حذرت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة أبردين البريطانية من أن التحول نحو الطاقة النظيفة البحرية، رغم ما يتيحه من فرص اقتصادية وبيئية كبيرة، قد يترك المجتمعات الساحلية تتحمل الجزء الأكبر من تكاليف التحول، في حين تحصل على فوائد محدودة على المدى الطويل إذا استمرت أنماط الحوكمة الحالية دون تغيير.
واعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من 200 عام من التحولات الاقتصادية والاجتماعية في ثلاثة مواقع ساحلية هي جزر أوركني، وشمال شرق اسكتلندا، ومصب نهر هامبر في إنجلترا.
وأظهرت النتائج أن التوسع الحالي في مشروعات الطاقة المتجددة البحرية قد يعيد إنتاج أنماط تاريخية من عدم الاستقرار الاقتصادي، وضعف السيطرة المحلية، والتوزيع غير المتكافئ للعوائد الاقتصادية.
وجاءت الدراسة ضمن مشروع “التحولات في الطاقة للمجتمعات الساحلية عبر الزمن والمكان” (TRANSECTS)، الذي يبحث المراحل المتعاقبة لتطور الصناعات البحرية، بدءًا من صيد الحيتان ومصايد الأسماك خلال القرن الثامن عشر، مرورًا بصناعة النفط والغاز البحرية، وصولًا إلى التوسع السريع في مشروعات الطاقة المتجددة البحرية.
واعتمد الباحثون على تحليل 181 سجلًا تاريخيًا ومعاصرًا تغطي الفترة الممتدة من القرن التاسع عشر حتى الوقت الحاضر.
وأظهرت النتائج أن التحولات في قطاع الطاقة البحرية ليست أحداثًا منفصلة، بل عمليات تراكمية تترك آثارًا اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد تستمر لعقود وربما لقرون.
وكشفت الدراسة عن مجموعة من التحديات المتكررة التي تواجه المجتمعات الساحلية، أبرزها محدودية التأثير المحلي على القرارات بسبب هياكل الحوكمة المركزية وردود الفعل المتأخرة تجاه التغيرات، إضافة إلى دورات الازدهار والانكماش الاقتصادي التي تجعل المجتمعات أكثر عرضة للأزمات عند تراجع الصناعات أو انتقالها.
كما رصدت الدراسة استمرار التوزيع غير العادل للمنافع الاقتصادية، حيث تنتقل الوظائف والأرباح والاستثمارات إلى مناطق أخرى، بينما تتحمل المجتمعات الساحلية الآثار البيئية والاجتماعية المترتبة على مشروعات الطاقة.
وأبرز التقرير العلاقة العميقة التي تربط المجتمعات الساحلية بالبحر، مشيرًا إلى أن التحولات الاقتصادية السابقة غالبًا ما اعتُبرت غير عادلة من قبل السكان المحليين عندما أدت إلى تراجع الصناعات التقليدية أو التأثير في الهوية الثقافية وأنماط الحياة المرتبطة بالبحر.
وقالت الدكتورة إيمي ماكارون، الباحثة بجامعة أبردين، إن التحولات في الطاقة البحرية ليست ظاهرة جديدة بالنسبة للمجتمعات الساحلية، بل تحدث منذ قرون، موضحة أن التحديات نفسها ما زالت تتكرر، خاصة فيما يتعلق بتوزيع المنافع والأعباء وإشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار.
وحذر التقرير من أن التوسع الحالي في مشروعات الطاقة المتجددة البحرية قد يعزز الفجوات القائمة بدلًا من تقليصها إذا لم تُتخذ إجراءات موجهة لمعالجة أوجه عدم المساواة.
وفي المقابل، حددت الدراسة عددًا من الفرص التي يمكن أن تسهم في تحقيق انتقال أكثر عدالة، من بينها تبني خطط تنموية تستند إلى خصوصية كل منطقة، وتحسين التنسيق بين مستويات صنع القرار الوطنية والمحلية، ووضع آليات أكثر وضوحًا واستدامة لضمان استفادة المجتمعات من المشروعات الجديدة.
وأكد الباحثون، أن الاستثمار المستمر في تنمية المهارات المحلية وبناء القدرات وتعزيز مشاركة السكان يمثل عنصرًا أساسيًا لضمان قدرة المجتمعات الساحلية على رسم مستقبلها بنفسها والاستفادة من التحولات الجارية.
من جانبها، قالت الدكتورة داريا شابوفالوفا من مختبر التحول العادل بجامعة أبردين إن فهم كيفية حدوث التحولات السابقة يعد شرطًا أساسيًا لتحقيق نتائج أكثر إنصافًا في المستقبل، مشيرة إلى أن المجتمعات الساحلية أظهرت قدرة كبيرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية والبيئية، لكنها غالبًا ما افتقرت إلى الأدوات والنفوذ اللازمين للتأثير في مسار تلك التحولات.
كما أوضحت الدكتورة كارين ألكسندر من جامعة هيريوت-وات، والباحثة الرئيسية في مشروع TRANSECTS، أن القرارات المتعلقة بالطاقة البحرية تحمل آثارًا معقدة وتترك إرثًا طويل الأمد للمجتمعات الساحلية، خاصة في ظل النقاشات المتزايدة حول سيادة الطاقة وأمن الإمدادات.
وأكدت، أن أنظمة الحوكمة الحالية بحاجة إلى التطوير إذا كان الهدف هو بناء مجتمعات ساحلية أكثر مرونة وقدرة على الاستفادة من التحول نحو الطاقة البحرية المتجددة، التي تمثل أحد المكونات الرئيسية لمزيج الطاقة المستقبلي.
ويأتي التقرير ضمن برنامج بحثي متعدد التخصصات يجمع بين دراسات رأس المال الطبيعي والأبعاد الاجتماعية والثقافية لفهم التحولات في قطاع الطاقة البحرية عبر الزمن والمناطق المختلفة.
ومن المتوقع أن تسهم نتائج الدراسة في دعم النقاشات السياسية الجارية بشأن تطوير الطاقة البحرية، وآليات استفادة المجتمعات المحلية، وخطط المملكة المتحدة لتحقيق الحياد الكربوني والوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول العقود المقبلة.
