الرياضة قد تطيل حياة مرضى السرطان.. 21 تجربة سريرية تكشف تأثير النشاط البدني

الرياضة ليست مجرد علاج للتعب.. أدلة جديدة تربط النشاط البدني بزيادة فرص البقاء لمرضى السرطان

لم تعد ممارسة الرياضة لمرضى السرطان مرتبطة فقط بمحاولة التغلب على الإرهاق أو الحفاظ على القوة البدنية أثناء العلاج، إذ تشير مراجعة جديدة لنتائج 21 تجربة سريرية إلى احتمال أن تكون برامج التمرين المنظمة مرتبطة أيضًا بانخفاض خطر الوفاة وعودة السرطان.

وشملت التجارب التي حللها الباحثون 8449 شخصًا مصابًا بالسرطان، ووجدت أن المرضى الذين شاركوا في برامج رياضية منظمة كانوا أقل عرضة للوفاة خلال فترة المتابعة، كما انخفض لديهم خطر عودة المرض أو الوفاة مقارنة بالمجموعات التي لم تشارك في برامج التمرين.

لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج، رغم أهميتها، لا تعني أن الرياضة أصبحت علاجًا للسرطان أو أنها تضمن إطالة حياة المريض، إذ لا تزال هناك أسئلة حول أفضل نوع من التمارين ومدتها وشدتها وتوقيتها، كما أن عددًا من أنواع السرطان لا يزال ممثلًا بأعداد محدودة في التجارب.

وقاد التحليل تشي تشن تزانج من كلية الطب بجامعة تايوان الوطنية، بالتعاون مع تساي تشينج هسو وبور شو تزانج من جامعة تشونج شان الطبية في تايوان.

ولم يجمع الباحثون مرضى جددًا، وإنما أعادوا تحليل نتائج تجارب سريرية مكتملة، بعد البحث في ست قواعد بيانات علمية حتى 20 ديسمبر 2025، وفحص أكثر من 12 ألف سجل بحثي.

واقتصر التحليل على التجارب التي شملت بالغين لديهم تشخيص مؤكد للسرطان، وجرى توزيعهم عشوائيًا بين برامج تمارين خاضعة للإشراف ومجموعات مقارنة.

هل يمكن للرياضة أن تساعد في إطالة عمر مريض السرطان؟ العلم يجيب

وتنوعت برامج الرياضة بين التمارين الهوائية وتمارين القوة أو الجمع بين النوعين، بينما تلقت مجموعات المقارنة الرعاية المعتادة أو التثقيف الصحي أو العلاج الدوائي وحده.

وكان سرطان الثدي هو النوع الأكثر تمثيلًا، إذ شمل 11 تجربة ونحو ثلاثة أرباع المشاركين، تلاه سرطان القولون والمستقيم وسرطان البنكرياس.

وبلغ متوسط عمر المشاركين نحو 54 عامًا، واستمرت المتابعة في المتوسط لأكثر قليلًا من خمس سنوات، بينما كانت 88% من العينة من النساء.

الرياضة قد تطيل حياة مرضى السرطان.. 21 تجربة سريرية تكشف تأثير النشاط البدني

انخفاض خطر الوفاة بنسبة 23%

عند جمع نتائج 11 تجربة شملت 3828 شخصًا، وجد الباحثون أن المرضى المشاركين في برامج التمرين المنظمة واجهوا خطرًا أقل للوفاة خلال فترة المتابعة بنسبة 23% مقارنة بمن لم يشاركوا في برامج التمرين.

كما درس الباحثون ما يعرف باسم البقاء على قيد الحياة دون مرض، وهو الفترة التي يظل خلالها المريض دون عودة السرطان أو ظهور سرطان جديد أو الوفاة.

وفي سبع تجارب شملت 5077 شخصًا، ارتبطت برامج التمرين بانخفاض خطر هذا الحدث المركب بنسبة 17%.

وظهرت إشارات مشابهة عند النظر إلى مؤشرات أخرى.

فقد انخفضت الوفيات لأي سبب بنسبة 18% عبر 13 تجربة، بينما انخفض خطر الوفاة بسبب السرطان نفسه بنسبة 26% عبر ست تجارب.

وعندما أجرى الباحثون اختبارات للتأكد من أن النتائج لم تكن ناتجة عن تجربة واحدة بعينها، لم تتغير الصورة الأساسية بصورة كبيرة.

ومع ذلك، صنف الباحثون درجة الثقة في النتائج الرئيسية بأنها متوسطة، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن إجمالي حجم التجارب لا يزال محدودًا نسبيًا.

كما أظهر تحليل إحصائي احتمال أن تكون التجارب الصغيرة ذات النتائج القوية ممثلة بصورة أكبر من اللازم، وعند تصحيح هذا الاحتمال تراجع تقدير فائدة التمرين على البقاء إلى 17%، وهي نسبة أصبحت أقرب إلى الحد الذي يمكن أن تفسره الصدفة إحصائيًا.

الرياضة لم تمنع كل مؤشرات تقدم السرطان

لم تظهر الفائدة نفسها في جميع النتائج التي بحث فيها العلماء.

فلم تجد الدراسة دليلًا واضحًا على أن التمرين يؤخر الوقت الذي يبدأ فيه الورم في النمو مرة أخرى، كما لم يرفع احتمال اختفاء السرطان الغازي تمامًا بعد العلاج الكيميائي الذي يسبق الجراحة.

وكان عدد التجارب التي قاست كل من هذين المؤشرين خمس تجارب صغيرة فقط، وهو ما يجعل القدرة على استخلاص نتائج حاسمة محدودة.

وهذه النقطة مهمة؛ لأن الدراسة لا تقول إن ممارسة الرياضة تمنع نمو الأورام أو تحل محل العلاج الطبي، وإنما تشير إلى ارتباط بين برامج التمرين المنظمة وبعض مؤشرات البقاء الأفضل.

الالتزام بالتمرين قد يكون مفتاحًا مهمًا

لاحظ الباحثون اختلافًا كبيرًا بين التجارب في مدى التزام المشاركين ببرامج التمرين.

وفي تجربة CHALLENGE الخاصة بسرطان القولون، التي أدرجت ضمن التحليل، التزم المشاركون بالبرنامج بدرجة مرتفعة نسبيًا، بينما كان الالتزام أقل بكثير في تجارب أخرى.

ولذلك أجرى الفريق تحليلًا استكشافيًا منفصلًا شمل المشاركين أو التجارب التي حققت 70% على الأقل من البرنامج الرياضي.

وفي هذا التحليل، ارتبطت برامج التمرين بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 28%، وانخفاض خطر عودة السرطان أو الوفاة بنسبة 29%.

لكن الباحثين يحذرون من تفسير هذه النتيجة على أنها دليل على أن «كلما زادت الرياضة طال العمر».

فالأشخاص القادرون على الالتزام بالبرنامج قد يكونون في الأصل أكثر صحة أو لديهم ظروف حياتية مختلفة عن الأشخاص الذين يتوقفون عن ممارسة التمارين.

ومع ذلك، يرى الباحثون أن تصميم البرامج بطريقة تساعد المرضى على الاستمرار فيها، مع الإشراف وتعديل التمارين وفقًا لحالة المريض أثناء العلاج، قد يكون عاملًا مهمًا.

الرياضة قد تطيل حياة مرضى السرطان.. 21 تجربة سريرية تكشف تأثير النشاط البدني

التمارين الهوائية تظهر الإشارة الأقوى

عند مقارنة أنواع التمارين، ارتبطت البرامج التي تعتمد على التمارين الهوائية وحدها بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 29%.

أما البرامج التي جمعت بين التمارين الهوائية وتمارين القوة، فارتبطت بانخفاض الخطر بنسبة 25%.

في المقابل، لم يظهر ارتباط واضح بين تمارين القوة وحدها وانخفاض خطر الوفاة، لكن الباحثين يحذرون من إعطاء هذه النتيجة وزنًا كبيرًا، لأن تجربة واحدة فقط شملت 129 شخصًا اختبرت تمارين القوة بصورة منفردة.

كما ظهرت تقديرات متشابهة لدى المرضى المصابين بالسرطان في مراحله المبكرة والمتقدمة، إلا أن البيانات الخاصة بالسرطان المتقدم كانت أقل يقينًا بسبب صغر حجم التجارب وقلة عدد الوفيات المسجلة.

ولم تكن الفروق بين هذه المجموعات كبيرة بما يكفي لاستبعاد احتمال أن تكون ناتجة عن الصدفة.

كيف يمكن أن تؤثر الرياضة في السرطان؟

التجارب التي شملتها المراجعة لم تكن مصممة أساسًا لمعرفة الآلية التي يمكن أن تجعل ممارسة الرياضة مرتبطة بنتائج أفضل لدى مرضى السرطان.

لكن الباحثين أشاروا إلى مجموعة من التفسيرات المحتملة استنادًا إلى أبحاث سابقة.

أحد الاحتمالات هو أن ممارسة الرياضة قد تساعد على تحريك بعض الخلايا المناعية المقاومة للسرطان نحو الأورام، كما يمكن أن تؤثر في تدفق الدم داخل الورم، ما قد يساعد بعض الأدوية على الوصول إلى أهدافها بصورة أفضل.

كما يمكن للنشاط البدني أن يؤدي إلى تغيرات هرمونية محدودة، من بينها خفض مستويات بعض هرمونات الإستروجين والأندروجين المرتبطة بمخاطر بعض أنواع السرطان، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في ظل ارتفاع نسبة النساء ضمن المشاركين في التجارب.

وتستهلك العضلات النشطة كميات أكبر من السكر الموجود في الدم، ما قد يؤثر في البيئة الأيضية التي تعتمد عليها الخلايا السرطانية.

كما تشير أبحاث أخرى إلى أن النشاط البدني قد يحفز بعض الآليات المرتبطة بإصلاح تلف الحمض النووي.

لكن هذه الآليات تظل تفسيرات محتملة، ولا تثبت الدراسة الحالية أن أيًا منها هو السبب المباشر وراء انخفاض خطر الوفاة الذي ظهر في التحليل.

من العلاج إلى البقاء.. لماذا أصبحت الرياضة جزءًا مهمًا من رعاية مرضى السرطان؟

لماذا لا تكفي الدراسة لإعلان أن الرياضة تطيل عمر مرضى السرطان؟

رغم قوة تصميم التجارب العشوائية التي اعتمد عليها التحليل، فإن هناك عوامل يمكن أن تؤثر في النتائج.

فبعض المشاركين في مجموعات المقارنة بدأوا ممارسة عادات صحية من تلقاء أنفسهم خلال فترة الدراسة، وفي إحدى تجارب سرطان الغدد الليمفاوية، انتقل 42% من المشاركين في مجموعة المقارنة إلى ممارسة تمارين تحت الإشراف.

كما اختلفت البرامج الرياضية بشدة بين التجارب من حيث نوع التمرين وشدته ومدته.

وهناك عامل آخر يتعلق بالأشخاص الذين يشاركون في التجارب نفسها؛ فالمتطوعون في الدراسات السريرية يكونون في كثير من الأحيان أكثر صحة أو تعليمًا من متوسط المرضى في الحياة اليومية.

وقد يجعل ذلك حجم الفائدة الظاهرة في التجارب أكبر مما يمكن تحقيقه في الرعاية الطبية المعتادة.

كما أن المشاركين كانوا يعرفون ما إذا كانوا يمارسون الرياضة، وهو أمر يصعب تجنبه في مثل هذه الدراسات.

الرياضة تدخل تدريجيًا في منظومة رعاية مرضى السرطان

توصي الإرشادات الحالية للجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري بممارسة الرياضة بقوة بهدف المساعدة في تخفيف الإرهاق وفقدان القدرة البدنية لدى مرضى السرطان، لكنها لا تعتبرها حتى الآن وسيلة مثبتة للسيطرة على السرطان نفسه.

كما وصف خبراء من الكلية الأمريكية للطب الرياضي وبرنامج التحديث العالمي للسرطان الأدلة المتعلقة بالبقاء على قيد الحياة بأنها «محدودة لكنها تشير إلى فائدة محتملة».

وتشير نتائج المراجعة الجديدة إلى إمكانية توسيع النظرة إلى الرياضة داخل رعاية مرضى السرطان، من وسيلة لتحسين القدرة البدنية والتعامل مع الآثار الجانبية للعلاج إلى عنصر محتمل ضمن الرعاية المتكاملة.

لكن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى تجارب أكبر، تُصمم منذ البداية لقياس البقاء على قيد الحياة وعودة السرطان، مع قياس كمية التمرين التي يؤديها المرضى فعليًا بصورة موضوعية.

الرياضة تدخل تدريجيًا في منظومة رعاية مرضى السرطان

ولا تزال الأدلة محدودة خصوصًا لدى مرضى السرطان المتقدم وبعض أنواع السرطان الأخرى غير سرطان الثدي، كما لم يُحسم بعد أفضل نوع من التمارين أو الجرعة المناسبة أو التوقيت الأمثل لممارستها أثناء مراحل العلاج.

وتوصلت الدراسة المنشورة في مجلة British Journal of Sports Medicine إلى أن النتائج الحالية تجعل من المعقول إدراج برامج التمرين المنظمة ضمن رعاية مرضى السرطان، مع الاعتراف بأن أسئلة مهمة لا تزال بلا إجابة.

وبذلك، فإن الرسالة الأهم ليست أن الرياضة بديل عن علاج السرطان، وإنما أن النشاط البدني المنظم قد يكون جزءًا أكثر أهمية من رحلة العلاج مما كان يُعتقد سابقًا.

والفارق بين الأمرين جوهري: الدليل الحالي يدعم فائدة الرياضة لصحة المريض وقدرته البدنية، ويشير إلى احتمال ارتباطها ببقاء أطول وتقليل عودة المرض، لكنه لا يثبت حتى الآن أن ممارسة الرياضة وحدها تطيل عمر مريض السرطان.

↑
Exit mobile version