تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية ومناخية واسعة مع اقتراب العالم من تشكل ظاهرة «إل نينيو» شديدة القوة، التي قد تصبح واحدة من أقوى حلقات الظاهرة المسجلة على الإطلاق، بما يهدد المحاصيل الزراعية في المناطق المدارية ويزيد الضغوط على أسواق السلع الغذائية العالمية.
وتشير توقعات مراكز الأرصاد والمناخ إلى أن ظاهرة «إل نينيو» تزداد قوة، فيما يرى المركز الأمريكي للتنبؤات المناخية أن هناك احتمالًا يتجاوز 90% لحدوث حالة «شديدة القوة» خلال خريف وشتاء 2026-2027.
وتثير هذه التوقعات مخاوف خاصة بشأن السلع الزراعية المعروفة باسم السلع اللينة، وعلى رأسها الكاكاو والقهوة والسكر، إذ ترتبط هذه المحاصيل بدرجة كبيرة بالظروف المناخية في مناطق محدودة من العالم، ما يجعل أي اضطراب في الأمطار أو درجات الحرارة ينعكس سريعًا على الإنتاج والأسعار.
ما ظاهرة «إل نينيو»؟
تحدث ظاهرة «إل نينيو» نتيجة ارتفاع دوري في درجات حرارة سطح البحر في المناطق الشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي، عادة بسبب ضعف الرياح التجارية.
وتظهر الظاهرة طبيعيًا مرة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتستمر عادة بين 9 و12 شهرًا.
وتؤدي «إل نينيو» إلى تغيرات واسعة في أنماط الطقس العالمية، من بينها ارتفاع درجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وزيادة مخاطر الجفاف في أجزاء من جنوب وجنوب شرق آسيا وأستراليا وجنوب أفريقيا، في حين قد تتعرض مناطق أخرى، ومنها أجزاء من أمريكا الجنوبية والولايات المتحدة، لأمطار غزيرة.
وتأتي موجة «إل نينيو» المرتقبة في وقت يواجه فيه المزارعون أصلًا ضغوطًا كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود، ما يزيد حساسية أسواق المحاصيل لأي صدمة مناخية جديدة.
الكاكاو.. تاريخ من الخسائر مع «إل نينيو»
يُعد الكاكاو من أكثر المحاصيل تعرضًا لتداعيات الظاهرة، إذ تشير شركة الاستثمار WisdomTree إلى أن كل حالة قوية من «إل نينيو» خلال السنوات الـ55 الماضية تزامنت مع انخفاض في إنتاج الكاكاو.
وخلال آخر دورة للظاهرة، التي امتدت من منتصف 2023 إلى منتصف 2024 وكانت مصنفة بين المعتدلة والقوية، تعرضت غرب أفريقيا، وهي المنطقة الرئيسية لإنتاج الكاكاو عالميًا، لاضطرابات مناخية حادة.
ففي البداية، شهدت المنطقة أمطارًا بلغت ضعف معدلاتها المعتادة، ما أدى إلى زيادة تعرض أشجار الكاكاو للأمراض الفطرية.
وفي عام 2024، تغير نمط الطقس، وضربت المنطقة موجة من الحرارة الشديدة والرياح الجافة المعروفة باسم الهرماتان، ما أدى إلى تساقط أزهار الأشجار التي كانت قد ضعفت بفعل الأمراض.
وتنتج ساحل العاج وغانا نحو نصف الكاكاو العالمي، بينما تحتل الإكوادور المرتبة الثالثة عالميًا، وهي دولة تميل إلى استقبال كميات كبيرة من الأمطار خلال ظاهرة «إل نينيو».
وأدت أزمة محصول غرب أفريقيا خلال 2024 إلى ارتفاع أسعار الكاكاو إلى مستويات قياسية، بعدما اقتربت الأسعار من 12 ألف دولار للطن المتري، قبل أن تكون قد ارتفعت بما يقارب ثلاثة أمثالها خلال العام.
القهوة.. فيتنام وإندونيسيا تحت المجهر
تثير «إل نينيو» مخاوف خاصة بالنسبة إلى قهوة الروبوستا، التي تعتمد الأسواق العالمية على إنتاجها في فيتنام وإندونيسيا.
وعادة ما تؤدي الظاهرة إلى ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار في البلدين اعتبارًا من منتصف العام، وهي الفترة التي تمر فيها محاصيل القهوة بمراحل مهمة من النمو.
وتنتج فيتنام وإندونيسيا معًا نحو 50% من إنتاج الروبوستا العالمي، ما يعني أن أي تراجع في محصوليهما يمكن أن يؤثر سريعًا في الإمدادات والأسعار العالمية.
وقال محللو بنك Citi إن الجفاف في فيتنام وإندونيسيا قد يؤدي إلى انخفاض كبير في إنتاج الروبوستا.
أما قهوة أرابيكا، التي يأتي نحو نصف إنتاجها العالمي من البرازيل، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا.
فقد يكون ارتفاع درجات الحرارة في البداية مفيدًا للمحصول البرازيلي الذي يجري حصاده حاليًا، لأنه قد يقلل مخاطر الصقيع الشتوي.
لكن التأثير قد ينقلب إلى سلبي على المدى الطويل، إذ تميل «إل نينيو» إلى جلب الحرارة والجفاف إلى مناطق إنتاج القهوة في البرازيل خلال الربع الأخير من العام، عندما يبدأ المحصول التالي في النمو، ما قد يهدد إنتاج 2027.
السكر.. تأثير مختلف بين البرازيل والهند
أما بالنسبة إلى السكر، فتختلف تأثيرات «إل نينيو» من دولة إلى أخرى.
وفي البرازيل، أكبر منتج ومصدر للسكر عالميًا، ترتبط الظاهرة عادة بزيادة الأمطار خلال النصف الثاني من العام، وهو ما قد يعطل عمليات الحصاد ويؤثر في جودة المحصول.
لكن في الهند وتايلاند، وهما من كبار منتجي ومصدري السكر، تميل الظاهرة إلى تقليل هطول الأمطار خلال موسم الرياح الموسمية الصيفية.
وتتوقع الهند أن يكون موسم الرياح الموسمية لعام 2026 هو الأضعف منذ 11 عامًا، مع توقع وصول الأمطار خلال فترة نمو المحاصيل بين يونيو وسبتمبر إلى نحو 90% من المتوسط.
ويقدر محللو شركة Hedgepoint أن حدوث «إل نينيو» حتى بدرجة معتدلة قد يؤدي إلى خفض إنتاج السكر الهندي بنحو مليون طن متري.
وفي المقابل، قد تساعد الأمطار الأعلى من المعتاد التي تصاحب «إل نينيو» عادة في مناطق إنتاج السكر البرازيلية على دعم محصول 2027.
ولهذا يرى محللون أن من الصعب بناء سيناريو صعودي قوي لأسعار السكر اعتمادًا على «إل نينيو» وحدها، نظرًا إلى أن الظاهرة قد تضر بمحاصيل بعض الدول، بينما تدعم إنتاج دول أخرى.
الصين تحذر من «إل نينيو» قد يكون الأقوى تاريخيًا
وفي تطور يزيد المخاوف، توقع المركز الوطني للمناخ في الصين تشكل ظاهرة «إل نينيو فائقة القوة»، مشيرًا إلى احتمال أن تصبح الأقوى على الإطلاق من حيث شدة ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في المناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي.
ومن المتوقع أن تستمر درجات حرارة سطح البحر في الارتفاع خلال الأشهر المقبلة، قبل أن تبلغ ذروتها تقريبًا خلال نوفمبر وديسمبر 2026.
وقالت السلطات الصينية إن البلاد بدأت بالفعل تشعر ببعض آثار الظاهرة منذ بداية الصيف، بما في ذلك هطول أمطار غزيرة في مناطق مختلفة.
وتزامنت هذه الظروف مع نشاط قوي للأعاصير المدارية، إلى جانب أحزمة أمطار تداخلت أحيانًا، ما أدى إلى تفاقم بعض الكوارث الطبيعية.
وخلال الأسبوع الماضي، تسبب إعصار دولفين في هطول أمطار شديدة على مناطق واسعة من شرق ووسط وشمال الصين، بعد أن قطع مسافة طويلة فوق المحيط الهادئ.
وأعلنت الحكومة الصينية أن الكوارث الطبيعية خلال يوليو الماضي أسفرت عن وفاة أو فقدان 318 شخصًا، وتسببت في خسائر اقتصادية مباشرة بلغت نحو 8.5 مليار دولار.
«إل نينيو» يهدد الغذاء والأسواق العالمية
ولا تتوقف مخاطر الظاهرة عند حدود الدول المنتجة للمحاصيل، إذ يمكن أن تنتقل آثارها إلى الأسواق العالمية من خلال انخفاض المعروض وارتفاع الأسعار.
ويعتمد إنتاج الكاكاو والقهوة والسكر بدرجة كبيرة على عدد محدود من المناطق الزراعية، ما يجعل الأسواق شديدة الحساسية لأي تغيرات حادة في درجات الحرارة أو الأمطار.
وفي حال تطورت «إل نينيو» إلى الحالة شديدة القوة المتوقعة، فقد تواجه بعض المناطق الجفاف والحرارة، بينما تعاني مناطق أخرى الأمطار الغزيرة والفيضانات، وهو ما يعقد قدرة المزارعين على التكيف ويحمل مخاطر إضافية على الأمن الغذائي.
كما أن ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والوقود والأسمدة يزيد من هشاشة المزارعين أمام الصدمات المناخية.
وتكشف التوقعات الجديدة أن ظاهرة «إل نينيو» ليست مجرد حدث مناخي دوري، بل يمكن أن تتحول إلى محرك رئيسي لاضطرابات أسواق الغذاء والسلع العالمية، خصوصًا إذا تزامنت مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتزايد حدة الظواهر الجوية المتطرفة.
ومع اقتراب ذروة الظاهرة في نهاية 2026، تترقب الأسواق العالمية مسار الطقس في مناطق إنتاج القهوة والكاكاو والسكر، وسط مخاوف من أن يؤدي «إل نينيو» فائق القوة إلى موجة جديدة من اضطرابات الإنتاج والأسعار.
