الحرب الإيرانية تفرض إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية

الشرق الأوسط على مفترق طرق.. تنويع مسارات التجارة بعد صدمة هرمز

أعادت الحرب الإيرانية تسليط الضوء على نقطة ضعف مزمنة في بنية التجارة الدولية، لطالما جرى التغاضي عنها خلال عقود من الاستقرار النسبي.

مع أول اختبار حقيقي، تبين أن سلاسل الإمداد العالمية أقل صلابة مما افترض العالم، وظهرت هشاشتها أمام صدمات جيوسياسية مركزة في نقاط ضيقة وحساسة.

يتضح أن النموذج العالمي للتجارة، القائم على الكفاءة القصوى وتقليل التكاليف، كان يخفي مخاطر تراكمت مع الوقت. وأسفر الصراع الأخير عن كشف حدود هذا النموذج ودفعه نحو مفترق طرق استراتيجي.

مستقبل التجارة العالمية

تشير تحليلات صحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن مستقبل التجارة العالمية لن يعتمد على مضيق هرمز فحسب، وأن بنية تحتية جديدة تُبنى بسرعة لتجنب نقاط الاختناق وضمان الأمن العالمي للطاقة والغذاء.

نحو 30% من النفط المنقول بحراً عالميًا، وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، تمر عادة عبر هذا الممر المائي الضيق الذي يبلغ عرضه 21 ميلاً بحرياً.

كما تعتمد ثلث الأسمدة المتداولة بحراً ونصف صادرات الكبريت على هذا الممر، مما يؤثر مباشرة على الأمن الغذائي العالمي، بالإضافة إلى الألومنيوم والهيليوم الضروريين لصناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

ويضيف بدر جعفر، المبعوث الخاص لوزير الخارجية الإماراتية: تحويل مسار التجارة بعيدًا عن نقطة اختناق واحدة يقلل المخاطر على اقتصادات المنطقة وسلاسل التوريد العالمية، ويضمن وصولًا أكثر موثوقية للموارد الحيوية، كما يمثل فرصة للمستثمرين لبناء الممرات التجارية المستقبلية.

ناقلات نفط تعبر مضيق هرمز وسط إجراءات أمنية مشددة وتصاعد التوترات في المنطقة

ويؤكد المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، أن التجارة العالمية ستصبح أكثر تكرارًا وإقليمية مع ارتفاع التكاليف، وأن مضيق هرمز يعالج نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، فيما لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة تعويض سوى جزء محدود، ما يخلق فجوة هيكلية في قدرات الإمداد.

ويتجه السوق نحو ثلاثة تحولات رئيسية:

  1. تسريع إنشاء خطوط أنابيب وشبكات سكك حديدية وممرات برية لتنويع النقل، خاصة باتجاه البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
  2. استمرار ارتفاع تكاليف الشحن وأقساط التأمين، ما يزيد أسعار السلع عالميًا.
  3. زيادة مستويات التخزين وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد لتصبح أكثر إقليمية.

يؤكد خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، أن أزمة هرمز لم تعد مجرد اضطراب عابر، بل لحظة كشف لهشاشة بنية التجارة العالمية، حيث يمر عبر المضيق نحو 20% من النفط و20% من الغاز الطبيعي المسال، ما يؤثر على الاقتصاد الدولي بأكمله.

سفن ناقلة نفط وغاز تعبر مضيق هرمز وسط توترات عسكرية تعطل حركة الملاحة

وتشير البيانات إلى أن الأسواق تواجه ارتفاعًا حادًا في تكاليف النقل والتخزين، مع ضيق الطاقة الاستيعابية مقارنة بأوقات الأزمات السابقة، ما يهدد بارتفاع إضافي في تكاليف شحن السلع عالميًا إذا استمر التوتر.

وتستعد شركات الشحن والطيران لتحديات إضافية، إذ تقدر بعض شركات الشحن الألمانية خسائرها الأسبوعية بـ50 مليون دولار، بينما تتوقع “دلتا إيرلاينز” فاتورة إضافية تصل إلى ملياري دولار نتيجة ارتفاع تكلفة الوقود.

وتعيد الأزمة كتابة قواعد التجارة العالمية، إذ دفع مضيق هرمز الشركات إلى نموذج يعتمد على المرونة وتعدد المسارات، بعد

اضطرابات الشحن في الخليج تربك أسواق الأسمدة وتهدد الإنتاج الزراعي

عقود من الاعتماد على الكفاءة فقط، مع تنويع مسارات الإمداد، توطين سلاسل التوريد، وبناء مخزونات استراتيجية لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.

شركات التأمين لاعباً مركزياً

ومع امتلاك الصين جزءاً ضخماً من الأسطول العالمي، قد تمنحها إيران أولوية العبور، بينما تؤجل السفن الأوروبية — وهي خطوة ستزيد من الكلفة وعدم اليقين في سوق الشحن.

في الوقت نفسه، أصبحت شركات التأمين لاعباً مركزياً في تحديد من يمر ومن لا يمر. فمجرد تصنيف منطقة بأنها “غير آمنة” يعني منع السفن من الإبحار خلالها، وإضافة رسوم تأمين ضخمة على البضائع.

وتشير التوقعات إلى أن هذه التكاليف لن تنخفض قريباً، خاصة مع استمرار إيران في التأكيد على أن المرور مسموح فقط بالتنسيق مع القوات العسكرية الإيرانية، وهي صياغة لا تطمئن شركات الملاحة العالمية.

في وسط هذه التطورات يعيد العالم حساباته، من أزمة الوقود إلى تضخم تكاليف التأمين، ومن الشحن البحري إلى تراجع دور الضامن الأميركي، تعاد اليوم كتابة قواعد التجارة العالمية على وقع الحرب.

فقد أثبت مضيق هرمز أنه نقطة ضغط قادرة على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ودفع الشركات نحو نموذج يعتمد على المرونة وتعدد المسارات، بعد عقود من البحث عن الكفاءة فقط.

أميركا وإيران واتفاقية حرية الملاحة الدولية

على مستوى الصورة الكبرى، أوضح مارتن أن الولايات المتحدة كانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الضامن الأول لحرية الملاحة في مضيق هرمز وقناة السويس ومضيق ملقا وقناة بنما.

لكن مع حديث واشنطن عن أنها “لا تستطيع أن تكون شرطي العالم”، بدأت مخاوف واسعة تظهر في آسيا وأوروبا بشأن مستقبل هذا الدور، خاصة أن الاقتصاد العالمي يعتمد بالكامل على هذه الممرات البحرية.

ورغم أن الولايات المتحدة لم تصادق رسمياً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار – تماماً مثل إيران – فإنها كانت تطبقها فعلياً لعقود.

العبور من مضيق هرمز

تزداد الإشارات إلى رغبة إيران في لعب دور مباشر في تنظيم المرور عبر هرمز، سواء عبر فرض رسوم أو عبر إجراءات انتقائية تحدد “من يمر ومن لا يمر”.

وتشير تقارير إلى أن مفاوضات جرت مؤخراً بشأن مدفوعات بالعملات المشفرة لجهات عسكرية إيرانية مقابل السماح بالعبور.

ويبدو أن طهران تسعى إلى إضفاء طابع رسمي على هذه الآلية، في خطوة تمنحها مكاسب اقتصادية، وأخرى سياسية أهم تتمثل في إبقاء المضيق ورقة “تهديد بالإغلاق” حاضرة دائماً.

Exit mobile version