\لا تقتصر تداعيات ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر الشديدة على الإجهاد البدني والإرهاق، بل تمتد إلى الصحة النفسية، إذ يمكن أن تؤدي الحرارة المرتفعة إلى اضطراب النوم وإضعاف القدرة على التحكم في المشاعر، بما قد يزيد من قابلية التعرض للضغوط النفسية الشديدة والأفكار الانتحارية.
وكشفت دراسة علمية حديثة عن درجات الحرارة التي يرتبط تجاوزها بارتفاع مستويات الضغوط النفسية المرتبطة بالأفكار الانتحارية، موضحة أن اضطراب النوم وصعوبة تنظيم المشاعر قد يمثلان مسارين أساسيين يفسران جانبًا من العلاقة بين الحرارة الشديدة ومخاطر الصحة النفسية.
وأجرى الدراسة فريق من الباحثين بجامعة جورجتاون والبنك الدولي، بالاعتماد على بيانات دراسة شملت عينة تمثيلية على المستوى الوطني لنحو 7500 شخص بالغ في بنجلاديش.
ونُشرت الدراسة في دورية Environmental Research العلمية، وأظهرت النتائج ارتباط التعرض للحرارة الشديدة بزيادة الأفكار المرتبطة بالانتحار، مع ظهور دور لافت لاضطراب النوم في تفسير هذه العلاقة.
ارتفاع الحرارة واضطراب منظومة الصحة النفسية
قال الباحث الرئيسي سيد شهاب وحيد، الأستاذ المساعد للصحة العالمية بجامعة جورجتاون، إن ارتفاع درجات الحرارة العالمية يمثل تهديدًا واسع النطاق للصحة النفسية، مشيرًا إلى أن الإجهاد الحراري في الدول الأكثر تأثرًا بتغير المناخ، مثل بنجلاديش، يمكن أن يتحول إلى ضغوط نفسية شديدة وارتفاع في مخاطر الأفكار الانتحارية.
وتتبعت الدراسة مسارين مترابطين لفهم العلاقة بين الحرارة والتفكير المرتبط بالانتحار، هما اضطراب النوم وصعوبة تنظيم المشاعر والاستجابات العاطفية.
ووجد الباحثون أن الارتباط بين درجات الحرارة والأفكار المرتبطة بالانتحار أصبح ذا دلالة إحصائية عند درجة حرارة 28 درجة مئوية، بينما بلغ أقوى مستوياته عند 35 درجة مئوية، وهي درجات حرارة شائعة في بنجلاديش خلال أشهر الصيف.
وعند الوصول إلى عتبة 35 درجة مئوية، فسّر تراجع جودة النوم وحده نحو 30% من إجمالي الارتباط المرصود بين الحرارة ومخاطر الأفكار الانتحارية، بينما أسهمت صعوبة تنظيم المشاعر بنسبة أقل بلغت 1.8%.
وبصورة إجمالية، أسهم اضطراب النوم وصعوبة التحكم في المشاعر في تفسير نحو ثلث العلاقة التي رصدتها الدراسة بين ارتفاع درجات الحرارة والأفكار المرتبطة بالانتحار.
كيف أُجريت الدراسة؟
اعتمد الباحثون على تصميم بحثي قائم على متابعة المجموعة نفسها من المشاركين خلال فصلين مختلفين، لفهم التغيرات المرتبطة بالتعرض للحرارة وتأثيرها في الصحة النفسية.
وأُجريت مقابلات مع المشاركين مرتين؛ الأولى خلال فصل الشتاء في يناير وفبراير 2024، والثانية خلال ذروة فصل الصيف في مايو ويونيو من العام نفسه.
وقاس الباحثون المؤشرات المرتبطة بمخاطر الانتحار باستخدام مقياس مختصر ومعتمد علميًا يُعرف باسم «Brief Suicide Cognitions Scale»، وهو أداة تقيس أنماطًا من الأفكار والمشاعر المرتبطة بالشعور باستحالة تحمل المعاناة، وانعدام الشعور بالقبول أو المحبة، والاعتقاد بعدم وجود حلول للمشكلات، وهي مؤشرات قد تسبق السلوك الانتحاري.
أما التعرض للحرارة، فقاسه الباحثون من خلال عدد الأيام التي بلغت فيها درجات الحرارة القصوى 35 درجة مئوية أو أكثر خلال الأسبوعين السابقين لكل مقابلة.
وأتاح هذا التصميم مقارنة الحالة النفسية للأشخاص أنفسهم خلال فصلي الشتاء والصيف، بدلًا من الاعتماد على مقارنة مجموعات مختلفة من الأفراد.
ارتفاع مؤشرات الأفكار الانتحارية خلال الصيف
أظهرت نتائج الدراسة تدهورًا ملحوظًا في المؤشرات المرتبطة بالأفكار الانتحارية خلال فصل الصيف، إذ ارتفع متوسط الدرجات من 10.99 خلال الشتاء إلى 12.96 خلال الصيف.
كما تراجعت جودة النوم لدى المشاركين، وازدادت صعوبة تنظيم المشاعر والتحكم في الاستجابات العاطفية.
وظهرت هذه التأثيرات عبر الفئات العمرية المختلفة، إلا أن كبار السن والنساء سجلوا أكبر تدهور في هذه المؤشرات.
وشبّه وحيد تأثير الحرارة المستمرة على الجسم والدماغ بهاتف ذكي يعاني استنزاف البطارية وارتفاع حرارة المعالج وتعطل التطبيقات الأساسية في الوقت نفسه.
وأوضح، أن الجسم قد يعجز عن التخلص من الحرارة المتراكمة خلال الليل، ما يؤدي إلى اضطراب النوم واستنزاف الاحتياطيات النفسية اللازمة للتعامل مع الضغوط، وعندما تتأثر القدرة على تنظيم المشاعر دون الحصول على الراحة الكافية، تصبح آليات التكيف مع التوتر أكثر عرضة للانهيار.
الفئات الأكثر تأثرًا بالحرارة الشديدة
كشفت الدراسة عن تفاوت مستويات التأثر بالحرارة وفقًا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية للمشاركين.
فقد ارتفعت المؤشرات المرتبطة بالأفكار الانتحارية خلال الصيف بصورة ملحوظة لدى الأشخاص الأقل تعليمًا والأكثر فقرًا.
وقد ترتبط هذه الفروق بعدم تكافؤ فرص الحصول على وسائل التبريد، وزيادة التعرض للحرارة أثناء العمل في الأماكن المفتوحة، فضلًا عن الظروف السكنية التي تجعل الهروب من درجات الحرارة المرتفعة أكثر صعوبة.
كما أظهر الأشخاص ذوو الإعاقة مستويات مرتفعة من المخاطر بصورة مستمرة خلال فصلي الشتاء والصيف، في حين سجل العاطلون عن العمل درجات أعلى في مؤشرات الأفكار المرتبطة بالانتحار مقارنة بمعظم الفئات الأخرى من حيث الحالة الوظيفية.
وكان سكان المناطق الحضرية أكثر تأثرًا من سكان المناطق الريفية، وهو ما قد يرتبط بظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، إذ تمتص الخرسانة والأسفلت الحرارة وتعيد إطلاقها، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة، خصوصًا خلال ساعات الليل.
تغير المناخ يفاقم التحديات المرتبطة بالصحة النفسية
لا تقتصر أهمية هذه النتائج على بنجلاديش، إذ تتسق مع أدلة علمية سابقة تشير إلى وجود ارتباط بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة النتائج المرتبطة بالانتحار.
ووجدت تحليلات تجميعية سابقة أن ارتفاع متوسط درجة الحرارة الشهرية بمقدار درجة مئوية واحدة يرتبط بزيادة تتراوح بين 1.5% و1.7% في النتائج المرتبطة بالانتحار.
وتقع بنجلاديش ضمن منطقة يتوقع الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC) أن تشهد بعض أشد موجات الحر خلال العقود المقبلة.
ومع ذلك، فإن الآليات التي حددتها الدراسة، وفي مقدمتها اضطراب النوم وصعوبة تنظيم المشاعر، لا تقتصر على جنوب آسيا، بل قد تكون ذات أهمية في مناطق أخرى تواجه ارتفاعًا متزايدًا في درجات الحرارة وموجات حر أكثر شدة وتكرارًا.
كيف يمكن الحد من المخاطر النفسية لموجات الحر؟
يرى الباحثون، أن التعامل مع التأثيرات النفسية المرتبطة بتغير المناخ لا ينبغي أن يقتصر على اعتبارها نتائج حتمية لا يمكن منعها، بل يمكن التركيز على عوامل قابلة للتعديل والتدخل، وفي مقدمتها الحفاظ على جودة النوم.
وقال وحيد، إن الجهات الصحية يمكنها متابعة موجات الحر بالتوازي مع مؤشرات اضطراب النوم، بما يساعد على إطلاق تدخلات وقائية في الوقت المناسب.
وتشمل التدخلات المقترحة تحسين فرص الحصول على وسائل التبريد داخل المنازل، وتوفير برامج مجتمعية تساعد الأفراد على تنظيم مشاعرهم والتعامل مع الضغوط النفسية خلال فترات الحرارة الشديدة، إلى جانب اتخاذ إجراءات تحافظ على النوم والراحة.
كما تشير الدراسة إلى أهمية التدخلات العمرانية والبيئية، مثل إنشاء الأسطح الخضراء المعتمدة على النباتات، والتصميم المعماري السلبي الذي يقلل اكتساب المباني للحرارة، وتطوير تقنيات التبريد منخفضة التكلفة.
وفي هذا السياق، أظهرت دراسة تجريبية أن المباني التي استخدمت الأسطح الخضراء المغطاة بالنباتات سجلت درجات حرارة أقل بنحو 3.5 درجات مئوية مقارنة بالمباني ذات الأسطح التقليدية غير المغطاة بالنباتات.
ومن شأن هذه الحلول خفض درجات الحرارة داخل المباني وتحسين الظروف المعيشية خلال موجات الحر، بما قد يساعد على حماية النوم وتقليل الضغوط المرتبطة بالتعرض المستمر للحرارة.
حدود الدراسة وما تكشفه النتائج
رغم أهمية النتائج، أشار الباحثون إلى عدد من القيود التي ينبغي مراعاتها عند تفسيرها.
أولها اعتماد الدراسة على درجات الحرارة الخارجية المحيطة بدلًا من قياس درجات الحرارة الفعلية داخل المنازل، وهو ما يمثل تحديًا في بنجلاديش، حيث يقل انتشار أجهزة تكييف الهواء، وتكون درجات الحرارة الداخلية أكثر ارتباطًا بالظروف الخارجية.
كما لم تتوافر بيانات عن مستويات الرطوبة، وهو ما يعني أن الدراسة ربما لم ترصد بصورة كاملة حجم الإجهاد الحراري الذي تعرض له المشاركون، خصوصًا في بلد يمكن أن تصل فيه درجات حرارة البصيلة الرطبة إلى مستويات خطيرة.
وتقدم الدراسة أدلة جديدة على أن اضطراب النوم وصعوبة تنظيم المشاعر قد يساعدان في تفسير العلاقة بين الحرارة الشديدة والأفكار المرتبطة بالانتحار، كما تفتح المجال أمام تطوير تدخلات عملية للحد من التداعيات النفسية لارتفاع درجات الحرارة.
ومع تزايد موجات الحر بفعل تغير المناخ، قد يصبح الحفاظ على جودة النوم، وتحسين فرص الحصول على وسائل التبريد، وتعزيز خدمات الدعم النفسي من العناصر المهمة في استراتيجيات الصحة العامة والتكيف مع التغيرات المناخية.
