أسرار جديدة في عالم النباتات.. الساعة البيولوجية تتحكم في نمو الأشجار
الساعة تُحدد إيقاع الشجرة الداخلي وتُضبط كيفية استجابتها لطول النهار والإشارات البيئية
مع تغيّر أنماط المناخ وتقلّب فصول السنة، يجب على الأشجار أن تتكيّف بطرقٍ بدأ العلم يفهمها للتو، تحت لحائها وأغصانها، يكمن نظامٌ قويٌّ غير مرئيّ: ساعةٌ يومية.
تمامًا مثل الساعة البيولوجية التي تُنظّم دورات نوم الإنسان، تُنظّم الساعة البيولوجية للشجرة أنشطتها اليومية والموسمية، فهي تُحدّد لها متى تنمو، ومتى تُبرعم، ومتى تحافظ على طاقتها.
الآن، كشف باحثون في جامعة أوميو النقاب عن المزيد من أسرار هذا العالم الداخلي، وتُظهر دراستهم الحديثة كيف يُمكن للتغيرات الجينية في هذه الساعة أن تُساعد الأشجار على التوافق بشكل أفضل مع إيقاع بيئتها .
نُشرت الدراسة في مجلة npj Biological Timing and Sleep .

تستخدم الأشجار ساعة داخلية للنمو
استكشفت معظم الدراسات السابقة إيقاعات النباتات اليومية في ظل ظروف الدفيئة، ورغم فائدتها، لا تعكس هذه البيئات فوضى الطبيعة – تقلبات درجات الحرارة، وتغيرات ضوء النهار، وتباين هطول الأمطار، وتهديدات الحشرات.
في البرية، يجب على الأشجار التعامل مع كل هذه العوامل مع الحفاظ على نموها وسلوكياتها الموسمية.
لمعالجة هذه المشكلة، درس باحثون في مركز أوميو لعلوم النبات 68 شجرة حور معدلة وراثيًا في ظروف طبيعية وخاضعة للرقابة.
على مدى عدة سنوات، درسوا كيف أثرت التغيرات في جينات محددة مرتبطة بالساعة البيولوجية على النمو، وشيخوخة الأوراق، ونشاط البراعم.
جمع نهج الفريق بين النمذجة الإحصائية المتقدمة وعلم الأحياء النباتية التجريبي. كان لكل شجرة معدلة جينات مميزة تستهدف مكونات الساعة البيولوجية مثل TOC1 ، و LHY ، و GI ، و EBI1 .
كان الهدف تحديد كيفية تأثير التوقيت الداخلي على الأداء الخارجي، وقد أضافت التجارب الميدانية سياقًا بالغ الأهمية، مما سمح للفريق بتتبع آثار تعديل الجينات في ظل المؤشرات الموسمية الواقعية.

الساعة البيولوجية تتحكم في نمو الأشجار
وقال بيرتولد مارين، المؤلف الرئيسي للدراسة: “دراستنا هي الأولى التي تجمع بين مجموعات البيانات من الدراسات الدفيئة والحقل لإظهار أن جوانب متعددة لنظام الساعة البيولوجية تؤثر على نمو الأشجار وتوقيت أحداث دورة الحياة”.
في كلٍّ من غرف الدفيئات والحقول المفتوحة، نمت بعض الأشجار ذات جينات الساعة المعدلة بشكل أطول وأسرع بكثير، بينما أخّرت أشجار أخرى شيخوخة أوراقها أو تكوّن براعمها، مما أطال فترة نموها بشكل فعال.
كانت هذه التأثيرات أكثر وضوحًا في شمال السويد، حيث يُعيق قصر الصيف نمو الأشجار.
لاحظ الباحثون أن الساعة لا تُحدد إيقاع الشجرة الداخلي فحسب، بل تُضبط أيضًا كيفية استجابتها لطول النهار والإشارات البيئية.
على سبيل المثال، أظهرت المتغيرات lhy-10 و toc1-5 نموًا أسرع في الظروف الخارجية، مما يشير إلى أن ساعاتها المعدلة ساعدت الأشجار على تعظيم نموها خلال المواسم الأقصر.
تشكل جينات الساعة الأساسية هذه جزءًا من حلقة التغذية الراجعة التي تنسق متى تنقسم الخلايا، ومتى تتمدد الأوراق، ومتى يتم تخزين الطاقة.

تغيير الجينات يساعد الأشجار على النمو بشكل أقوى
وأوضحت ماريا إي. إريكسون، المؤلفة المشاركة في الدراسة، أن “هذه الدراسة هي دليل على أن الأشجار المخصصة لطول معين من اليوم عند خط عرض معين يمكن أن تتكيف مع خط عرض جديد، مما يؤدي إلى تمديد موسم نموها بشكل فعال”، وأضافت “وهذا مفيد بشكل خاص في خطوط العرض العليا مثل شمال السويد حيث تحد مواسم النمو القصيرة من إنتاج الأخشاب.”
من بين النتائج الأكثر واعدة دور جين EBI1 ، وهو جين ارتبط سابقًا بمقاومة الإجهاد في نبات أرابيدوبسيس، وأظهرت الأشجار المُعدّلة بجين EBI1 نموًا أسرع ومؤشر محتوى الكلوروفيل (CCI) أعلى، وهو ما يُشير إلى تأخر شيخوخة الأوراق.
لم تزد هذه الأشجار حجمًا فحسب، بل حافظت على خضرتها لفترة أطول، هذا الاخضرار الممتد يُعزز عملية التمثيل الضوئي وتخزين الكربون.
كما سلّطت الدراسة الضوء على كيفية تأثير العوامل المحفزة المختلفة على النمو. فقد نمت أشجار AtGA20ox1 ، التي تُنتج كميات زائدة من الجبرلين، بسرعة وطوّرت كتلة حيوية أكبر.
من المثير للاهتمام أن بعض الأشجار زادت نموها حتى مع قصر فترة نموها، مما يُظهر أن التوقيت قد يكون أكثر أهمية من المدة.
وقد أثّر نوع المُحفّز الجيني المُستخدم، والنمط الجيني الأساسي للشجرة، على النتائج.

آلية الساعة في الأوراق والجذور
دعم البحث أيضًا تحولًا في نظرتنا لنمو الأشجار، ركزت الآراء التقليدية بشدة على الحد من مصادر الكربون، مفترضةً أن الأشجار تنمو أكثر عندما تكون عملية التمثيل الضوئي عالية.
لكن هذه الدراسة تضيف وزناً إلى نموذج بديل: فالنمو محدود أيضاً عندما تفي الظروف الداخلية ــ مثل ضغط الماء ومستويات الهرمونات ــ بالحدود الصحيحة.
يبدو أن الساعة البيولوجية تعمل كبوابة، تفتح وتغلق نوافذ النمو بالتزامن مع الظروف البيئية، على سبيل المثال، وجد الفريق أن انقسام الخلايا وتضاعف الحمض النووي يرتبطان بالليل، حيث يكون خطر تلف الحمض النووي أقل، وتدعم رطوبة الهواء ضغط الامتلاء في الخلايا.
حتى ساعات الجذور قد تتبع إيقاعات مختلفة عن ساعات الأوراق، مما يؤدي إلى نمو غير متزامن.
تُعقّد آليات التوقيت الخاصة بالأنسجة هذه نماذج سلوك الأشجار، ولكنها تُتيح أيضًا فرصًا جديدة لتحسين الغابات من خلال استهداف هذه الديناميكيات الداخلية.

استخدام ساعات الأشجار لتحسين الغابات
قال إريكسون: “في المستقبل، يُمكن تحسين إدارة الغابات من خلال دمج الساعات البيولوجية للأشجار ودورات نموها الطبيعية مع الممارسات التقليدية، وبهذه الطريقة، يُمكن تحسين نمو الأشجار وقدرتها على الصمود في عالم متغير”.
قد يُمكّن دمج الساعة في علم الغابات من وضع جداول زراعة أذكى، واستخدام الموارد بكفاءة أكبر، وتنمية أشجار مُناسبة للمناطق التي تشهد ارتفاعًا سريعًا في درجات الحرارة، ولكن هناك المزيد، قد تُعيد هذه النتائج صياغة كيفية بناء نماذج الغطاء النباتي العالمي.
وقال مارين: “من خلال دمج النتائج التي توصلنا إليها بشأن الساعة اليومية بشكل صحيح في نماذج الغطاء النباتي العالمي، يمكننا تحسين التنبؤات حول كيفية استجابة الغابات لتغير المناخ”.
يعود ذلك إلى أن العديد من النماذج الحالية تُعامل الأشجار كمستجيبات سلبية للضوء ودرجة الحرارة.
ولا تأخذ هذه النماذج في الاعتبار كيفية تعديل الساعات الداخلية لتلك الاستجابات، وإضافة هذه الطبقة من التعقيد قد يُحسّن بشكل كبير كيفية توقعنا لامتصاص الكربون وصحة الغابات.

توقيت الأشجار وإدارة الغابات
هذا العمل أكثر من مجرد إنجاز علمي، بل هو خطوة نحو نوع جديد من إدارة الغابات، يُطلق الباحثون عليه اسم “الزراعة الزمنية للغابات”: أي مواءمة إدارة الغابات مع التوقيت البيولوجي.
وبدلاً من إجبار الأشجار على دورات زراعة صارمة، قد يتمكن علماء الغابات في يوم من الأيام من اختيار الأنواع أو الأصناف ذات السمات الزمنية المخصصة للمناخات أو خطوط العرض المحددة.
بكشفه كيف تعمل الساعة البيولوجية كسيدٍ للطقوس الطبيعية، قدّم فريق أوميا لخبراء الغابات وعلماء البيئة أداةً جديدةً فعّالة.
ومع دفع تغير المناخ للأنظمة البيئية إلى حدودها القصوى، قد يكون فهم كيفية نمو الأشجار بإيقاعها الطبيعي هو أذكى سبيلٍ للمضي قدمًا.





