستخدم بها الأراضي والمياه، ونبني بها المدن، ونتعامل بها مع تغير المناخ والتلوث وتدهور النظم البيئية.
وربما تكون الرسالة الأهم في شعار 2026 بسيطة: إذا أردنا أن نحمي الحيوانات، فعلينا أولًا أن نحاول رؤية العالم الذي تعيش فيه كما تراه هي، لا كما نراه نحن فقط.
فكلما اتسعت قدرتنا على فهم تجارب الكائنات الأخرى، أصبحت قراراتنا البيئية أقل تمحورًا حول الإنسان، وأكثر قدرة على حماية شبكة الحياة التي نتشارك معها الكوكب.
