أهم الموضوعاتأخبارالتنمية المستدامة

الحروب تدمر أراضي زراعية كان يمكنها توفير الغذاء لـ255 مليون شخص

غرب أفريقيا وشرقها وجنوب شرق آسيا الأكثر تضررًا من خسائر الأراضي الزراعية بسبب الحروب

لا تقتصر الخسائر التي تخلّفها الحروب على القتلى والجرحى ونزوح السكان وتدمير البنية التحتية، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها ملايين البشر في إنتاج الغذاء وتأمين سبل العيش.

وكشفت دراسة علمية جديدة، نُشرت في مجلة Nature Food، أن المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة فقدت نحو 249,667 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الزراعية بين عامي 2000 و2020، وهي مساحة كان يمكن أن توفر طاقة غذائية تكفي لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات السنوية لنحو 255 مليون شخص.

وتشير النتائج إلى أن النزاعات المسلحة ارتبطت بخسائر زراعية أكبر بنسبة 23.7% مقارنة بمناطق مشابهة لم تتعرض للنزاعات، رغم التوسع الإجمالي في الأراضي الزراعية على مستوى العالم خلال الفترة نفسها.

وتسلط الدراسة الضوء على أحد الآثار الأقل ظهورًا للحروب: تراجع القدرة الإنتاجية للأراضي الزراعية، وما يترتب عليه من تهديد للأمن الغذائي، حتى بعد توقف القتال.

دراسة عالمية ترصد أثر الحروب على الأراضي الزراعية

أجرى الدراسة باحثون من معهد علوم الجغرافيا وأبحاث الموارد الطبيعية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، بقيادة قوانغدونغ لي ووي تشي وتشنبو وانغ.

ولتحليل العلاقة بين النزاعات وتغير استخدام الأراضي، جمع الباحثون خرائط سنوية للأراضي الزراعية مستمدة من الأقمار الصناعية، بدقة مكانية تبلغ 30 مترًا، خلال الفترة من 2000 إلى 2020.

كما فحصوا أكثر من 460 ألف واقعة نزاع مسلح محددة جغرافيًا في 155 دولة، مع تحليل التغيرات في الأراضي الزراعية ضمن نطاق خمسة كيلومترات من مواقع النزاعات.

واستخدم الفريق أساليب إحصائية لفصل أثر النزاعات عن الاتجاهات الأخرى التي تؤثر في الأراضي الزراعية، مثل التغيرات الاقتصادية والسكانية وتطور استخدام الأراضي.

ويتيح هذا النهج تقديم صورة أوسع عن الخسائر الزراعية المرتبطة بالحروب، بدلًا من الاكتفاء بدراسة مناطق منفردة أو الاعتماد على تقديرات الأضرار المباشرة بعد انتهاء المعارك.

مناطق النزاعات تضم حصة أكبر من الأراضي الزراعية

مناطق النزاعات تضم حصة أكبر من الأراضي الزراعية

أظهرت الدراسة أن مناطق النزاعات المسلحة، رغم أنها لا تمثل سوى نحو 3% من مساحة اليابسة عالميًا، كانت تضم أكثر من 6% من الأراضي الزراعية في العالم عام 2020.

ويعني ذلك أن الحروب لا تقع بالضرورة بعيدًا عن المناطق المنتجة للغذاء، بل قد تستهدف أو تحاصر مناطق ذات أهمية زراعية كبيرة، ما يجعل تأثيرها يتجاوز حدود الدول المتضررة إلى منظومة الغذاء الأوسع.

وبينما توسعت الأراضي الزراعية عالميًا خلال الفترة التي شملتها الدراسة، سجلت المناطق المتأثرة بالنزاعات اتجاهًا معاكسًا، إذ ارتبط الصراع بانخفاض متوسط مساحة الأراضي الزراعية بنحو 3%، وبخسارة تقارب 14.5 هكتارًا سنويًا في كل منطقة متأثرة وفق مقياس الدراسة.

كما سجلت المناطق المتضررة من النزاعات خسائر في الأراضي الزراعية أعلى بنسبة 23.7% من المناطق المقارنة التي لم تشهد نزاعات.

وكانت مناطق غرب أفريقيا وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا من بين الأكثر تضررًا.

<

div class=”mceTemp”>

حرب بيئية وإبادة في غزة
مناطق النزاعات تضم حصة أكبر من الأراضي الزراعية

نحو 250 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية المفقودة

تُظهر الحصيلة الإجمالية للدراسة حجم الأثر التراكمي للنزاعات؛ إذ قُدرت مساحة الأراضي الزراعية المفقودة في المناطق المتأثرة بنحو 249,667 كيلومترًا مربعًا خلال عقدين.

ولا تعني هذه المساحة بالضرورة أن جميع الأراضي دُمرت ماديًا بالقصف أو أصبحت غير صالحة للزراعة بصورة دائمة. فقد تشمل الخسائر أراضي جرى التخلي عنها أو تراجع استخدامها الزراعي نتيجة النزوح وانعدام الأمن وتعطل الخدمات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن توقف المعارك لا يعيد الأراضي تلقائيًا إلى دورة الإنتاج. فعودة المزارعين قد تتطلب استعادة شبكات الري والطرق الزراعية، وتوفير البذور والأسمدة والآلات والتمويل، إلى جانب ضمان سلامة الوصول إلى الحقول.

وفي المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف الموارد والمؤسسات، قد يستغرق التعافي سنوات، ما يطيل الأثر الاقتصادي والغذائي للحرب.

التدمير الممنهج للأرض والماء في غزة
نحو 250 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية المفقودة

كيف ترتبط خسائر الأراضي الزراعية بالجوع؟

قدّر الباحثون أن الغذاء الذي كان من الممكن إنتاجه على الأراضي المفقودة كان يستطيع توفير الطاقة الغذائية اللازمة لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات السنوية لنحو 255 مليون شخص.

لكن هذا الرقم لا يمثل عدد الأشخاص الذين أصبحوا جوعى مباشرة بسبب فقدان الأراضي، ولا يعني أن هؤلاء الأشخاص حُرموا فعليًا من الغذاء.

فالأمن الغذائي يتأثر بعوامل متعددة، منها إنتاج المحاصيل، والتجارة، والأسعار، وتوزيع الغذاء، وقدرة الأسر على الحصول عليه. ولذلك، فإن تقدير الدراسة يعبر عن إمكانات إنتاج غذائي ضائعة، وليس إحصاءً مباشرًا لحالات الجوع.

ومع ذلك، فإن فقدان هذه الإمكانات يمثل خطرًا مهمًا، خصوصًا عندما تتزامن خسائر الأراضي الزراعية مع النزوح وانهيار مصادر الدخل وتعطل الأسواق وارتفاع تكاليف الغذاء.

كما أن تراجع الإنتاج المحلي قد يزيد اعتماد المناطق المتضررة على الواردات والمساعدات الإنسانية، في وقت تكون فيه قدرات الحكومات والجهات الإغاثية على الاستجابة محدودة.

كيف ترتبط خسائر الأراضي الزراعية بالجوع؟

كلما طال النزاع زادت خسائر الأراضي الزراعية

لم تكن آثار النزاعات متساوية في جميع المناطق؛ إذ ارتبطت شدة القتال ومدته بتفاوت حجم الخسائر الزراعية.

وسجلت المناطق التي شهدت نزاعات متكررة تراجعًا في الأراضي الزراعية وصل إلى نحو الثلث، وفق ما أورده التقرير عن نتائج الدراسة.

وتشير هذه النتائج إلى أن تكرار العنف واستمراره يمكن أن يعمقا الأضرار التي تلحق بالنظم الزراعية، من خلال تعطيل مواسم الزراعة والحصاد، وإجبار السكان على مغادرة أراضيهم، وتقليص فرص الاستثمار في الإنتاج.

لكن الدراسة رصدت أيضًا مؤشرًا أكثر تفاؤلًا: المناطق التي انتقلت من النزاع إلى مرحلة ما بعد الصراع لم تُظهر دليلًا واضحًا على استمرار تراجع الأراضي الزراعية بعد توقف القتال.

ولا يعني ذلك أن التعافي يحدث تلقائيًا أو أن الأراضي تستعيد إنتاجيتها فورًا، بل يشير إلى أن مسار الخسائر قد يتغير عندما ينتهي العنف، وتتوفر الظروف اللازمة لاستعادة النشاط الزراعي.

المؤسسات القوية تساعد على حماية الزراعة

كشفت الدراسة عن اختلافات في حجم الخسائر بين الدول، ترتبط بظروفها الاجتماعية والمؤسسية.

فقد ارتبط ارتفاع النزوح الناجم عن النزاعات بخسائر أكبر في الأراضي الزراعية، وهو ما يتفق مع احتمال ترك المزارعين حقولهم عند اضطرارهم إلى الفرار. كما ظهرت خسائر أكبر في البلدان التي تعاني مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.

في المقابل، سجلت البلدان التي تتمتع بفاعلية حكومية أعلى وأنظمة تنظيمية أقوى وسيادة أكبر للقانون خسائر زراعية أقل نسبيًا.

ويرى الباحثون أن قوة المؤسسات قد تساعد على حماية النظم الزراعية خلال الأزمات، من خلال دعم الخدمات الأساسية والحفاظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية وتسهيل الاستجابة للاحتياجات المحلية.

وتشير هذه النتيجة إلى أن حماية الأراضي الزراعية في مناطق النزاعات لا تعتمد على المساعدات الغذائية الطارئة وحدها، بل تتطلب أيضًا مؤسسات قادرة على دعم المزارعين والحفاظ على البنية التحتية الزراعية وتنسيق جهود التعافي.

إعادة تأهيل الأراضي يجب أن تكون جزءًا من الاستجابة الإنسانية

تدعو النتائج إلى دمج مراقبة النزاعات وتغير الأراضي الزراعية ضمن منظومة واحدة، بحيث لا تقتصر الاستجابة على رصد حركة السكان أو حجم الاحتياجات الغذائية، بل تشمل أيضًا متابعة الأراضي التي خرجت من الإنتاج والأسباب التي تمنع استعادتها.

ويشمل ذلك دعم المزارعين النازحين، وإعادة تأهيل شبكات الري والطرق الزراعية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، ومساعدة المجتمعات على استعادة قدرتها على زراعة الغذاء وتسويقه.

كما تبرز أهمية التخطيط للتعافي الزراعي منذ المراحل الأولى للاستجابة الإنسانية، بدلًا من الانتظار حتى انتهاء النزاع، خاصة عندما تكون الزراعة مصدر الدخل الأساسي للسكان.

فاستعادة الأراضي الزراعية لا تعزز إنتاج الغذاء فحسب، بل تساعد أيضًا على إعادة بناء سبل العيش وتقليل الاعتماد طويل الأجل على المساعدات.

الحروب تهدد قدرة العالم على إنتاج الغذاء

الحروب تهدد قدرة العالم على إنتاج الغذاء

تكشف الدراسة أن الأثر الزراعي للنزاعات المسلحة يتجاوز الخسائر المباشرة في المحاصيل والمعدات، ليصل إلى تراجع طويل الأمد في الأراضي المستخدمة لإنتاج الغذاء.

ومع وجود حصة غير متناسبة من الأراضي الزراعية العالمية داخل مناطق النزاعات، فإن استمرار هذه الخسائر قد يزيد الضغوط على الأمن الغذائي، خصوصًا في البلدان التي تواجه بالفعل الفقر والنزوح وضعف المؤسسات.

وتؤكد النتائج أن إنهاء القتال يمثل نقطة البداية لاستعادة الإنتاج، لكنه لا يغني عن الاستثمار في إعادة تأهيل الأراضي والبنية التحتية الزراعية ودعم المزارعين.

فالأرض التي تخرج من الإنتاج بسبب الحرب لا تفقد قيمتها الاقتصادية فقط، بل تفقد معها المجتمعات جزءًا من قدرتها على إطعام سكانها، بينما يخسر العالم إنتاجًا غذائيًا كان يمكن أن يسهم في تلبية احتياجات ملايين البشر.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة