قد تنتهي المعركة في البحر خلال ساعات، وقد تختفي بقعة النفط من سطح المياه بعد أيام أو أسابيع، لكن ذلك لا يعني أن الكارثة انتهت.
في الخليج العربي تحديدًا، يمكن أن تبدأ الأزمة البيئية الحقيقية بعد اختفاء المشهد الأكثر وضوحًا: النفط الطافي.
فالخليج ليس بحرًا مفتوحًا على محيط شاسع يستطيع ابتلاع الملوثات وتخفيف تركيزاتها سريعًا، وإنما حوض بحري ضحل وشبه مغلق، لا يتصل بالمياه المفتوحة إلا عبر مضيق هرمز. وهذه الخصائص الطبيعية، مقترنة بالحرارة الشديدة والملوحة المرتفعة والضغوط البشرية والصناعية المتراكمة، تجعل أي تلوث واسع النطاق أكثر قابلية للتحول من حادث مؤقت إلى مشكلة بيئية طويلة الأمد.
وهنا تكتسب احتمالات استهداف ناقلات النفط والمنشآت النفطية خلال الصراع في المنطقة بُعدًا يتجاوز أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
الخطر المحتمل لا يتعلق فقط بكمية النفط التي قد تتسرب إلى البحر، وإنما بما يمكن أن يبقى منه في الرواسب، وما قد يصل إلى الأسماك والشعاب المرجانية والسواحل، وما يمكن أن يهدد محطات تحلية المياه والبنية التحتية الساحلية.
بحر شديد القسوة قبل أن تبدأ الحرب
دراسة حديثة نشرتها دورية Ambio ترسم صورة لنظام بيئي يعيش أصلًا في ظروف قاسية.
الخليج العربي ضحل بصورة استثنائية مقارنة بالعديد من البحار، ويبلغ متوسط عمقه نحو 35 إلى 36 مترًا، بينما ترتفع الأعماق باتجاه مضيق هرمز. كما أن تبادل المياه مع خليج عمان وبحر العرب محدود نسبيًا بسبب الطبيعة شبه المغلقة للحوض.
وتزداد هشاشة النظام بسبب الظروف المناخية والفيزيائية القاسية؛ فدرجات حرارة سطح البحر في الصيف يمكن أن تتجاوز 36 درجة مئوية، بينما تصل الملوحة إلى مستويات من بين الأعلى في البحار العالمية، مع تسجيل أكثر من 44 وحدة ملوحة في المياه المفتوحة وتجاوزها 55 في بعض الخلجان والمناطق المحصورة.
وفي الوقت نفسه، رصدت الدراسات توسعًا وتفاقمًا في ظاهرة نقص الأكسجين في أجزاء من الخليج.
بمعنى آخر، فإن الكائنات التي تعيش في هذا البحر تكيفت بالفعل مع بيئة شديدة الإجهاد، ولذلك فإن إضافة صدمة كبيرة ومفاجئة مثل تسرب نفطي واسع أو تلوث كيميائي ناتج عن الحرب قد تدفع بعض النظم البيئية إلى مستويات جديدة من الضغط يصعب التعافي منها.
لماذا لا يستطيع الخليج التخلص من التلوث سريعًا؟
الطبيعة تمتلك بالفعل مجموعة من الآليات التي تساعد البحار على التخلص من جزء من التلوث النفطي.
بعض مكونات النفط الخفيفة تتبخر، والأمواج والرياح تساعد على تشتيت النفط وتحويله إلى قطرات أصغر، بينما تعمل البكتيريا والكائنات الدقيقة على تحليل بعض المركبات الهيدروكربونية، ويمكن لأشعة الشمس أن تسهم في تغيير وتحلل مركبات أخرى.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين اختفاء النفط من سطح البحر واختفاء التلوث من البيئة البحرية.
قد تختفي البقعة التي تراها العين، بينما تنتقل مكونات أخرى إلى قاع البحر والرواسب والكائنات الحية.
وتزداد المشكلة في الخليج بسبب بطء تجدد المياه نسبيًا؛ إذ تشير التقديرات إلى أن زمن مكوث المياه في الحوض يمكن أن يتراوح بين نحو سنة وخمس سنوات.
لذلك فإن خروج جزء من المياه عبر مضيق هرمز لا يعني أن الملوثات الموجودة في الخليج ستغادر معه بالسرعة نفسها.
قد يبقى جزء منها داخل النظام البحري، وقد يستقر في الرواسب أو يدخل السلسلة الغذائية، لتتحول الحادثة من بقعة نفط إلى تلوث مزمن.
الدرس الذي تركته حرب الخليج
أكبر دليل على ذلك لا يأتي من النماذج النظرية، وإنما من التاريخ نفسه.
خلال حرب الخليج عام 1991، أُطلق ما يقدر بنحو 7 ملايين برميل من النفط الخام إلى مياه الخليج، فيما تلوثت مساحات واسعة من البيئات الساحلية.
امتدت آثار التلوث على طول مئات الكيلومترات من السواحل، وكان تأثيره شديدًا خصوصًا في البيئات الساحلية الضحلة مثل أشجار المانجروف والمسطحات الطينية والمستنقعات الملحية والشواطئ.
لكن الأهم أن بعض آثار الكارثة لم تختفِ مع انتهاء الحرب.
كشفت دراسات لاحقة عن بقاء كميات من النفط مدفونة تحت الرمال وظهور تجمعات من القار النفطي ظلت موجودة لسنوات طويلة.
وفي بعض البيئات منخفضة الطاقة، حيث لا توجد حركة مياه قوية تساعد على غسل الملوثات، أشارت التقديرات إلى أن التعافي الكامل يمكن أن يستغرق عقودًا، بل أكثر من قرن في بعض الموائل شديدة الحساسية.
وهذه هي الرسالة الأهم من تجربة 1991:
الحرب قد تنتهي سياسيًا وعسكريًا، لكن البحر قد يظل يدفع فاتورتها البيئية لسنوات أو عقود.
النفط لا يختفي.. بل يغير مكانه
أحد أخطر الأخطاء في تقييم التسربات النفطية هو اعتبار تراجع البقعة على سطح البحر مؤشرًا على انتهاء الخطر.
فالنفط يمكن أن يتعرض للتبخر والتشتت والتحلل، لكنه يستطيع أيضًا أن ينتقل إلى الرواسب أو يتراكم في الكائنات الحية.
وهنا تظهر مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مجموعة من الملوثات المرتبطة بالنفط وعمليات الاحتراق، والتي يمكن أن تبقى في البيئة وتدخل إلى أجسام الكائنات البحرية.
وقد قدمت كارثة منصة Deepwater Horizon في خليج المكسيك مثالًا واضحًا على قدرة التلوث النفطي على ترك آثار بيولوجية طويلة الأمد.
دراسات أجريت على الأسماك بعد الكارثة رصدت نواتج أيض لهذه المركبات في أنواع مختلفة من الأسماك، بينما كشفت أبحاث لاحقة عن استمرار ارتفاع مستويات بعض الملوثات في مناطق من الخليج بعد سنوات من الحادث.
لكن الخطر الأكثر حساسية يتعلق بمراحل الحياة المبكرة.
فبحسب أبحاث الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية، يمكن أن تكون بيض الأسماك واليرقات شديدة الحساسية لمركبات النفط، التي قد تؤثر في نمو القلب ووظيفته وتسبب اضطرابات في الدورة الدموية وتشوهات في مراحل النمو.
وهكذا يمكن أن لا يظهر الأثر الكامل للتلوث في عدد الأسماك في اليوم التالي للحادث، وإنما يتكشف لاحقًا عبر تراجع التجدد الطبيعي للأجيال الجديدة.
الشعاب المرجانية لا تقف خارج دائرة الخطر
الخليج العربي يضم شعابًا مرجانية قادرة بصورة استثنائية على تحمل الحرارة والملوحة، وهي سمة جعلت علماء البحار ينظرون إليها باعتبارها نموذجًا مهمًا لدراسة قدرة الشعاب على التكيف مع الظروف المناخية المتطرفة.
لكن القدرة على تحمل الظروف الطبيعية القاسية لا تعني الحصانة أمام التلوث النفطي.
دراسات تناولت الشعاب المرجانية في شمال غرب الخليج رصدت ارتباطًا بين الأنشطة المرتبطة بصناعة النفط وبين تراكم الملوثات العضوية، ومن بينها الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، داخل أنسجة المرجان.
كما استخدمت تلك الدراسات مؤشرات تشمل نسبة الغطاء المرجاني الحي وخصائص الرواسب للكشف عن الفروق بين المناطق المتأثرة بالأنشطة البشرية والمناطق الأقل تأثرًا.
المعنى هنا بالغ الأهمية:
الشعاب التي تواجه أصلًا ارتفاع حرارة المياه والملوحة والضغوط البشرية قد لا تملك هامشًا واسعًا لتحمل صدمة نفطية أو كيميائية جديدة.
الخطر الأكبر قد يصل إلى مياه الشرب
إذا كان النفط يمثل تهديدًا مباشرًا للحياة البحرية، فإن التلوث في الخليج يمكن أن يتحول سريعًا إلى مشكلة تمس الإنسان مباشرة.
السبب هو اعتماد دول المنطقة بصورة كبيرة على مياه البحر في إنتاج مياه الشرب من خلال محطات التحلية.
وهذا يجعل البحر جزءًا من البنية الأساسية للأمن المائي.
أي تلوث واسع بالقرب من مآخذ محطات التحلية يمكن أن يفرض إجراءات تشغيلية معقدة، أو يؤدي إلى تقليص الإنتاج أو توقفه وفق طبيعة الملوث ومستوياته وقدرة أنظمة المعالجة على التعامل معه.
ولا يتوقف الأمر عند محطات التحلية.
المنشآت الصناعية ومحطات توليد الكهرباء تعتمد أيضًا في مناطق كثيرة على مياه البحر في عمليات التبريد والخدمات الصناعية.
وبالتالي يمكن لحادث بيئي بحري واسع أن ينتقل بسرعة من:
تلوث نفطي → اضطراب بيئي → تهديد للبنية التحتية → ضغط على المياه والطاقة → خسائر اقتصادية.
وهنا يصبح التلوث البحري جزءًا من أمن المنطقة وليس قضية بيئية منفصلة.
الخطر ليس النفط وحده
الحرب لا تعني بالضرورة تسرب النفط فقط.
استهداف منشآت الطاقة والصناعة والموانئ والمنشآت الساحلية يمكن أن يطلق مجموعة مختلفة من الملوثات، بينها المواد الكيميائية الخطرة والمعادن الثقيلة والملوثات الناتجة عن احتراق الوقود والمخلفات العسكرية.
وقد تدخل بعض هذه المواد إلى الرواسب البحرية أو تنتقل عبر الهواء ثم تترسب في المياه.
وفي سيناريوهات شديدة الخطورة، يمكن أن تتسبب الأضرار التي تلحق بمنشآت صناعية أو نووية في أنواع أخرى من التلوث تتطلب استجابة مختلفة تمامًا.
لذلك فإن التعامل مع الخطر باعتباره مجرد «بقعة نفط» قد يكون تبسيطًا خطيرًا لطبيعة الكارثة المحتملة.
التلوث لا يحترم الحدود السياسية
هناك مشكلة أخرى تجعل أي حادث واسع في الخليج قضية إقليمية تلقائيًا.
المياه لا تتوقف عند الحدود السياسية.
والتيارات البحرية يمكن أن تنقل الملوثات من منطقة إلى أخرى، فيما تؤثر حركة المياه الخارجة من الخليج عبر مضيق هرمز في خليج عمان وشمال بحر العرب.
وهذا يعني أن حادثًا يبدأ بالقرب من منشأة أو ناقلة في دولة واحدة يمكن أن تتجاوز آثاره مياهها الإقليمية وتصل إلى مناطق أخرى.
في حالة التلوث واسع النطاق، لا توجد دولة تستطيع أن تتعامل مع الأزمة باعتبارها شأنًا داخليًا بالكامل.
«الأرشيف الكيميائي» الذي تتركه الحرب
يرى الدكتور محمد سلامة عبد الهادي، أستاذ الكيمياء بالجامعة الألمانية في القاهرة، أن آثار التلوث يمكن أن تصبح بمثابة «أرشيف كيميائي للحرب».
فحتى بعد اختفاء التسرب من سطح البحر، يمكن للعلماء تحليل الرواسب والكائنات البحرية للكشف عن المواد والملوثات التي خلفتها العمليات العسكرية أو حوادث النفط والوقود.
وهذا يفسر لماذا لا تنتهي القضية البيئية بانتهاء القتال.
فالرواسب يمكن أن تحتفظ بآثار التلوث، والكائنات يمكن أن تحمل بصماته، وتبقى بعض المواد في البيئة حتى بعد تراجع المؤشرات المرئية للأزمة.
وتؤكد دراسات ما بعد حرب الخليج أن التلوث النفطي ارتبط بتغيرات في تركيزات بعض المعادن النزرة في الرواسب في مناطق تعرضت لتلوث شديد، وهو ما يوضح كيف يمكن أن تتداخل مكونات مختلفة من التلوث الحربي داخل النظام البحري.
المشكلة الحقيقية: هل المنطقة مستعدة؟
السؤال الأخطر اليوم ليس ما إذا كان الصراع يستطيع إلحاق ضرر بالخليج.
التاريخ والدراسات العلمية يقدمان بالفعل الإجابة.
السؤال هو: هل تمتلك المنطقة القدرة الكافية على اكتشاف التلوث والتعامل معه إذا وقع؟
الدراسات الحديثة تحذر من أن نقص قواعد البيانات البيئية وخطوط الأساس التي تصف حالة النظم البحرية قبل الكارثة يجعل تقييم الأضرار بعد وقوعها أكثر صعوبة.
ومن دون معرفة حالة الشعاب والأسماك والمانجروف والرواسب قبل الحادث، يصبح من الصعب تحديد حجم الضرر الذي أحدثه التلوث، وفصل آثار الحرب عن التغيرات البيئية الأخرى.
وهنا تظهر ضرورة بناء نظام إقليمي دائم للرصد والاستجابة.
ثلاث أولويات قبل أن تقع الكارثة
الأولوية الأولى هي بناء شبكة مراقبة بحرية إقليمية مشتركة قادرة على رصد التغيرات في جودة المياه والرواسب والموائل والكائنات البحرية، مع توحيد البيانات وتخزينها بحيث تصبح مرجعًا يمكن العودة إليه عند وقوع أي حادث.
الأولوية الثانية هي إعادة تصميم خطط الطوارئ النفطية والكيميائية بحيث لا تركز فقط على إزالة النفط، وإنما تحدد مسبقًا أكثر المناطق حساسية، ومواقع محطات التحلية ومآخذ المياه والمنشآت الصناعية، والموائل التي قد يؤدي وصول التلوث إليها إلى أضرار طويلة الأمد.
أما الأولوية الثالثة فهي إدخال المخاطر البيئية في خطط حماية الموانئ وناقلات النفط والمنشآت البحرية ومحطات التحلية ومناطق الصناعة الساحلية.
فالمنشأة التي تحتاج إلى حماية أمنية في زمن الحرب ليست فقط منشأة اقتصادية؛ قد يكون تدميرها أو تلوث المياه المحيطة بها بداية لأزمة بيئية ومائية أوسع.
الخليج يحتاج إلى خطة بيئية للحرب والسلام
التعامل مع المخاطر البيئية لا يجب أن يبدأ بعد انتهاء الحرب.
الأفضل أن تكون هناك خطط جاهزة قبل اندلاع أي أزمة، وأن تتضمن سيناريوهات للتسرب النفطي والمواد الكيميائية والتلوث متعدد المصادر، مع تحديد المسؤوليات ومسارات الإبلاغ ومواقع الأولوية وآليات التعاون عبر الحدود.
وخلال الحرب، قد يصبح الوصول إلى بعض المناطق مستحيلًا، ولذلك تزداد أهمية الأقمار الصناعية وأجهزة الرصد الآلي والمواقع المرجعية الثابتة والمعلومات التي يمكن جمعها من المناطق الآمنة.
وبعد انتهاء القتال، يجب أن تنتقل الخطة سريعًا إلى مرحلة تقييم الأضرار واستعادة الخدمات ومعالجة الرواسب والموائل الأكثر تضررًا.
من «أمن النفط» إلى «أمن البحر»
لطالما جرى النظر إلى الخليج العربي من زاوية موقعه في خريطة الطاقة العالمية، باعتباره منطقة حيوية لإنتاج النفط والغاز ومرور التجارة.
لكن هذا التصور ناقص.
الخليج هو في الوقت نفسه نظام بيئي شديد الحساسية، ومصدر للمياه المحلاة، ومجال للصيد، وواجهة لموانئ ومنشآت صناعية وطاقة، وحوض بحري مشترك بين دول متعددة.
ولهذا فإن أي حرب في هذه المنطقة لا تحمل فقط خطر ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب الملاحة.
إنها تحمل احتمال نشوء أزمة بيئية يمكن أن تتجاوز الحدود والزمن.
قد ينتهي القصف.
وقد تتوقف الناقلة عن الاشتعال.
وقد تختفي البقعة السوداء من سطح الماء.
لكن النفط الذي استقر في الرواسب، والملوثات التي دخلت أجسام الكائنات، والضرر الذي أصاب الشعاب والمناطق الساحلية، والضغط الذي تعرضت له محطات التحلية، كلها قد تستمر في العمل بصمت.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر في الخليج العربي: البحر الذي يحمل ثروة الطاقة هو نفسه الذي قد يدفع ثمن الحرب، والبحر الذي تعتمد عليه المنطقة في تأمين جزء أساسي من مياهها قد يتحول إلى أحد أهم مصادر الخطر إذا لم تكن الاستجابة البيئية جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي.
والدرس الذي تركته حرب الخليج عام 1991 واضح: التلوث الحربي لا ينتهي بالضرورة عندما تنتهي الحرب.
