كشف سر مكونات “الكاتشب” الروماني.. السردين أساس صلصة الإمبراطورية
وصفة عمرها 2000 سنة.. العلم يحدد الأسماك التي غذّت روما
كان الرومان شغوفين بصلصة الغاروم، وهي صلصة مالحة مصنوعة من الأسماك، اعتُبرت بمثابة “الكاتشب” في ذلك العصر. انتشرت على موائد الإمبراطورية من إسبانيا حتى سوريا، حيث استُخدمت لتتبيل كل شيء تقريبًا: من الخضروات واللحوم إلى الأسماك نفسها.
لكن ظل السؤال قائمًا: أي أنواع الأسماك استخدم الرومان بالفعل لصنع هذه الصلصة الشهيرة؟
من الحوض الأثري إلى المختبر

فريق علمي بقيادة الدكتورة باولا إف. كامبوس من مركز CIIMAR بجامعة بورتو، عمل في موقع أدرو فيلو، وهو مركز روماني لمعالجة الأسماك على الساحل الشمالي الغربي لإسبانيا.
استخرج الباحثون بقايا دقيقة من قاع حوض ملحي روماني قديم، تضمنت عظامًا مهشمة وقشورًا وأسنانًا متآكلة. هذه البقايا الصغيرة كانت كافية للكشف عن DNA محفوظ منذ ما يقرب من ألفي عام.
كيف كان يُصنع الجاروم؟
كان إنتاج الغاروم يتم في أحواض حجرية ضخمة على سواحل المتوسط والأطلسي.
• تُملّح الأسماك الصغيرة بكميات كبيرة.
• تُسحق وتُترك لتتخمر ببطء.
• ينتج عن ذلك سائل غني بالنكهة والملوحة، يُصفى ثم يُعبأ ليُصدّر عبر شبكات التجارة الرومانية.
هذه العملية القاسية – الملح، التخمير، الأحماض – دمرت معظم المعالم التشريحية للسمك، وأتلفت الكثير من مادته الوراثية، مما جعل التعرف على الأنواع تحديًا صعبًا للعلماء.
قراءة وصفة عمرها 2000 سنة
رغم صعوبة المهمة، تمكن الباحثون من:
• تنظيف بقايا العظام والقشور.
• بناء مكتبات DNA من البقايا.
• مقارنة التسلسل الجيني بالمرجع الجيني لسردين أوروبا.
النتيجة: الرومان استخدموا السردين الأوروبي كمكوّن رئيسي للغاروم في أدرو فيلو.
كما استطاع العلماء تجميع الجينوم الميتوكوندري الكامل لعدة عينات، مما أكد الهوية الوراثية بدقة.
التأريخ بالكربون المشع
لتأكيد النتائج، أجرى الفريق تحليلًا بالكربون المشع، أظهر أن العينات تعود إلى بدايات القرن الثالث الميلادي، وهي فترة نشاط المصنع الروماني في الموقع.
كما أن أنماط الضرر في جزيئات الـDNA اتسقت مع كونها قديمة أصلية، وليست ملوثة حديثًا.
ماذا تكشف الجينات عن أسماك الماضي؟
عند مقارنة الجينات القديمة بالحديثة، لاحظ العلماء أن:
• التنوع الجيني في السردين القديم أقل مما هو عليه اليوم.
• كان هناك اختلاط وراثي أقل بين تجمعات السردين.
هذا يشير إلى أن المصايد الرومانية كانت محلية أكثر، ولم تكن شبكات الصيد والنقل البحري واسعة كما هي اليوم.
لماذا تهمنا صلصة الغاروم اليوم؟
القيمة الحقيقية للدراسة لا تقتصر على إشباع الفضول عن أذواق الرومان، بل تمتد إلى:
• رسم خريطة التجارة الرومانية: ربط الأنواع بمصانع محددة يكشف شبكات التوريد الإقليمية.
• توفير خط أساس تاريخي: مقارنة جينات الأسماك القديمة بالحالية تساعد علماء المصايد على فهم التغيرات عبر الزمن.
• دعم إدارة المصايد الحديثة: بيانات الماضي تقدم صورة أوضح لمدى استقرار أو تدهور المخزون السمكي.
من الرومان إلى الحاضر
لا يزال السردين اليوم عنصرًا محوريًا في اقتصاد السواحل الإيبيرية.
تتبع إسبانيا والبرتغال خططًا لإدارة الصيد تتضمن:
• تحديد حصص سنوية.
• إغلاق مواسم الصيد لحماية التكاثر.
• مراقبة تقلبات المخزون.
بينما لن تحدد بيانات الرومان حصص الصيد الحالية، إلا أنها توفر مرجعًا تاريخيًا يعزز النماذج العلمية.
خطوات البحث القادمة
يخطط الباحثون لدراسة مواقع أخرى على امتداد الإمبراطورية الرومانية:
• من شمال إفريقيا إلى غرب المتوسط.
• لاختبار ما إذا كانت الوصفات المحلية اعتمدت على السردين أو الأنشوجة أو خليط من الأسماك.
ومع تطور تقنيات الجينوم، قد تُستخلص معلومات أوضح حتى من البقايا الأكثر تدهورًا.
خلاصة

الغاروم الروماني لم يكن مجرد صلصة، بل نافذة على تاريخ التجارة والذوق والبيئة.
من خلال بقايا عظام دقيقة وDNA صمد أمام الملح والتخمير، نجح العلماء في إعادة رسم مشهد غذائي عمره قرون، وربط الماضي بالحاضر من البحر إلى المائدة.
اللينك ناخذ منه صور + هايبره





