مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تخلق “جزرًا حرارية” جديدة تهدد المناخ المحلي
ثمن الذكاء الاصطناعي الخفي.. حرارة غير متوقعة تغيّر طبيعة المناطق المحيطة
يشهد العالم تسارعًا كبيرًا في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تغيّر أساليب الحياة والعمل والتواصل، لكن خلف هذا التقدم التكنولوجي، تظهر تداعيات بيئية غير مرئية، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة في محيط مراكز البيانات.
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بنية تحتية ضخمة من مراكز البيانات، وهي منشآت كبيرة تضم آلاف الحواسيب التي تعمل على مدار الساعة.
وتشير تقديرات شركة JLL إلى أن عدد هذه المراكز قد يتضاعف بين عامي 2025 و2030، ما يعكس تسارع الطلب العالمي على القدرة الحاسوبية.
غير أن هذا التوسع يأتي بثمن بيئي واضح، إذ تستهلك مراكز البيانات كميات هائلة من الكهرباء، يتحول جزء كبير منها إلى حرارة لا تبقى داخل المباني، بل تنتشر تدريجيًا إلى المناطق المحيطة، مسببة ارتفاعًا في درجات الحرارة.
ظاهرة “الجزر الحرارية الرقمية”
يطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم “تأثير الجزر الحرارية لمراكز البيانات”، وهو مشابه لتأثير الجزر الحرارية الحضرية، حيث تحتفظ المدن بالحرارة بسبب المباني والطرق، بينما تنتج مراكز البيانات الحرارة نتيجة التشغيل المستمر للأجهزة.
وقد أظهرت دراسة أجراها باحثون في جامعة كامبريدج أن تشغيل مركز بيانات واحد يمكن أن يرفع درجة حرارة الأراضي المحيطة بمعدل يصل إلى 2 درجة مئوية، وقد يتجاوز ذلك في بعض الحالات 9 درجات مئوية، وهو تغير ملحوظ لمصدر واحد فقط.

بيانات الأقمار الصناعية تكشف النمط
اعتمد الباحثون على بيانات الأقمار الصناعية التي تقيس درجات حرارة سطح الأرض على مدار 20 عامًا، وقارنوها بمواقع آلاف مراكز البيانات حول العالم.
ولضمان دقة النتائج، تم استبعاد المناطق الحضرية المزدحمة للتركيز فقط على تأثير مراكز البيانات.
وأظهرت النتائج نمطًا واضحًا: بمجرد بدء تشغيل مركز بيانات، ترتفع درجات الحرارة في المناطق المحيطة به بشكل ملحوظ.

تأثير يمتد لعشرات الكيلومترات
لا يقتصر تأثير الحرارة على محيط المركز فقط، بل يمتد لمسافات بعيدة تصل إلى 10 كيلومترات، وحتى على بعد 7 كيلومترات، تظل الحرارة أعلى من المعدلات الطبيعية، ما يعني تأثر مساحات واسعة.
وقد رُصدت هذه الظاهرة بالفعل في مناطق من المكسيك وإسبانيا والبرازيل، حيث ارتفعت درجات الحرارة بنحو درجتين مئويتين في مناطق تضم عددًا كبيرًا من مراكز البيانات، وهو نمط لا يتوافق مع التغيرات المناخية المعتادة.
ملايين البشر تحت التأثير
تتجاوز تداعيات هذه الظاهرة البيئة لتشمل البشر، إذ يعيش أكثر من 340 مليون شخص على بُعد 10 كيلومترات من مراكز البيانات.
وقد يلاحظ هؤلاء ارتفاعًا طفيفًا في درجات الحرارة، ما يزيد الحاجة إلى التبريد ويرفع استهلاك الكهرباء، مع آثار محتملة على الصحة والراحة العامة.
لماذا تنتج مراكز البيانات هذه الحرارة؟
تعمل آلاف الحواسيب داخل مراكز البيانات بشكل مستمر لمعالجة كميات هائلة من المعلومات، ما يؤدي إلى توليد حرارة كبيرة.
وعلى الرغم من استخدام أنظمة تبريد متطورة، فإنها لا تستطيع احتواء كل الحرارة، فيتسرب جزء منها إلى البيئة المحيطة.
كما أن جزءًا كبيرًا من الطاقة المستهلكة لا يُستخدم في العمليات الحسابية، بل يتحول مباشرة إلى حرارة، وهو ما يزيد من حدة المشكلة مع تزايد الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

حلول للحد من التأثير
تتجه الجهود حاليًا نحو تقليل هذا الأثر من خلال تحسين كفاءة أنظمة الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك الطاقة، واستخدام تقنيات تبريد أكثر فعالية مثل التبريد بالسوائل بدلًا من الهواء.
كما يمكن الاعتماد على مواد بناء حديثة تقلل امتصاص الحرارة، إلى جانب تحسين تصميم مراكز البيانات وإدارتها لتقليل الفاقد الحراري، وتشغيل الأنظمة بكفاءة أعلى خلال فترات انخفاض الطلب.
وتؤكد هذه الحلول أن التوازن بين التقدم التكنولوجي والاستدامة البيئية أصبح ضرورة ملحّة في عصر الذكاء الاصطناعي.





