لم تعد الثروات الطبيعية، مثل الذهب والألماس، وحدها المحرك الرئيس لاقتصادات بعض الدول الأفريقية، إذ باتت الفواكه الطازجة، وفي مقدمتها التوت الأزرق والبرتقال، تفرض نفسها كمصدر جديد للنمو الاقتصادي وزيادة عائدات التصدير، مدفوعة بالطلب المتزايد من الأسواق العالمية، خاصة أوروبا وآسيا والصين.
ويتوقع مزارعو زيمبابوي تصدير نحو 12 ألف طن من التوت الأزرق خلال عام 2026، بزيادة تقارب 40 ضعفًا مقارنة بصادرات عام 2017، في تحول يعكس النمو السريع لهذا القطاع الزراعي عالي القيمة.
التوت الأزرق.. ثروة زيمبابوي الجديدة
أصبح التوت الأزرق أحد أبرز المحاصيل التصديرية في زيمبابوي، بعدما تحول من محصول محدود الإنتاج إلى سلعة مطلوبة عالميًا، وسط توسع كبير في الاستثمارات الزراعية واستخدام تقنيات حديثة في الزراعة والإنتاج.
وتعتمد مزارع التوت الأزرق على أنظمة ري متطورة وتقنيات إنتاج عالية الكفاءة، ما يجعلها أقرب إلى مصانع زراعية كثيفة العمالة ومرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يعزز القيمة المضافة للقطاع الزراعي في البلاد.
ويرى خبراء اقتصاديون، أن هذا النمو يعكس تحولًا مهمًا في مفهوم التنمية الاقتصادية بأفريقيا، التي ارتبطت لعقود بتصدير المواد الخام أو المحاصيل التقليدية مثل القطن والكاكاو والتبغ والسكر.
الزراعة المتطورة تعيد رسم الاقتصاد
ويؤكد اقتصاديون، أن التطور في تقنيات الزراعة وسرعة نقل المنتجات الطازجة إلى الأسواق العالمية أعادا الاعتبار للقطاع الزراعي باعتباره محركًا للتنمية وليس مجرد مصدر للمواد الأولية.
ويصف الخبير الاقتصادي الأفريقي كريستوفر كرامر هذا الاتجاه بمفهوم “تصنيع المنتجات الطازجة”، موضحًا أن إنتاج الفواكه عالية الجودة وتصديرها يعتمد على التكنولوجيا والإدارة وسلاسل الإمداد الحديثة، بما يجعله نشاطًا اقتصاديًا متطورًا لا يقل أهمية عن الصناعات التقليدية.
كما يشير تقرير “مؤشر رصد التجارة الزراعية في أفريقيا” إلى أن الفواكه والمكسرات أصبحت خلال العقد الأخير أكبر صادرات أفريقيا الزراعية، متجاوزة الكاكاو، بينما تراجعت مساهمة المحاصيل التقليدية مثل القطن والتبغ والسكر.
الصين تفتح أبوابها للتوت الزيمبابوي
ويعزز الطلب الصيني هذا التحول، بعدما أعفت بكين واردات التوت الأزرق القادمة من زيمبابوي من الرسوم الجمركية خلال عام 2025، في خطوة منحت المنتجين دفعة قوية للتوسع في الإنتاج.
وتعد الصين أكبر مستورد للتوت الأزرق في العالم، وهو ما يمنح زيمبابوي فرصة كبيرة لترسيخ مكانتها باعتبارها أحد أهم المنتجين في أفريقيا.
وفي الوقت نفسه، يرى كثير من المزارعين أن مستقبل القطاع الزراعي في البلاد أصبح يرتبط أكثر بزراعة التوت الأزرق مقارنة بمحاصيل تقليدية مثل التبغ، الذي لا تزال زيمبابوي أكبر منتج له في القارة.
البرتقال يتفوق على الألماس في جنوب أفريقيا
وفي جنوب أفريقيا، حقق قطاع الموالح إنجازًا جديدًا بعدما أصبحت البلاد أكبر مصدر للبرتقال في العالم خلال مايو 2026، متجاوزة إسبانيا.
وأصبح البرتقال أعلى الصادرات الزراعية قيمة في جنوب أفريقيا، حيث تجاوزت عائداته صادرات الألماس، في مؤشر واضح على تنامي أهمية الزراعة التصديرية في الاقتصاد الجنوب أفريقي.
طفرة في صادرات الفواكه الأفريقية
ولا يقتصر النمو على التوت الأزرق والبرتقال، إذ تضاعفت صادرات أفريقيا من الفواكه الاستوائية، مثل الأفوكادو والمانجو والأناناس، أكثر من ثلاث مرات خلال العقد الماضي، مسجلة أسرع معدل نمو عالمي، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).
كما عززت دول أفريقية أخرى حضورها في الأسواق العالمية، إذ تستحوذ كينيا وإثيوبيا حاليًا على نحو 6% و2% من صادرات الزهور العالمية على التوالي.
ويرى خبراء أن هذا التحول يعكس بداية مرحلة جديدة تعتمد فيها الاقتصادات الأفريقية بصورة متزايدة على الزراعة عالية القيمة والتكنولوجيا الحديثة وسلاسل التصدير العالمية، بما يقلل اعتمادها على تصدير المواد الخام التقليدية ويعزز فرص تحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة.
