الحقيقة الصعبة عن الاقتصاد الدائري.. لماذا نفشل في إحراز تقدم حقيقي؟
التحول للاستدامة يتجاوز الزجاجة القابلة لإعادة التعبئة.. أوهام إعادة التدوير اللامتناهية
“كلام أقل.. فعل أكثر”.. خطوات عملية لتطبيق الاقتصاد الدائري
نستخرج أكثر من 100 مليار طن من المواد الخام من الأرض كل عام، ثم نُلقي بمعظمها.
يقدم “الاقتصاد الدائري” نهجًا مختلفًا: بدلاً من نموذج “الاستخراج–التصنيع–الهدر” الخطي، يمكننا إعادة الاستخدام والإصلاح وإعادة التدوير.
لكن رغم الحماس المتزايد لأسلوب الحياة الدائري، فإننا نسير في الاتجاه المعاكس، إذ نستخدم موارد بكرًا أكثر من أي وقت مضى.
خلال العقد الماضي، اكتسبت فكرة الاقتصاد الدائري زخمًا كبيرًا، وألهمت البعض السعي إلى حياة “صفر نفايات”.
أصبحت الفكرة ركيزة أساسية في الانتقال الأوسع نحو الحياد الكربوني، في وقت يستمر فيه إنتاج البلاستيك القائم على النفط في توليد النفايات والانبعاثات الكربونية.
الفجوة الدائرية
لكن الواقع أقل تفاؤلًا بكثير، وفقًا لأحدث تقرير لـ”الفجوة الدائرية” (Circularity Gap)، يتراجع استخدام المواد “الثانوية” مثل البلاستيك المعاد تدويره أو الخشب المُعاد استخدامه، بينما يتزايد الاعتماد على الموارد البكر.
وحسب الباحث جوناثان بينكس، أستاذ الأعمال المستدامة، بمركز الأعمال المستدامة، كلية كينجز لندن، يثير ذلك التساؤل: لماذا – مع كل هذا الحماس للاقتصاد الدائري – ما زلنا نكافح لتحقيق تقدم ملموس نحوه؟
سرديتان متناقضتان
أبحاث جديدة تقام بها بينكس أستاذ الأعمال المستدامة، بمركز الأعمال المستدامة، كلية كينجز لندن ، ُظهر أن التقدم يعيقه خطابان متطرفان:
– الخطاب اليوتوبي: يرى أن الابتكار كفيل بالقضاء على النفايات وتجديد النظم البيئية مع استمرار النمو الاقتصادي.
– الخطاب المتشائم: يركز على العقبات، من ارتفاع التكاليف وممانعة المستهلكين إلى غياب الدعم الحكومي، ويخلص إلى أن التغيير الجذري غير واقعي.
بين هذين النقيضين، يقع المستهلكون وصانعو السياسات في حالة جمود تمنعهم من التحرك.
“كلام كثير.. دعم قليل”
يرى الباحث، أنه من الأسهل الحديث عن الدائرية من تطبيقها، المستهلكون قد يرفعون شعار إعادة التدوير لكنهم يتوقفون عند حدود تغييرات طفيفة في حياتهم اليومية. بساطة الفكرة تخفي وراءها تعقيدًا هائلًا في التطبيق.
مثال من البلاستيك

في المملكة المتحدة، طُرح عام 2021 مشروع “سلة واحدة لكل البلاستيك” لتبسيط الجمع المنزلي للنفايات.
بدا المشروع جذابًا من حيث المفهوم، لكنه اصطدم بواقع معقد: تغيير البنية التحتية لجمع النفايات بالكامل، وإنشاء نظام تتبع رقمي للبلاستيك، وحاجة الشركات لاستثمارات ضخمة دون وجود توجيه حكومي ملزم. النتيجة: المشروع ظل حبيس التجربة ولم يتحول إلى سياسة وطنية.
مثال من الأزياء

بدأت بعض العلامات التجارية في جمع الملابس المستعملة لإعادة تدويرها، لكن البنية التحتية اللازمة غير متوفرة.
كثير من الملابس المعادة لا يمكن إعادة تدويرها لصعوبة تحديد مكوناتها، وهو ما يبرز الحاجة لتوحيد الملصقات وتعزيز الشفافية في القطاع.
تأثير عادات التسوق
تغيّر سلوك المستهلكين يؤثر أيضًا في الجهود المبذولة، فرض رسوم على الأكياس البلاستيكية في إنجلترا عام 2015 أدى لانخفاض استخدامها، لكن مع صعود التسوق عبر الإنترنت وتطبيقات توصيل الطعام، انعكست هذه المكاسب.
بحث المستهلكين عن الراحة أضعف دعمهم لمبادرات تقليل النفايات.
حدود الفيزياء والاقتصاد

يستند مفهوم الدائرية إلى إمكانية إعادة استخدام المواد بلا نهاية، لكن قوانين الفيزياء تقول غير ذلك.
حتى مع ما يسمى “إعادة التدوير التصاعدي ” (Upcycling)، تتدهور جودة المواد مع الزمن.
يمكن إبطاء هذا التدهور لكن لا يمكن القضاء عليه بالكامل، ما يعني أن الكمال الدائري غير ممكن وأن الهدف يجب أن يكون الإبطاء والتقليل لا الإلغاء المطلق.
خطوات عملية إلى الأمام
رغم التحديات، لا يعني ذلك الاستسلام. ثمة دروس واضحة:
– أقل كلام وأكثر فعل: اختيار المنتجات القابلة للإصلاح أو الترقية بشكل واعٍ وليس عند الراحة فقط.
– دعم مؤسسي وحكومي: توفير حوافز وتشريعات لتشجيع الشركات والمستهلكين على الاستثمار في الدائرية.
– واقعية طموحة: إدراك أن إعادة التدوير إلى ما لا نهاية غير ممكنة، لكن يمكننا التحرك بخطوات صغيرة متواصلة نحو تقليل النفايات.
وفي الختام يرى الباحثون أن الدائرية ليست عن الكمال، بل عن التقدم المستمر، إعادة الاستخدام والإصلاح وتطوير عادات تقلل الهدر يمكن أن تترك أثرًا ملموسًا على المدى الطويل، إذا تضافرت جهود الأفراد والحكومات والشركات.





