أحد أكثر الأماكن جفافاً على وجه الأرض يعج بالحياة الخفية

ديدان مجهرية تزدهر في أكثر صحارى العالم جفافًا.. أسرار التربة الحية

تُعد Atacama Desert في تشيلي واحدة من أكثر المناطق جفافًا على كوكب الأرض، حيث تمر سنوات دون هطول يُذكر في بعض أجزائها.

التربة هناك فقيرة بالماء، عالية الملوحة، وقد تحتوي على عناصر سامة مثل الزرنيخ، ورغم هذه الظروف القاسية، تكشف دراسة حديثة منشورة في دورية Nature Communications عن شبكة حياة خفية تزدهر تحت السطح.

قاد فريق دولي من University of Cologne البحث، مركّزًا على الكائنات متعددة الخلايا في التربة، وليس فقط الميكروبات، لفهم كيفية استمرار الحياة في بيئة تُعد نموذجًا للظروف القصوى على الأرض – بل وحتى على كواكب أخرى.

ديدان مجهرية تزدهر في صحارى العالم

تنوع غير متوقع تحت الرمال

جمع الباحثون مئات العينات من ست مناطق تمثل تنوعًا جغرافيًا داخل الصحراء، شملت مرتفعات جبلية، وسواحل ضبابية، وبحيرات ملحية (سالار)، وكثبانًا رملية واسعة.

وأسفر التحليل عن رصد 36 جنسًا مختلفًا من الديدان الخيطية (النيماتودا)، وهي كائنات مجهرية تلعب دورًا أساسيًا في الشبكة الغذائية للتربة.

ورغم صغر حجمها، تؤدي هذه الديدان وظائف بيئية حيوية:

هذا التنوع يشير إلى أن التربة الصحراوية ليست خاملة كما تبدو، بل تحتوي على نظام بيئي دقيق ومعقد.

ديدان مجهرية تزدهر في صحارى العالم

اختلافات دقيقة تصنع فروقًا كبيرة

أظهرت النتائج أن توزيع النيماتودا لم يكن متجانسًا، فالمجتمعات البيولوجية في «السالار» المالحة اختلفت عن تلك الموجودة في الكثبان الرملية، بينما دعمت واحات الضباب الساحلية مزيجًا فريدًا من الأنواع.

حتى التغيرات الطفيفة في معدلات الأمطار أو التذبذب الحراري الموسمي انعكست بوضوح على مستويات التنوع الحيوي، المناطق التي تلقت قدرًا أكبر، ولو محدودًا، من الأمطار سجلت تنوعًا أعلى.

كما أن البيئات ذات الفوارق الحرارية الموسمية الأكبر أظهرت ثراءً بيولوجيًا نسبيًا، هذا يبرز حساسية الأنظمة البيئية القاحلة للتغيرات المناخية الصغيرة، ويشير إلى أن أي تحولات مستقبلية في نمط الهطول أو درجات الحرارة قد تعيد تشكيل هذه الشبكات الدقيقة.

ديدان مجهرية تزدهر في صحارى العالم

استراتيجيات تكيف: التكاثر اللاجنسي في البيئات القاسية

بحثت الدراسة أيضًا في أنماط التكاثر، فوجدت أن الأنواع الموجودة على ارتفاعات أعلى تميل أكثر إلى التكاثر اللاجنسي.
في هذا النمط، تستطيع أنثى واحدة تأسيس مجتمع كامل دون الحاجة إلى ذكر، وهي ميزة حاسمة في البيئات التي يصعب فيها العثور على شركاء.

تدعم هذه النتيجة فرضية «التوالد العذري الجغرافي»، التي تفترض انتشار التكاثر اللاجنسي في البيئات القصوى مثل المرتفعات والموائل شديدة البرودة أو الجفاف.

في سياق أتاكاما، يبدو أن هذا النمط يمثل استراتيجية بقاء فعالة في مواجهة ندرة الموارد وعدم الاستقرار البيئي.

ديدان مجهرية تزدهر في صحارى العالم

أبعاد مناخية عالمية

تغطي الأراضي الجافة نحو 40% من مساحة اليابسة على الكوكب، ومع توقعات بزيادة معدلات الجفاف عالميًا بفعل تغير المناخ، تكتسب نتائج هذه الدراسة أهمية استراتيجية.

فهم كيفية استجابة الكائنات الحية الدقيقة للضغط البيئي قد يساعد في التنبؤ بمستقبل خصوبة التربة، ودورات الكربون، واستدامة النظم البيئية في المناطق القاحلة.

كما توفر أتاكاما نموذجًا أرضيًا لدراسة احتمالات الحياة في بيئات شبيهة بسطح المريخ، حيث تتشابه درجات الجفاف والملوحة والظروف القاسية.

خلاصة

رغم مظهرها المقفر، تخفي صحراء أتاكاما نظامًا بيئيًا نابضًا بالحياة تحت سطحها، تكشف الديدان المجهرية التي تعيش هناك عن قدرة مذهلة على التكيف مع أقسى الظروف، مؤكدة أن الحياة لا تحتاج إلى بيئات مثالية كي تزدهر، بل إلى استراتيجيات مناسبة للبقاء.

Exit mobile version