دراسة بالأقمار الصناعية تكشف أن الأنشطة البشرية تسرّع تراجع الغطاء النباتي في المناطق المتضررة، رغم استمرار ازدياد اخضرار مساحات أخرى بفعل تغير المناخ
تكشف دراسة علمية حديثة أن ظاهرة ازدياد اخضرار القطب الشمالي، التي ارتبطت بارتفاع درجات الحرارة وتسارع نمو النباتات في أجزاء واسعة من المنطقة، تخفي وراءها اتجاهًا معاكسًا في مواقع التعدين والطرق والمنشآت الصناعية والتجمعات العمرانية؛ إذ تتراجع كثافة الغطاء النباتي في الأراضي التي تعرضت للاضطراب البشري، بما يحد من المكاسب التي يحققها الاحترار المناخي في مناطق أخرى.
واعتمد الباحثون على تحليل صور الأقمار الصناعية لرصد التغيرات التي طرأت على اخضرار الأراضي خلال الفترة من عام 2000 إلى 2020، وخلصوا إلى أن الأراضي المتأثرة بالأنشطة البشرية فقدت اخضرارها، في حين اتجهت الأراضي المستقرة المجاورة، التي لم تُسجّل بها اضطرابات مماثلة، إلى مزيد من الاخضرار في معظم الحالات.
وتبرز أهمية النتائج في أنها تكشف كيف يمكن للاتجاهين المتعاكسين أن يتزامنا داخل المنطقة نفسها؛ فقد تبدو الصورة العامة للقطب الشمالي أكثر اخضرارًا، بينما تتعرض مواقع محددة لتدهور واضح لا يظهر بسهولة عند حساب المتوسطات الإقليمية.
2,221 منطقة نشاط بشري تحت رصد الأقمار الصناعية
قاد الدراسة الباحثان تشونج ليو وشياو تشنج من جامعة صن يات-سن الصينية، واستخدما بيانات الأقمار الصناعية لرسم خريطة لمناطق النشاط البشري، بالاستعانة بصور الأضواء الليلية وخرائط مواقع التعدين، نظرًا إلى أن بعض المناجم لا تصدر إضاءة ليلية كافية لرصدها بهذه الطريقة وحدها.
وحدد الفريق 2,221 منطقة للنشاط البشري تغطي نحو 21,400 كيلومتر مربع، أي مساحة تقارب مساحة ولاية نيوجيرسي الأمريكية.
وتركزت نسبة كبيرة من هذه المناطق في روسيا، حيث بلغت المساحة المرصودة هناك قرابة 7 آلاف ميل مربع، مع انتشار واضح في الغابات الشمالية والمناطق التي تتركز فيها أنشطة التعدين والطاقة وقطع الأشجار.
بعد ذلك، حلل الباحثون صور الأقمار الصناعية من برنامج «لاندسات» باستخدام وحدات مكانية يبلغ عرض كل منها نحو 30 مترًا، لرصد التغيرات السنوية في اخضرار النباتات. ويعتمد هذا المؤشر على الضوء الذي يعكسه الغطاء النباتي، ما يتيح تتبع التغيرات في كثافته دون الحاجة إلى قياس كل موقع ميدانيًا.
الأراضي المتضررة تفقد اخضرارها بوتيرة أسرع
أظهرت النتائج أن الأراضي التي تعرضت للاضطراب البشري فقدت اخضرارها بمعدل يقارب ثلاثة أضعاف معدل زيادة الاخضرار في الأراضي المستقرة داخل المناطق نفسها.
وخلال فترة الدراسة، تراجع مؤشر الاخضرار في 58.7% من المناطق المتضررة، بينما سجلت الأراضي المستقرة زيادة في الاخضرار في 67.7% من المناطق.
وبدأ التباين بين الاتجاهين يتضح بصورة أكبر منذ عام 2011؛ إذ كانت الأراضي المتضررة أكثر اخضرارًا في المتوسط قبل ذلك، ثم أصبحت الأراضي المستقرة أكثر اخضرارًا بعدها.
وظهر التراجع بوضوح في أجزاء من جنوب سيبيريا والسويد ومناطق من القطب الشمالي الكندي، فضلًا عن المواقع المحيطة بالمناجم والطرق وخطوط الأنابيب والمنشآت الصناعية.
كيف فصل العلماء بين تأثير المناخ وتأثير الإنسان؟
لا يعني تراجع الغطاء النباتي بالضرورة أن النشاط البشري هو السبب الوحيد؛ فقد تتأثر النباتات أيضًا بجفاف التربة أو ذوبان التربة الصقيعية أو تغير أنماط الأمطار والحرارة.
ولتمييز هذه العوامل، قارن الباحثون الأراضي المتضررة بمناطق مستقرة قريبة منها، لا تبعد أكثر من نحو 6 كيلومترات، وتقع على ارتفاعات متقاربة، بما يساعد على مقارنة مناطق تتعرض لظروف مناخية متشابهة.
ووفقًا للتحليل، ارتبط المناخ بزيادة الاخضرار في 76.3% من الوحدات التي تحتوي على غطاء نباتي، في حين ارتبط الاضطراب البشري بتراجع الاخضرار في 68.9% منها. كما فسرت الاضطرابات البشرية 16.1% من التباين في مؤشر الاخضرار.
ووجد الباحثون أن 93.7% من اضطرابات الأراضي التي رصدتها الدراسة داخل المناطق المحددة ارتبطت بأنشطة بشرية مباشرة، مثل البناء والزراعة والإدارة العمرانية. ولا تعني هذه النسبة أن الإنسان تسبب في 93.7% من جميع خسائر الغطاء النباتي في القطب الشمالي، بل إنها تصف الاضطرابات التي أمكن رصدها وتصنيفها ضمن نطاق الدراسة.
وفي نحو 50.3% من المساحة التي شملها التحليل، كان المناخ يدعم زيادة الاخضرار، بينما كانت الاضطرابات البشرية تدفع النباتات في الاتجاه المعاكس.
التعدين يترك بصمة أشد من التوسع العمراني في بعض المواقع
رصدت الدراسة آثارًا واضحة في مناطق التعدين، من بينها منجم ميرني للألماس في سيبيريا، ومنجم فورت نوكس للذهب في ألاسكا، إلى جانب مدينة يلونايف في كندا.
وفي المواقع الثلاثة، اتسمت الأراضي المتضررة باتجاهات أقل إيجابية في مؤشر الاخضرار مقارنة بالأراضي المستقرة. وتركزت الزيادة في الاخضرار غالبًا داخل المراكز العمرانية، بينما ظهر التراجع عند الأطراف وعلى امتداد طرق النقل وبالقرب من المنشآت الصناعية.
كما لاحظ الباحثون أن المواقع التي يقل عدد سكانها عن 200 شخص شهدت تراجعًا في الاخضرار بدرجة أكبر من المدن في بعض الحالات.
ورجحوا أن يرتبط ذلك بكثافة أنشطة استخراج الموارد في المناطق الصغيرة والنائية، حيث يمكن أن تؤدي أعمال التعدين وتجهيز المواقع إلى إزالة النباتات واضطراب التربة، مع صعوبة عودتها سريعًا.
ولا تثبت هذه النتائج أن جميع المناجم أو المناطق الصغيرة تتبع النمط نفسه، لكنها توضح أن حجم التجمع السكاني وحده لا يكفي لتقدير الأثر البيئي؛ فطبيعة النشاط وشدة اضطراب الأرض عاملان أساسيان.
تعافي النباتات قد يستغرق عقودًا أو قرونًا
تزداد حساسية النظم البيئية في القطب الشمالي للاضطرابات بسبب قصر موسم النمو، الذي يتراوح عادة بين 60 و90 يومًا، فضلًا عن محدودية العناصر الغذائية في كثير من التربة.
وتشير دراسات سابقة استشهد بها الباحثون إلى أن تعافي الغطاء النباتي بعد إحداث أضرار مادية في التربة قد يستغرق عقودًا، بل قرونًا في بعض الحالات. وقد لا تعود النباتات إلى كثافتها السابقة إذا أدى الاضطراب إلى تغيير دائم في حركة المياه داخل الأرض.
ومن ثم، فإن إزالة النباتات أو شق الطرق أو إنشاء منشآت التعدين لا تعني فقدانًا مؤقتًا للغطاء الأخضر بالضرورة؛ فقد تؤدي بعض الأنشطة إلى تغييرات طويلة الأمد في التربة والموائل الطبيعية.
وتحذر الدراسة من أن التوسع المستقبلي في مشروعات التنمية واستخراج الموارد قد يقلل من المكاسب النباتية المرتبطة بالاحترار، ويضعف قدرة النظم البيئية البرية في القطب الشمالي على تخزين الكربون، إلى جانب المخاطر المحتملة على التنوع البيولوجي.
لماذا لا تكفي صور الأقمار الصناعية وحدها؟
رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة لا تقدم صورة كاملة لكل ما يحدث على الأرض. فقد لا تكشف الخرائط بعض المشروعات الصغيرة أو الأنشطة التي لا تظهر في بيانات الأضواء الليلية أو سجلات التعدين، ما يعني أن نطاق الاضطراب البشري الفعلي قد يكون أوسع من المناطق المحددة.
كذلك، يقيس مؤشر الاخضرار جانبًا من حالة النباتات، لكنه لا يحدد وحده تنوع الأنواع أو كمية الكربون المخزنة أو جودة الموائل. ولم يتمكن التحليل من فصل التأثيرات الفردية للطرق والمناجم، كما لم يحسم ما إذا كانت النباتات تستعيد عافيتها بعد توقف النشاط البشري.
ويرى الباحثون أن الجمع بين بيانات الأقمار الصناعية والرادار والمعلومات المناخية الأكثر تفصيلًا وسجلات استخدام الأراضي، إلى جانب القياسات الميدانية للكربون والتنوع البيولوجي، يمكن أن يوفر فهمًا أدق لتأثير التنمية في النظم البيئية القطبية.
ونُشرت الدراسة في دورية Journal of Remote Sensing، وتخلص إلى أن وصف القطب الشمالي بأنه «يزداد اخضرارًا» لا يكفي وحده لفهم التحولات البيئية التي يشهدها؛ فالمناخ قد يدعم نمو النباتات على نطاق واسع، بينما تمحو الأنشطة البشرية جزءًا من هذه المكاسب في مواقع محددة، وقد يستمر أثر الضرر فيها لفترات طويلة.
