عندما يصنع السكان مستقبلهم.. هكذا تتشكل المدن الذكية في إفريقيا
التكنولوجيا في خدمة البشر.. لا العكس: رؤية مختلفة للمدن الذكية
تنمو المدن الإفريقية بوتيرة مذهلة، ويحمل هذا النمو فرصًا وتحديات متشابكة. فكيف نبني مدنًا لا تكون ذكية فحسب، بل عادلة وشاملة وقادرة على الصمود؟
المدينة الذكية تستخدم أدوات رقمية مثل المستشعرات وشبكات البيانات والأجهزة المتصلة لتسيير الخدمات بكفاءة، والتفاعل مع المشكلات في الوقت الفعلي. من المرور والكهرباء إلى السلامة العامة وإزالة النفايات، تهدف التقنيات الذكية إلى جعل الحياة أكثر سلاسة وخضرة واتصالًا.
ومن الناحية المثالية، فإنها تساعد الحكومات على الاستماع للمواطنين وخدمتهم بشكل أفضل. لكن من دون إشراك المجتمعات، قد تتحول “المدن الذكية” إلى نماذج تتجاهل الناس الذين يُفترض أن تخدمهم.
لهذا السبب، يلقى نهج مختلف اهتمامًا متزايدًا، نهج يبدأ ليس من شركات التكنولوجيا أو مسؤولي المدن، بل من السكان أنفسهم.
تعاونتُ مع الباحث تيرينس فين من جامعة جوهانسبرغ لاستكشاف ما يعنيه ذلك عمليًا.
دعونا مجموعة من سكان جوهانسبرج لتخيّل أحيائهم المستقبلية، وكيف يمكن للتكنولوجيا دعم هذه الرؤى.
أظهرت أبحاث جديدة أنه عندما يشارك السكان في صياغة رؤيتهم للمدينة الذكية، تصبح النتائج أكثر صلة وشمولًا ومصداقية.

إعادة التفكير في المدن الذكية
ركز بحثنا على حي ويستبري، وهو حي كثيف يسكنه الطبقة العاملة غرب وسط جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا. وقد خُصص هذا الحي تاريخيًا لسكان “الملونين” في ظل نظام الفصل العنصري، وما زال يتأثر بعدم العدالة المكانية، والبطالة المرتفعة، والعنف المرتبط بالعصابات؛ وهي تحديات تقيد فرص الوصول للخدمات الأساسية. ومع ذلك، يزخر الحي بالصمود والفخر الثقافي وروابط المجتمع القوية.
اختبر الباحثون منهج يُدعى “استشراف المستقبل التشاركي”، يدعو الناس لتخيل وصياغة مستقبل مجتمعاتهم. شارك 30 شخصًا من سكان ويستبري، تم اختيارهم لتمثيل تنوع الأعمار والأنواع والخلفيات، في ورش عمل لرسم خرائط الحي، وابتكار قصص ومجسمات، ومناقشة رؤاهم للمستقبل.
هذا النهج استُخدم بنجاح في مدن مثل هلسنكي وسنغافورة وكيب تاون، حيث استُخدمت المخيلة المحلية لإثراء التخطيط الحضري بطرق واقعية.
عبّر المشاركون عن رغبتهم في رؤية التغيير وفق أولوياتهم، وأوضحوا أن التكنولوجيا يجب أن تدعم القيم المحلية لا أن تطغى عليها.
لم تكن التقنية في تصورهم أدوات بَهرجة، بل حلولًا واقعية لمشاكل حقيقية.

السلامة أولًا
السلامة كانت الشغل الشاغل، تخيّل السكان أنظمة مراقبة ذكية تحد من الجريمة، لكنهم شددوا على أن تُدار محليًا، بواسطة أشخاص موثوقين من المجتمع، لا جهات بعيدة، الهدف لم يكن الرقابة بل استعادة الشعور بالأمان.
في حي يعاني من العنف والعلاقات المتوترة مع الشرطة، بدت الرغبة في التكنولوجيا الأمنية محاولة لاستعادة السيطرة والحماية، لا زيادة القمع.
الطاقة: البقاء قبل البيئة
انقطاعات الكهرباء متكررة في ويستبري، ما دفع الناس لتخيل ألواح شمسية كجزء من البنية التحتية، لا ترفًا بيئيًا.
تصوّروا محاور شمسية تمد البيوت والمدارس والمتاجر بالطاقة أثناء الانقطاعات. الاستدامة بالنسبة لهم تعني الكرامة والاكتفاء الذاتي.
الثقافة والتعبير
فتحت التكنولوجيا أيضًا الباب للتعبير الثقافي، اقترح البعض استخدام الواقع المعزز لعرض التاريخ المحلي والفن والذكريات على معالم الحي من خلال الهواتف أو الأجهزة اللوحية، التقنية لم تكن عرضًا مبهجًا بل جسرًا يربط الماضي بالمستقبل.
المهارات والتعليم
تخيّل الشباب مراكز رقمية لتعلم البرمجة، وصناعة الموسيقى، والتواصل العالمي. أماكن لبناء المستقبل، لا مجرد البقاء في الحاضر.
أراد الناس أدوات ذكية تروّج للفن المحلي، وتُبرز صوت المجتمع، وتدعم الأعمال الصغيرة.
باختصار، لم تكن المدينة الذكية في تصورهم مدينة مستقبلية بمباني زجاجية، بل مساحة تعكس القيم المشتركة: الأمان، الإبداع، تقاسم السلطة، والقدرة على الصمود.

دروس للمستقبل
لكي تنجح المدن الذكية في إفريقيا، لا بد أن تُصمم مع الناس لا لهم فقط. النماذج الفوقية غالبًا ما تفشل في التقاط تفاصيل الحياة اليومية.
هناك نماذج متزايدة حول العالم لأساليب تشاركية تُعيد تشكيل المدن.
في كيب تاون مثلًا، استخدم مشروع “العب مع خايليتشا” ألعاب المحاكاة لجعل السكان يشاركون في تصور أحيائهم المستقبلية، مما أظهر أولويات كالسلامة والتنقل والكرامة.
وفي ميديين بكولومبيا، تحولت التجربة من التخطيط الفوقي إلى مشاركة المجتمع في اتخاذ قرارات بشأن النقل والمساحات العامة والتعليم.
هذه التجارب، مثل ويستبري، تُظهر أن إشراك المجتمع كمشارك لا متلقٍ فقط، يثمر نتائج أكثر شمولًا واستدامة وواقعية.
وهذا التغيير بالغ الأهمية في مدن القارة الإفريقية التي ما زالت تتأثر بآثار الاستعمار وعدم المساواة الهيكلية.
فالتقنية ليست محايدة؛ بل تحمل بصمات مصمميها. ولهذا، من المهم أن يكون السكان حاضرين في كل قرار، فالمدن الأذكى هي تلك التي يبنيها أهلها.





