قد يؤدي اكتشاف حياة على كوكب الزهرة إلى إعادة تشكيل فهمنا لأصل الحياة في النظام الشمسي، ويفتح احتمال أنها لم تنشأ على الأرض فقط، بل ربما انتقلت بين الكواكب عبر الزمن، وهو ما يتسق مع الطرح المتزايد بشأن وجود ميكروبات في طبقات الغلاف الجوي للزهرة.
ويثير باحثون من جامعة جونز هوبكنز ومختبرات سانديا الوطنية سؤالًا جوهريًا: ماذا لو كانت الحياة التي نبحث عنها هناك قد انطلقت من كوكبنا قبل مليارات السنين؟
تعتمد الدراسة على مفهوم البانسبيرميا، الذي يفترض إمكانية انتقال الحياة بين الأجرام السماوية عبر حطام الكويكبات والمذنبات. فعندما يصطدم كويكب ضخم بالأرض، يمكن أن يقذف صخورًا محملة بمواد عضوية إلى الفضاء.
ورغم قسوة الظروف، من حرارة الاحتكاك إلى الإشعاعات الكونية، تشير النماذج الحاسوبية إلى أن بعض الميكروبات الأرضية تمتلك قدرة على النجاة خلال رحلاتها بين الكواكب.
ولإضفاء طابع كمي على الفرضية، صاغ الباحثون ما يُعرف بـ”معادلة حياة الزهرة”، التي تقوم على ثلاثة اختبارات رئيسية: الوصول، والصمود، والاستمرارية. وتمثل النتيجة النهائية حاصل ضرب هذه العوامل، لتحديد مدى احتمال بقاء الحياة ذات الأصل الأرضي في سحب الزهرة.
كما استخدم العلماء نموذجًا فيزيائيًا يُعرف بـ”نموذج الفطيرة” لمحاكاة دخول النيازك إلى الغلاف الجوي الكثيف للزهرة، حيث تتمدد الصخور وتتفكك، ما يؤدي إلى نشر الميكروبات على نطاق واسع في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.
وتشير النتائج إلى أن هذا الانتشار قد يسمح للخلايا بالبقاء في مناطق أكثر اعتدالًا من حيث الحرارة والضغط، بعيدًا عن سطح الكوكب القاسي.
وتدعم الأرقام هذه الفرضية؛ إذ تُقدّر الدراسة انتقال نحو 100 خلية سنويًا من الأرض إلى الزهرة، ما يعني وصول مليارات الخلايا عبر مئات الملايين من السنين.
وتزايد الاهتمام بهذه الفرضية بعد اكتشاف غاز “الفوسفين” في سحب الزهرة عام 2020، وهو مركب يُعد على الأرض مؤشرًا حيويًا يرتبط بالكائنات الدقيقة، رغم استمرار الجدل العلمي حول مصدره.
وتبرز أهمية هذه الأبحاث في ظل خطط وكالات الفضاء، مثل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، لإطلاق بعثات مستقبلية، من بينها DAVINCI+ وEnVision، لدراسة الغلاف الجوي للكوكب والبحث عن دلائل حيوية محتملة.
وفي حال تأكد وجود حياة هناك، سيواجه العلماء سؤالًا محوريًا: هل هي كائنات نشأت بشكل مستقل، أم أنها امتداد للحياة الأرضية؟
علميًا وفلسفيًا، تفتح هذه الفرضية آفاقًا جديدة لفهم الترابط بين كواكب النظام الشمسي، إذ قد لا يكون البحث عن الحياة في الفضاء بحثًا عن “الآخر”، بل بحثًا عن امتداداتنا نحن في أماكن بعيدة.
