الذكاء الاصطناعي يساعد المزارعين على زيادة كفاءة الأسمدة وتقليل التلوث

الفحم الحيوي المعالج بالذكاء الاصطناعي قد يقلل هدر الأسمدة ويحسن المحاصيل

في وقت تتزايد فيه الضغوط على القطاع الزراعي العالمي نتيجة ارتفاع تكاليف الأسمدة وتدهور جودة التربة وتفاقم التلوث البيئي، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة واعدة لإعادة توظيف المخلفات الزراعية وتحويلها إلى مورد استراتيجي يدعم الإنتاج الزراعي المستدام.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانية استخدام تقنيات التعلم الآلي للتنبؤ بكفاءة الفحم الحيوي “Biochar” في تحسين خصوبة التربة وإدارة عنصر الفوسفور، أحد أهم العناصر الغذائية اللازمة لنمو النباتات.

وتفتح النتائج الباب أمام تحول مهم في أساليب إدارة التربة، من الاعتماد على التجربة والخطأ إلى قرارات زراعية تستند إلى البيانات والتحليل الذكي، بما يساهم في زيادة إنتاجية المحاصيل وخفض التكاليف وتقليل التأثيرات البيئية السلبية للأنشطة الزراعية.

الفحم الحيوي المعالج بالذكاء الاصطناعي قد يقلل هدر الأسمدة ويحسن المحاصيل

مشكلة عالمية.. الفوسفور المهدَر يهدد الزراعة والبيئة

يُعد الفوسفور من العناصر الأساسية لنمو النباتات، إلا أن كفاءة استفادة المحاصيل منه لا تزال محدودة للغاية.
وتشير الدراسات إلى أن النباتات لا تستفيد خلال موسم النمو إلا من نحو 15% إلى 20% من الفوسفور المضاف إلى التربة عبر الأسمدة.

أما الكميات المتبقية فتتعرض لمسارين رئيسيين؛ فجزء منها يرتبط كيميائياً بعناصر مثل الحديد والألمنيوم والكالسيوم، ما يجعله غير متاح لامتصاص جذور النباتات، بينما ينجرف جزء آخر مع مياه الأمطار أو الري إلى الأنهار والبحيرات.

ويؤدي هذا الانجراف إلى ظاهرة تعرف باسم “التخثث” أو الإثراء الغذائي للمسطحات المائية، حيث تتكاثر الطحالب بشكل مفرط وتستهلك الأكسجين الذائب في المياه، ما يهدد الحياة المائية ويؤثر على جودة الموارد المائية.

وتزداد خطورة المشكلة بالنظر إلى أن الفوسفور يُستخرج أساساً من صخور فوسفاتية تكونت عبر ملايين السنين، ما يجعله مورداً غير متجدد يتطلب إدارة أكثر كفاءة واستدامة.

الفحم الحيوي.. حل واعد لكن نتائجه غير مضمونة

أحد الحلول التي لاقت اهتماماً متزايداً خلال السنوات الأخيرة يتمثل في استخدام الفحم الحيوي، وهو مادة غنية بالكربون تُنتج من تسخين المخلفات النباتية أو الأخشاب أو بقايا المحاصيل الزراعية في بيئة منخفضة الأكسجين.

ويمتاز الفحم الحيوي بتركيب مسامي يسمح له بالتفاعل مع العناصر الغذائية في التربة وتحسين خواصها الفيزيائية والكيميائية.

وقد أظهرت دراسات عديدة أن إضافته إلى الأراضي الزراعية يمكن أن تساعد في الاحتفاظ بالمياه وتقليل فقدان العناصر الغذائية وتحسين النشاط الميكروبي.

لكن المشكلة الرئيسية التي واجهت المزارعين والباحثين تمثلت في عدم القدرة على التنبؤ بنتائج استخدامه. ففي بعض الحالات يساهم الفحم الحيوي في تحرير الفوسفور المحبوس داخل التربة وجعله أكثر إتاحة للنباتات، بينما يؤدي في حالات أخرى إلى تثبيت الفوسفور وتقليل استفادة المحاصيل منه.

هذا التباين جعل استخدام الفحم الحيوي محفوفاً بدرجة كبيرة من عدم اليقين، حيث لم يكن بالإمكان تحديد الكميات المناسبة أو الظروف المثالية لاستخدامه بدقة.

الذكاء الاصطناعي يدخل المعادلة

في محاولة لحل هذه المعضلة، أجرى فريق بحثي بقيادة الباحث يوتاو بينغ من جامعة صن يات سين الصينية دراسة اعتمدت على تحليل بيانات مستخلصة من 32 دراسة علمية سابقة.

الفحم الحيوي المعالج بالذكاء الاصطناعي 

وجمع الباحثون 534 حالة قياس مختلفة توثق تأثير إضافة الفحم الحيوي على حركة الفوسفور داخل التربة، قبل إدخال هذه البيانات إلى ثلاثة نماذج مختلفة من التعلم الآلي بهدف الكشف عن الأنماط والعوامل المؤثرة في النتائج.

وتعاملت النماذج مع 19 متغيراً مختلفاً تشمل خصائص الفحم الحيوي وظروف التربة ومحتوى الفوسفور ودرجة الحموضة ومعدلات الإضافة ودرجات حرارة التصنيع.

وأظهرت النتائج تفوق نموذج “الغابة العشوائية” Random Forest على النماذج الأخرى، حيث تمكن من تفسير نحو 91% من التباين في النتائج، وهو مستوى مرتفع من الدقة يعكس قدرة كبيرة على التنبؤ بسلوك الفوسفور داخل التربة.

درجة الحرارة مفتاح النجاح

أحد أبرز الاكتشافات التي توصلت إليها الدراسة أن درجة الحرارة المستخدمة في تصنيع الفحم الحيوي تمثل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد أدائه الزراعي.

فالفحم الحيوي المنتج عند درجات حرارة متوسطة أظهر أفضل قدرة على تنظيم حركة الفوسفور داخل التربة، إذ يوفر توازناً مثالياً بين المسامية والخصائص الكيميائية للأسطح النشطة.

وكشفت التحليلات أن أفضل النتائج تحققت عندما جرى إنتاج الفحم الحيوي عند درجات حرارة تراوحت بين 460 و482 درجة مئوية، مع استخدام معدلات إضافة معتدلة.

في المقابل، أظهر الفحم الحيوي المنتج عند درجات حرارة أعلى ميلاً أكبر إلى تقليل إتاحة الفوسفور للنباتات، وهو ما قد يكون مفيداً في الحالات التي يكون الهدف فيها الحد من تلوث المياه الناتج عن تسرب المغذيات من الأراضي الزراعية.

الفحم الحيوي

خصائص التربة تحدد النتائج

لم تكن درجة الحرارة العامل الوحيد المؤثر، إذ أظهرت الدراسة أن كمية الفحم الحيوي المضافة إلى التربة جاءت في المرتبة الثانية من حيث التأثير، تلتها درجة حموضة التربة ومخزونها الإجمالي من الفوسفور.

وتبين أن التربة الحمضية تميل إلى ربط الفوسفور بعناصر معدنية تجعل امتصاصه أكثر صعوبة، ما يقلل من فعالية الفحم الحيوي. أما التربة المتعادلة أو القلوية نسبياً فتتيح ظروفاً أفضل لزيادة توافر الفوسفور وتحسين استفادة النباتات منه.

كما أظهرت النتائج أن العلاقة بين هذه العوامل معقدة وغير خطية، ما يفسر نجاح تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليلها مقارنة بالأساليب الإحصائية التقليدية.

نحو زراعة أكثر استدامة

ومن النتائج اللافتة للدراسة أن الفحم الحيوي التقليدي غير المعالج كيميائياً قد يحقق أداءً مماثلاً أو أفضل من الأنواع المعدلة مخبرياً في كثير من الحالات، ما يعني إمكانية خفض التكاليف وتقليل الأعباء البيئية المرتبطة بعمليات التصنيع المتقدمة.

كما تشير النتائج إلى أن الفائدة الرئيسية للفحم الحيوي قد لا تأتي من محتواه الذاتي من الفوسفور، بل من قدرته على إعادة تنظيم الفوسفور الموجود بالفعل داخل التربة وتحسين استفادة النباتات منه.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تطوير نظم زراعية أكثر كفاءة في استخدام الموارد، خاصة مع تزايد الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية وتحسين إدارة المغذيات في ظل التغيرات المناخية وتنامي الضغوط على الأمن الغذائي العالمي.

الفحم الحيوي

من التجربة والخطأ إلى الزراعة الدقيقة

حتى وقت قريب، كان اختيار نوع الفحم الحيوي المناسب لكل تربة يعتمد بدرجة كبيرة على التجارب الميدانية والتقديرات الشخصية، ما كان يرفع التكاليف ويزيد من احتمالات الفشل.

أما اليوم، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة التربة يفتح الباب أمام عصر جديد من الزراعة الدقيقة، حيث يمكن للمزارعين التنبؤ مسبقاً بكيفية استجابة أراضيهم للفحم الحيوي قبل استخدامه فعلياً.

وإذا أثبتت التجارب الميدانية المستقبلية نجاح النموذج على نطاق واسع، فقد يصبح الفحم الحيوي المنتج من المخلفات الزراعية أداة رئيسية في تعزيز خصوبة التربة وتقليل التلوث ورفع كفاءة استخدام الأسمدة، بما يدعم تحقيق أهداف الأمن الغذائي والاستدامة البيئية في آن واحد.

Exit mobile version