لم تعد الحرب على إيران مجرد صراع جيوسياسي بعيد، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي يضرب أساسيات الحياة اليومية في العالم: الوقود، الغذاء، والدواء.
فمع إغلاق مضيق هرمز — الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة الطاقة العالمية — بدأت التداعيات تتسلل بسرعة إلى كل زاوية من الاقتصاد العالمي، قبل أن تعلن إيران لاحقًا إعادة فتحه، في خطوة لم تمحُ آثار الصدمة.
في أوروبا، تبدو الأزمة أكثر وضوحًا، فمن باريس، أطلق فاتح بيرول تحذيرًا صادمًا: مخزونات وقود الطائرات قد لا تكفي سوى لستة أسابيع. تحذير يضع قطاع الطيران على حافة اضطراب غير مسبوق، مع احتمالات إلغاء رحلات واسعة وتعطل موسم السفر الصيفي.
الصدمة انعكست سريعًا على الشركات؛ فقد أعلنت إيزي جيت خسائر بمئات الملايين، بينما ألغت الخطوط الجوية الاسكندنافية (ساس) أكثر من ألف رحلة، ولوّحت ريان إير بخفض عملياتها، في إشارة إلى أن الأزمة لم تبلغ ذروتها بعد.
يواجه المزارعون معادلة مستحيلة
لكن الضربة الأقسى قد تكون في الحقول الزراعية. في بريطانيا، يواجه المزارعون معادلة مستحيلة: تكاليف إنتاج تتصاعد بوتيرة حادة، مقابل عائدات تتراجع. قرارات تقليص الزراعة لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى اتجاه عام، وسط تحذيرات من تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات في وقت تعاني فيه سلاسل الإمداد العالمية أصلًا من الهشاشة.
الأرقام تعكس عمق الأزمة: تضخم مدخلات زراعية يتجاوز 7%، وارتفاع كبير في أسعار الوقود والأسمدة، يقابله انخفاض في أسعار المحاصيل. النتيجة؟ قطاع زراعي يقف على حافة الانكماش، ونظام غذائي مهدد بالاضطراب.
وفي آسيا، تتخذ الأزمة بُعدًا أكثر خطورة، إذ تمتد إلى قطاع الرعاية الصحية. في اليابان، يلوح خطر نقص الإمدادات الطبية في الأفق، نتيجة اضطراب إمدادات النفط ومشتقاته الأساسية لصناعة المستلزمات الطبية.
المؤشرات بدأت بالفعل: قيود على شراء القفازات والمحاقن، واستنزاف تدريجي للمخزونات الاستراتيجية. ومع استمرار الضغوط، قد تجد المستشفيات نفسها أمام خيارات قاسية، تصل إلى تقليص الخدمات أو حتى الإغلاق.
هشاشة النظام العالمي
ما يجمع هذه الأزمات الثلاث — الطاقة والغذاء والدواء — هو هشاشة النظام العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية. فالعالم الذي بنى ازدهاره على سلاسل إمداد معقدة ومترابطة، يكتشف اليوم أن أي اختناق في نقطة حيوية مثل هرمز، يمكن أن يشل الحياة في قارات بأكملها.
ورغم إعادة فتح المضيق، يبقى السؤال الأكبر: هل كانت هذه مجرد أزمة عابرة، أم إن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث تصبح أساسيات الحياة رهينة للصراعات الكبرى؟
