علماء ينجحون في استخراج 99% من الليثيوم من الصخور باستخدام الماء فقط!
ثورة في صناعة البطاريات.. طريقة جديدة للحصول على الليثيوم دون حرارة أو أحماض
وداعًا للطرق الملوثة.. تقنية جديدة صديقة للبيئة تستخرج الليثيوم من الصخور
تشغّل الهواتف، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، والسيارات الكهربائية، جميعها، بواسطة معدن فضي واحد يصعب استخراجه من باطن الأرض.
فالطرق التقليدية تعتمد على تحميص الصخور الغنية بالليثيوم في درجات حرارة فرن عالية، ونقعها في الأحماض، وهو ما يتطلب استهلاكًا هائلًا للطاقة والمال والوقت.
لكن باحثين أعلنوا عن مسار جديد أبسط وأسرع، يعتمد على الماء ومركّب كيميائي شائع الاستخدام في المنازل.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Chemical Engineering Journal.
لماذا يصعب استخراج الليثيوم من الصخور؟
قال محمد رضائي، من جامعة ولاية بنسلفانيا وقائد الفريق البحثي: “الليثيوم يُغذي تقنيات حياتنا الحديثة، لكن استخراج هذا المعدن يجب أن يكون مسؤولًا بيئيًا أيضًا”.
يُستخرج معظم الليثيوم عالميًا من المحاليل الملحية أو من معدن السبودومين الصلب.
لكن السبودومين لا يفرز الليثيوم إلا بعد تسخينه إلى حوالي 2030 درجة فهرنهايت، ثم يُخبز في حمض الكبريتيك عند 482 درجة فهرنهايت، وهي عملية مرهقة ومكلفة بيئيًا تعود لعقود مضت.
ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك احتياطات كبيرة، فإنها لا تزال تستورد نحو 97% من كيميائيات الليثيوم من تشيلي والأرجنتين، بسبب صعوبة المنافسة مع طرق الاستخراج من المحاليل الملحية الأرخص.
الحرارة المرتفعة لا تزيد التكلفة فقط، بل ترفع الانبعاثات أيضًا؛ إذ تُظهر تحليلات دورة الحياة أن معالجة السبودومين تمثل أكثر من نصف البصمة الكربونية لعمليات استخراج الليثيوم من الصخور.

وصفة أبسط باستخدام هيدروكسيد الصوديوم
ابتكر فريق رضائي طريقة جديدة تستبدل حمض الكبريتيك بمركب هيدروكسيد الصوديوم، وهو مركب قوي يُستخدم في منظفات المجاري المنزلية.
وعندما تُخلط الخامات المطحونة بدقة مع هيدروكسيد الصوديوم وتُسخّن إلى 617 درجة فهرنهايت فقط، يُعاد ترتيب التركيب المعدني لتتحوّل إلى “سيليكات الليثيوم-الصوديوم”، وهي مادة تذوب في الماء بدرجة حرارة الغرفة خلال 60 ثانية فقط.
وقال رضائي: “هذه الطريقة تعتمد على مواد شائعة وتعمل بدرجات حرارة منخفضة نسبيًا، كما أنها تتجاوز خطوة المعادلة الحمضية المطلوبة في العمليات التقليدية”.
ونظرًا لأن المحلول الناتج يكون قاعديًا بالفعل، يمكن للمهندسين إضافة مركب بسيط مثل كربونات الصوديوم لاستخراج كربونات الليثيوم النقية دون الحاجة إلى تعديل الحموضة.
استخراج الليثيوم من الصخور خلال دقائق
أظهرت التجارب أن تقنية التحميص والترشيح الجديدة تستخلص أكثر من 99% من الليثيوم خلال دقائق معدودة، مقارنة بنسبة 96% في العمليات القديمة التي تستغرق أكثر من أربع ساعات.
وقد ساهم استخدام الموجات الميكروية في تقليص وقت التحميص، ما يفتح المجال لإنشاء وحدات إنتاج مستمرة يمكن دمجها في المصانع القائمة دون تغييرات كبيرة.
والأهم أن هذه الطريقة تنجح أيضًا في استخراج الليثيوم من معادن أخرى مثل الليبيدوليت وبعض أنواع الطين، بل وتُحرر أيضًا عناصر حيوية أخرى مثل الروبيديوم والسيزيوم، المستخدمين في تكنولوجيا الفضاء والساعات الذرية.
وتُظهر النماذج الحسابية الأولية أن هذه الطريقة يمكن أن تقلل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 60%، وتخفض النفايات الصلبة بنحو النصف.

مكاسب بيئية ومجتمعية
تقلل درجات الحرارة المنخفضة من الانبعاثات الكربونية، فمن خلال هذا النظام الجديد، يمكن لمصفاة متوسطة الحجم أن تتجنب إطلاق نحو 15 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي ما يعادل إزالة 3200 سيارة تعمل بالبنزين من الطرق.
كما تنخفض أيضًا كمية المياه المستخدمة، إذ لا حاجة لأحواض تبخير متعددة الأشهر، ولا لغسل الصخور الحمضية مرارًا.
وقد تكون هذه التقنية أكثر قبولًا للمجتمعات القريبة من المناجم الأمريكية الجديدة، التي تعارض عادة مشاريع تستهلك كميات كبيرة من المياه.
وفي الوقت ذاته، تحذر وكالة الطاقة الدولية من أن الطلب العالمي على الليثيوم قد يزيد بخمسة أضعاف بحلول عام 2030.
ومعالجة الصخور بطريقة أكثر كفاءة قد تساهم في تلبية الطلب دون الاعتماد المفرط على مصادر محدودة أو تقنيات ملوثة.
ما الخطوة التالية؟
حصلت جامعة بنسلفانيا على براءة اختراع لهذا النظام، وتعمل حاليًا مع شركاء صناعيين لبناء محطة تجريبية قادرة على معالجة عدة أطنان من الخام يوميًا.
وتُشير دراسات هندسية أولية إلى أن تعديل أفران السبودومين القديمة لتعمل بهيدروكسيد الصوديوم سيكون أرخص بكثير من بناء خطوط معالجة بحمض الكبريتيك، نظرًا لتقليل الحاجة إلى معادن مقاومة للتآكل.
وتستهدف الأبحاث المستقبلية أتمتة استخدام الميكروويف، وتحسين عملية إعادة تدوير المواد، ودراسة سلوك الشوائب مثل الحديد والمغنيسيوم في ظل هذه الظروف المعتدلة.
وإذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فقد تبدأ منشأة كاملة الإنتاج بتزويد مصانع البطاريات في أمريكا الشمالية قبل نهاية العقد، مما يساهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، ويعزز الأمن الصناعي والبيئي.





