مع تسارع التحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة، تواجه شبكات الكهرباء تحديات متزايدة نتيجة الانتقال من أنظمة مركزية تقليدية إلى نماذج لامركزية تعتمد على مصادر متعددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتخزين الكهربائي.
في هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي كأداة محورية لتعزيز كفاءة ومرونة البنية التحتية للطاقة، حيث تستخدم شركة المرافق البريطانية SSE plc تقنيات التعلم الآلي لتحليل أنماط الصوت الناتجة عن فحص أعمدة نقل الكهرباء، عبر جهاز ذكي متصل بتقنية البلوتوث، ما يسمح بمراقبة حالة الأصول عن بُعد وتحسين عمليات الصيانة.
كما تُوظف الشركة الذكاء الاصطناعي لتحديد الحد الأقصى الآمن من الكهرباء التي يمكن تمريرها عبر خطوط النقل، من خلال تحليل متغيرات بيئية مثل درجة الحرارة وسرعة الرياح ومستويات الإشعاع الشمسي والغطاء السحابي، ما أتاح زيادة القدرة الاستيعابية للشبكة بنسبة تصل إلى 15% دون الحاجة إلى إنشاء بنية تحتية جديدة.
إدارة تعقيدات الشبكات اللامركزية
مع انتشار أنظمة الطاقة الموزعة، أصبحت الأحمال الكهربائية أكثر ارتباطًا بالزمان والمكان، وهو ما يزيد من تعقيد إدارة الشبكات. ففي مدن مثل Melbourne، تتجاوز كميات الطاقة الشمسية المنتجة أحيانًا قدرة الشبكة على الاستيعاب، ما يستدعي تخزين الفائض في البطاريات أو تقليص الإنتاج للحفاظ على توازن النظام.
وفي المقابل، قد تعاني مناطق قريبة من نقص في التوليد الكهربائي، ما يفرض على مشغلي الشبكات التعامل مع تحديات متباينة في الوقت ذاته. وهنا يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانية التنبؤ بالإنتاج المتوقع من مصادر الطاقة المتجددة، وتحديد الكميات اللازمة من الطاقة التقليدية لتلبية الطلب وضمان استقرار الشبكة.
وعلى مستوى المستهلك، يمكن للذكاء الاصطناعي إدارة أنظمة الطاقة المنزلية المتعددة، مثل الألواح الشمسية والمضخات الحرارية والسيارات الكهربائية، من خلال تحليل أنماط الاستهلاك وتحديد التوقيت الأمثل لشحن البطاريات أو بيع الفائض إلى الشبكة.
تطبيقات في قطاع الوقود الأحفوري
لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على قطاع الطاقة المتجددة، إذ حددت شركة Saudi Aramco أكثر من 400 تطبيق محتمل للذكاء الاصطناعي في عملياتها، تشمل نمذجة المكامن النفطية وتشخيص أعطال المعدات، مقدّرة القيمة الاقتصادية لهذه التطبيقات بنحو ملياري دولار.
وتعمل الشركة على تطوير نموذج لغوي ضخم مخصص لقطاع الطاقة، يتم تدريبه داخليًا باستخدام حواسيب فائقة، في خطوة تهدف إلى تقليل المخاطر السيبرانية وتعزيز سيادة البيانات.
الذكاء الاصطناعي يدخل سباق الاندماج النووي
يمتد دور الذكاء الاصطناعي أيضًا إلى دعم الأبحاث المتعلقة بالطاقة النووية الاندماجية، التي يُعوّل عليها لإنتاج كميات هائلة من الكهرباء النظيفة عبر محاكاة التفاعلات التي تحدث داخل الشمس.
وفي هذا الإطار، تتعاون شركة Commonwealth Fusion Systems مع وحدة DeepMind التابعة لشركة Google لتوظيف تقنيات التعلم العميق في التنبؤ بسلوك البلازما داخل المفاعلات الاندماجية، والحفاظ على استقرارها عند درجات حرارة تتجاوز حرارة سطح الشمس.
كما يستخدم باحثون في هيئة UK Atomic Energy Authority تقنيات التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاختبار تصميمات المفاعلات افتراضيًا، ما يقلل من تكاليف ومدة التجارب مقارنة بالنماذج الفيزيائية التقليدية.
ركيزة أساسية في مسار التحول الطاقي
في الوقت الراهن، يُتوقع أن يكون التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي في دعم التحول الطاقي من خلال تحسين كفاءة العمليات التشغيلية لشركات المرافق، واستخراج القيمة من كميات هائلة من البيانات غير المستغلة داخل أنظمة الطاقة، لا سيما في ظل قدم بعض مكونات الشبكات الكهربائية التي يتجاوز عمرها قرنًا من الزمن.
