يمكن لتكامل الأنظمة المالية عبر الحدود أن يدعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، من خلال تعزيز تدفقات التمويل إلى الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة والابتكارات البيئية، وفقًا لدراسة بحثية حللت العلاقة بين العولمة المالية والاستثمار الأخضر في 41 من أكبر الاقتصادات المسببة لانبعاثات الكربون في العالم.
ووجدت الدراسة، المنشورة في مجلة Letters in Spatial and Resource Sciences، ارتباطًا إيجابيًا بين العولمة المالية والاستثمار الأخضر خلال الفترة من 1998 إلى 2021، مع استمرار العلاقة على المديين القصير والطويل، وإن اختلفت قوتها بين المناطق الجغرافية.
وبحسب تقديرات الباحثين، ارتبطت زيادة العولمة المالية بنسبة 1% بارتفاع الاستثمار الأخضر بنسبة 2.81% على المدى القصير، وبنسبة 3.14% على المدى الطويل. وهذه النسب تعكس نتائج النموذج الإحصائي المستخدم، ولا تعني بالضرورة أن زيادة تدفقات التمويل الدولي ستؤدي تلقائيًا إلى الارتفاع نفسه في الاستثمارات الخضراء في كل دولة.
أوروبا تتصدر التأثير طويل الأجل
أظهرت المقارنة الإقليمية أن العلاقة الإيجابية بين العولمة المالية والاستثمار الأخضر ظهرت في آسيا والأمريكتين وأوروبا، لكن التأثير المقدر على المدى الطويل كان الأقوى في أوروبا، تلتها الأمريكتان ثم آسيا.
ويربط الباحثون هذه النتيجة، جزئيًا، بوجود مؤسسات أكثر رسوخًا، وسياسات مناخية موجهة، وأسواق متقدمة للتمويل المستدام في أوروبا.
وتسلط هذه الفروق الضوء على أن انتقال رؤوس الأموال بين الدول لا يضمن وحده تحقيق مكاسب بيئية؛ إذ يتوقف جزء من الأثر المحتمل على القواعد المنظمة للأسواق المالية، وفاعلية المؤسسات، وقدرة السياسات العامة على توجيه التمويل إلى مشروعات تحقق نتائج بيئية فعلية.
وتشير النتائج إلى أن الأسواق المالية الدولية يمكن أن تؤدي دورًا يتجاوز تمويل الأنشطة الاقتصادية التقليدية، لتصبح إحدى القنوات التي تساعد على تعبئة الموارد اللازمة لتطوير الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الانبعاثات.
النمو الاقتصادي والتكنولوجيا يدعمان الاستثمار الأخضر
لم تقتصر الدراسة على العولمة المالية، بل تناولت أيضًا عوامل اقتصادية وتقنية يمكن أن تسهم في توسيع الاستثمار المستدام.
ووجد الباحثون أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي يرتبط بزيادة الاستثمار الأخضر على المدى الطويل، كما رصدوا إسهامًا إيجابيًا لتطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، خصوصًا في الأجل الطويل.
وتعكس هذه النتائج أهمية البيئة الاقتصادية والتكنولوجية المحيطة بالتمويل؛ فالنمو الاقتصادي قد يتيح موارد إضافية للاستثمار، فيما يمكن للتطور الرقمي أن يدعم نشر المعرفة والتقنيات وتحسين القدرات اللازمة لتطوير المشروعات الخضراء.
لكن هذه العلاقات لا تعني أن النمو الاقتصادي أو التحول الرقمي يؤديان تلقائيًا إلى خفض الانبعاثات؛ فالنتائج البيئية الفعلية تتوقف على كيفية توجيه الاستثمارات والتكنولوجيا، وعلى طبيعة الأنشطة التي تحصل على التمويل.
دعوة إلى صناديق خضراء وتعاون مالي دولي
يرى مؤلفو الدراسة، أن النتائج تدعم تعزيز التعاون بين القطاعات المالية في الدول المختلفة، بما يسمح بتجميع موارد أكبر وتوسيع فرص الحصول على رأس المال اللازم لمشروعات الطاقة النظيفة والتطوير التكنولوجي.
ويقترح الباحثون إنشاء صناديق خضراء متخصصة داخل البنوك والمؤسسات المالية الدولية، لتوجيه التمويل إلى مشروعات الطاقة النظيفة والبرامج المعنية بتطوير التكنولوجيا.
كما يشيرون إلى أهمية توسيع استخدام السندات الخضراء، وتطوير سياسات مالية واضحة مرتبطة بالمناخ، والاستثمار في التثقيف المالي والبيئي وبرامج بناء القدرات.
ومن شأن هذه الإجراءات، إذا اقترنت بأطر تنظيمية فعالة، أن تساعد في تقليل العقبات التي تواجه المشروعات المستدامة عند البحث عن التمويل، وتعزيز التعاون بين الدول التي تمتلك قدرات مالية وتقنية متفاوتة.
وفي المقابل، يحذر الباحثون من التعامل مع العولمة المالية باعتبارها ضمانة مستقلة للتحول الأخضر؛ إذ يتعين الحد من مخاطر الاعتماد المفرط على رأس المال الأجنبي، والتصدي لممارسات «الغسل الأخضر» التي تروج للأنشطة أو الاستثمارات بوصفها صديقة للبيئة دون أدلة كافية على أدائها الفعلي.
حدود الدراسة وما الذي تقيسه النتائج؟
اعتمدت الدراسة على بيانات 41 اقتصادًا رئيسيًا من الاقتصادات المسببة لانبعاثات الكربون خلال الفترة 1998–2021، واستخدمت نموذجًا اقتصاديًا قياسيًا يعرف باسم نموذج الانحدار الذاتي ذي الإبطاءات الموزعة المعزز بالمقاطع العرضية، لتحليل العلاقات قصيرة وطويلة الأجل.
لكن الباحثين أشاروا إلى عدد من القيود التي ينبغي مراعاتها عند تفسير النتائج. فمن بينها اعتماد المنهج على افتراض العلاقة الخطية، رغم أن العديد من المتغيرات الاقتصادية الكلية قد تتغير بطريقة غير خطية، وهو ما قد يؤثر في دقة التقديرات، لذلك، أوصوا بأن تتناول الأبحاث المستقبلية هذه العلاقات باستخدام نماذج غير خطية.
كما أن مؤشر العولمة المالية المستخدم، والمستمد من معهد KOF السويسري، يجمع بين أبعاد فعلية تتعلق بالتدفقات المالية العابرة للحدود، وأبعاد قانونية ومؤسسية مرتبطة بالقيود والتنظيمات التي تحكم هذه التدفقات. ويقترح الباحثون تحليل كل من هذين البعدين بصورة منفصلة مستقبلًا، لتحديد أيهما يرتبط بالاستثمار الأخضر على نحو أقوى.
وثمة قيد آخر يتعلق بقياس الاستثمار الأخضر نفسه؛ إذ استخدمت الدراسة براءات الاختراع في التكنولوجيا البيئية مؤشرًا بديلًا عنه.
ورغم أن هذه البراءات يمكن أن تعكس نشاط الابتكار البيئي، فإنها لا تقيس جميع أشكال الاستثمار الأخضر الفعلي، مثل الإنفاق على إنشاء محطات الطاقة المتجددة أو تحديث البنية التحتية أو نشر التقنيات النظيفة.
وبالتالي، فإن الدراسة تقدم دليلًا على وجود علاقة إيجابية بين العولمة المالية ومؤشر الاستثمار الأخضر في الاقتصادات والمناطق التي شملها التحليل، لكنها لا تثبت وحدها أن زيادة الانفتاح المالي تتسبب مباشرة في زيادة الإنفاق الأخضر أو خفض الانبعاثات.
وتتمثل الرسالة الأساسية للنتائج في أن التمويل الدولي يمكن أن يكون أداة مهمة لدعم التحول المستدام، شريطة أن تتكامل حركة رؤوس الأموال مع سياسات مناخية واضحة، ومؤسسات قادرة على الرقابة، ومعايير موثوقة لقياس الأثر البيئي الفعلي للاستثمارات.
