الذكاء الاصطناعي لن ينقذ المناخ.. لماذا الحلول معروفة لكن الإرادة غائبة؟

بين الوهم والواقع.. حدود دور الذكاء الاصطناعي في إنقاذ الكوكب

في خضم الحماس العالمي المتصاعد حول قدرات الذكاء الاصطناعي، تتزايد الأصوات التي تحذر من المبالغة في اعتباره حلًا سحريًا لأزمة تغير المناخ، مؤكدين أن الاعتماد عليه قد يكون تشتيتًا للانتباه عن الحلول الحقيقية المتاحة بالفعل.

ورغم الانتشار السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما تحققه من قفزات في مجالات متعددة، فإن تشغيل هذه التقنيات يعتمد على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه، إلى جانب معادن نادرة، ما يطرح تساؤلات حول بصمتها البيئية وتأثيرها الفعلي على جهود خفض الانبعاثات.

ويشير التقرير إلى أن الرهان على الذكاء الاصطناعي لحل أزمة المناخ يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أسباب الأزمة وحلولها معروفة منذ عقود، وتتمثل في الاعتماد على الوقود الأحفوري، مقابل ضرورة التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، التي أصبحت بالفعل من أسرع مصادر الطاقة نموًا عالميًا.

ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة شدة العواصف، وتفاقم حرائق الغابات، واضطراب الأنماط المناخية

لكن التحدي الحقيقي، بحسب التقرير، لا يكمن في نقص التكنولوجيا أو المعرفة، بل في غياب الإرادة السياسية، وتأثير مصالح الصناعات التقليدية، إضافة إلى تعقيدات صنع القرار، التي تتطلب توافقًا مجتمعيًا وسياسيًا لا يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تحققه.

كما يحذر من أن الاعتماد المفرط على نماذج الذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات قد يخلق “وهمًا بالموضوعية”، حيث يمكن استخدامها كغطاء لاتخاذ قرارات دون نقاش مجتمعي كافٍ، رغم أنها لا تستطيع التعامل مع تعقيدات العدالة الاجتماعية أو الموازنة بين التكلفة والاستدامة والإنصاف.

تكلفة التأخير.. أزمة تتفاقم الآن

يؤكد التقرير أن أخطر ما في الرهان على حلول مستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي، هو تأجيل اتخاذ الإجراءات الفورية، في وقت تتسارع فيه آثار تغير المناخ بالفعل.

فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة شدة العواصف، وتفاقم حرائق الغابات، واضطراب الأنماط المناخية، ما يترتب عليه خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات سنويًا، إلى جانب تأثيرات مباشرة على حياة الأفراد، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين وتراجع جودة الهواء.

ويشير التحليل إلى أن الانبعاثات التراكمية هي العامل الحاسم في تحديد حجم الاحترار العالمي، ما يعني أن أي تأخير في خفض الانبعاثات يؤدي إلى تضاعف الأضرار مستقبلًا، حتى في حال التوصل إلى حلول تكنولوجية متقدمة لاحقًا.

تقرير يحذر من المبالغة في دور الذكاء الاصطناعي بمواجهة تغير المناخ

الذكاء الاصطناعي: أداة مساعدة لا حلًا جذريًا

لا ينكر التقرير أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في دعم جهود المناخ، مثل:

تحسين التنبؤات الجوية والمناخية
تحليل الظواهر المناخية المتطرفة
تسريع الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة
دعم كفاءة الأنظمة الصناعية

لكن هذه الأدوار تظل مكملة وليست بديلة للحلول الأساسية، إذ لا تعالج جوهر المشكلة المتمثل في السياسات والقرارات الاقتصادية.

كما يلفت إلى أن معظم الطلب على مراكز البيانات الضخمة يأتي من تطبيقات استهلاكية عامة، وليس من تطبيقات متخصصة في المناخ، ما يضعف الحجة القائلة بأن التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يخدم أهداف الاستدامة بشكل مباشر.

ضغط متزايد على الطاقة والموارد

من أبرز التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الزيادة الهائلة في استهلاك الطاقة. إذ تشير التقديرات إلى أن مراكز البيانات قد تستهلك مئات التيراواط/ساعة خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يمثل نسبة كبيرة من إجمالي الطلب على الكهرباء.

وفي ظل السياسات الحالية، قد يتم تلبية هذا الطلب من خلال التوسع في استخدام الغاز الطبيعي أو حتى الفحم، ما يؤدي إلى زيادة الانبعاثات بدلًا من تقليلها.

ولا يقتصر التأثير على الطاقة فقط، بل يمتد إلى استهلاك المياه لأغراض التبريد، والضوضاء، والضغط على البنية التحتية، وهي تكاليف غالبًا ما تتحملها المجتمعات المحلية، وليس الشركات التكنولوجية.

تقرير جديد يتهم شركات التقنية بتضخيم دور الذكاء الاصطناعي في خفض الانبعاثات

ما الحل إذًا؟

يخلص التقرير إلى أن مواجهة تغير المناخ لا تتطلب انتظار “معجزة تكنولوجية”، بل تعتمد على:

تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة
تطبيق سياسات صارمة لخفض الانبعاثات
محاسبة الجهات الملوثة
دعم الابتكار دون الاعتماد عليه كبديل للإجراءات الفورية

كما يشدد على ضرورة تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، لضمان ألا يتحول إلى جزء من المشكلة بدلًا من أن يكون أداة ضمن الحل.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة قوية، لكنه ليس العصا السحرية لإنقاذ المناخ. فالأزمة الحالية ليست أزمة تكنولوجيا بقدر ما هي أزمة إرادة وتنفيذ.

وفي عالم يضيق فيه هامش الوقت، يصبح الرهان الحقيقي ليس على ما قد تفعله الخوارزميات في المستقبل، بل على ما يمكن للحكومات والمجتمعات فعله الآن.

Exit mobile version