التعرض للنيكوتين أثناء الحمل والرضاعة يضعف دفاعات الرئة في فئران التجارب
ليس التدخين وحده.. من الرحم إلى مرحلة البلوغ.. كيف يؤثر النيكوتين المبكر في دفاعات الجسم ضد العدوى؟
قد تمتد آثار التعرض للنيكوتين خلال المراحل الأولى من الحياة إلى ما بعد الولادة بوقت طويل، وفقًا لدراسة جديدة أُجريت على الفئران، كشفت أن التعرض للمادة أثناء الحمل والرضاعة ارتبط بانخفاض مخزون الخلايا الجذعية المكوّنة للدم، وتراجع بعض الخلايا المناعية التي تحمي الرئتين، فضلًا عن تفاقم الأعراض وتلف أنسجة الرئة عند الإصابة بالإنفلونزا في مرحلة البلوغ.
وتسلط النتائج الضوء على أهمية دراسة تأثير النيكوتين نفسه، وليس دخان السجائر وحده، في تطور الجهاز المناعي؛ فالنيكوتين موجود أيضًا في منتجات مثل السجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين والعلكة واللصقات المستخدمة للمساعدة على الإقلاع عن التدخين.
لكن الدراسة لا تثبت أن التأثيرات نفسها تحدث لدى البشر، ولا تسمح بتحديد حجم المخاطر المرتبطة بكل منتج أو طريقة تعرض. فقد أُجريت التجارب على الفئران، واستخدم الباحثون النيكوتين وحده في مياه الشرب، دون تعريض الحيوانات لدخان السجائر أو رذاذ السجائر الإلكترونية.
وأُجريت الدراسة في مختبر كاميلا فورسبرغ بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، بمشاركة باحثين من الفريق، ونُشرت نتائجها في دورية Stem Cell Reports.
كيف اختبر الباحثون تأثير النيكوتين قبل الولادة؟
أعطى الباحثون إناث الفئران الحوامل مياه شرب محلاة تحتوي على النيكوتين، واستمر التعرض حتى فُطمت الصغار في عمر يقارب ثلاثة أسابيع.
وبذلك، شمل التعرض مرحلتين مبكرتين من النمو: فترة الحمل، ثم فترة الرضاعة.
وكان الهدف عزل تأثير النيكوتين عن التأثيرات المحتملة للمواد الكيميائية الأخرى الموجودة في دخان السجائر، لمعرفة ما إذا كانت المادة نفسها قادرة على التأثير في نمو الجهاز المناعي.
وقال مارسيل روميل، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز وأحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، إن النيكوتين يوجد أيضًا في بعض منتجات بدائل التدخين التي قد تُستخدم للمساعدة على الإقلاع عن السجائر، وإن النتائج تشير إلى ضرورة فهم تأثيره المستقل في تطور الجهاز المناعي.
ولا تعني هذه النتائج أن بدائل النيكوتين المخصصة للإقلاع عن التدخين تعادل السجائر في المخاطر؛ فالدراسة لم تُجرِ مقارنة مباشرة بينها وبين التدخين، كما أن قرار استخدام علاجات الإقلاع خلال الحمل يحتاج إلى مناقشة طبية تراعي مخاطر استمرار التدخين وفوائد العلاج المتاح.

نقص في مخزون الخلايا الجذعية المكوّنة للدم
تبدأ أهمية النتائج من نخاع العظم، الذي يحتوي على خلايا جذعية مكوّنة للدم تنتج باستمرار خلايا الدم المختلفة، بما فيها خلايا الدم البيضاء التي تؤدي دورًا أساسيًا في مقاومة العدوى.
ووجد الباحثون أن صغار الفئران التي تعرضت للنيكوتين كانت لديها أعداد أقل من هذه الخلايا الجذعية مقارنة بالحيوانات التي لم تتعرض له.
ولم يقتصر الاختلاف على مرحلة الولادة؛ فقد ظل انخفاض المخزون واضحًا عندما بلغت الفئران أسبوعين من العمر، واستمر حتى عمر يتراوح بين ثمانية و12 أسبوعًا، وهي مرحلة البلوغ المبكر لدى الفئران.
واللافت أن تحاليل الدم التقليدية لم تكشف المشكلة بوضوح، إذ كانت أعداد كريات الدم الحمراء والصفائح الدموية وخلايا الدم البيضاء متقاربة بين المجموعتين.
ويشير ذلك إلى أن تعداد خلايا الدم الطبيعي لا يكشف بالضرورة حجم المخزون المتاح من الخلايا الجذعية التي تنتج هذه الخلايا على المدى الطويل.
لكن الدراسة لم تثبت أن هذا الانخفاض يؤدي حتمًا إلى نقص المناعة لدى البشر، أو أن مخزون الخلايا الجذعية لدى الأطفال الذين يتعرضون للنيكوتين خلال الحمل يتأثر بالطريقة نفسها.
تراجع خلايا مناعية تحمي الرئتين
إلى جانب التغيرات في نخاع العظم، وجد الباحثون انخفاضًا في عدد نوع من الخلايا المناعية الموجودة داخل الرئتين، يُعرف باسم الخلايا البلعمية السنخية أو Alveolar macrophages.
وتوجد هذه الخلايا في الحويصلات الهوائية الدقيقة، حيث تساعد على التخلص من الجسيمات والميكروبات، وتؤدي دورًا مهمًا في الدفاع الأولي عن الجهاز التنفسي.
وتتميز هذه الخلايا بأنها تستقر في الرئتين خلال الفترة المحيطة بالولادة، ويمكن أن تستمر طويلًا مع اعتماد محدود على تجددها من نخاع العظم، وفقًا لما أوضحه الباحثون.
وفي الفئران البالغة التي تعرضت للنيكوتين في بداية حياتها، كانت أعداد هذه الخلايا أقل من نظيراتها التي لم تتعرض للمادة.
في المقابل، لم يرصد الباحثون اختلافًا واضحًا في بعض الخلايا المناعية الأخرى داخل الرئتين، ومنها الخلايا التائية، في المجموعة التي فُحصت لهذا الغرض، والتي ضمت 11 فأرًا تعرض للنيكوتين وسبعة لم يتعرضوا له.
وتشير النتائج إلى أن التعرض المبكر للنيكوتين قد يرتبط بتغيرات انتقائية في بعض مكونات الجهاز المناعي، بدلًا من انخفاض جميع أنواع الخلايا المناعية بالدرجة نفسها.

إنفلونزا أشد وأضرار أكبر في الرئة
لاختبار ما إذا كانت التغيرات المناعية تؤثر في مقاومة العدوى، عرّض الباحثون فئرانًا بالغة لسلالة خفيفة من فيروس الإنفلونزا A، لا تكون قاتلة للفئران في ظروف التجربة.
وشملت التجارب مجموعات من الحيوانات تعرضت للنيكوتين في مراحل النمو المبكرة وأخرى لم تتعرض له، مع وجود مجموعات مصابة بالفيروس وأخرى غير مصابة.
وبدأت الفئران المصابة في المجموعات المختلفة بفقدان الوزن في اليوم الثالث بعد العدوى، لكن ابتداءً من اليوم الرابع، سجلت الفئران التي تعرضت للنيكوتين سابقًا فقدانًا أكبر للوزن مقارنة بالفئران المصابة التي لم تتعرض للمادة.
وظهر هذا النمط لدى الذكور والإناث.
وبعد أسبوع من الإصابة، فحص الباحثون أنسجة الرئة لتقييم شدة التلف. ولم يكن الضرر أكثر انتشارًا بوضوح في الرئتين لدى الفئران المعرضة للنيكوتين، لكنه كان أشد، مع زيادة الالتهاب وضرر أكبر في بطانة الممرات الهوائية.
كما استخدم الفريق صبغة تُحقن في الدم لمتابعة تسرب السوائل من الأوعية الدموية إلى أنسجة الرئة. ووجد أن التسرب كان أكبر لدى الفئران التي تعرضت للنيكوتين في مراحلها المبكرة ثم أُصيبت بالإنفلونزا.
ولم يظهر التسرب الزائد نفسه لدى الحيوانات التي تعرضت للنيكوتين لكنها لم تُصب بالعدوى، ما يشير إلى أن الاختلاف برز بوضوح عند مواجهة الجسم للفيروس.
كذلك، احتوت رئات الفئران المصابة التي تعرضت للنيكوتين سابقًا على أعداد أكبر من العدلات، وهي خلايا دم بيضاء سريعة الاستجابة، ارتبط ارتفاعها في دراسات سابقة بالحالات الأشد من الإنفلونزا.
وفي الوقت نفسه، انخفضت أعداد الخلايا البلعمية السنخية في رئات هذه الفئران بدرجة أكبر مقارنة بالحيوانات المصابة التي لم تتعرض للنيكوتين.
وتقدم هذه النتائج دليلًا داخل النموذج الحيواني على أن التعرض المبكر قد يرتبط بتغير طريقة استجابة الرئة للعدوى، وليس فقط بتغير أعداد بعض الخلايا المناعية قبل الإصابة.
هل يحتفظ الجهاز المناعي بأثر التعرض القديم؟
بحث العلماء أيضًا في نشاط الجينات داخل الخلايا الجذعية والخلايا المبكرة التي تتطور إلى خلايا الدم.
وجاءت العينات من أربعة فئران تعرضت للنيكوتين وأربعة لم تتعرض له، بعد مرور أكثر من أربعة أسابيع على انتهاء التعرض.
ورصد الفريق اختلافات في نشاط 251 جينًا، سواء بزيادة النشاط أو انخفاضه، مقارنة بالمجموعة غير المعرضة.
وكانت الجينات المرتبطة بوظائف الجهاز المناعي من بين الجينات التي لفتت انتباه الباحثين، كما ظهر انخفاض في نشاط جينات مرتبطة بالدفاعات المناعية الفطرية، وهي آليات الاستجابة السريعة التي تمثل خط الدفاع الأول أمام مسببات الأمراض.
ووصف روميل هذه الظاهرة بأنها شكل محتمل من «الذاكرة» الخلوية؛ إذ قد تحتفظ الخلايا بتغيرات ناتجة عن التعرض السابق، ولا تظهر آثارها الوظيفية بوضوح إلا عند التعرض لتحدٍ جديد، مثل العدوى.
وقارن الباحثون النمط الذي رصدوه بالتغيرات الوقائية التي ارتبطت في أبحاث سابقة بلقاح السل المعروف باسم BCG، مشيرين إلى أن النمطين بدوا متعاكسين إلى حد كبير.
لكن طبيعة هذه الذاكرة الخلوية ومكان تخزينها وكيفية تأثيرها في الاستجابة المناعية ما تزال أسئلة مفتوحة، تحتاج إلى تجارب إضافية.

ماذا تعني النتائج لصحة الأطفال؟
تُعرف بالفعل العلاقة بين تدخين الأم خلال الحمل وارتفاع احتمالات إصابة الأطفال ببعض مشكلات الجهاز التنفسي، لكن تحديد الآليات البيولوجية التي قد تفسر استمرار بعض التأثيرات لاحقًا لا يزال مجالًا للبحث.
وتضيف الدراسة الجديدة مسارًا محتملًا لهذا التفسير، من خلال الإشارة إلى أن النيكوتين وحده قد يؤثر في تطور الخلايا الجذعية المكوّنة للدم وبعض الخلايا المناعية المقيمة في الرئة.
ومع ذلك، فإن الانتقال من نتائج الفئران إلى البشر ليس مباشرًا؛ إذ تختلف الجرعات وطرق التعرض والعمليات الحيوية بين النوعين، كما أن الباحثين لم يختبروا أطفالًا أو بالغين تعرضوا للنيكوتين قبل الولادة.
ولم تحدد الدراسة كذلك ما إذا كان التعرض أثناء الحمل أكثر تأثيرًا من التعرض خلال الرضاعة، لأن التجربة شملت الفترتين معًا. كما اقتصرت متابعة الحيوانات على مرحلة البلوغ المبكر، لذلك لا يُعرف ما إذا كانت التغيرات تستمر حتى الشيخوخة.
ويقترح الباحثون إجراء تجارب تفصل بين التعرض قبل الولادة والتعرض خلال الرضاعة، مع متابعة النسل حتى أعمار متقدمة، واختبار ما إذا كانت تدخلات وقائية مثل التطعيم ضد الإنفلونزا قد تقلل بعض الأضرار المرتبطة بالتعرض المبكر للنيكوتين.
هل تثبت الدراسة أن المناعة تضعف مدى الحياة؟
رغم أن عنوان الدراسة الأصلية يشير إلى احتمال استمرار التأثيرات مدى الحياة، فإن التجارب المعروضة لا تثبت ذلك بصورة قاطعة.
فقد استمرت بعض التغيرات في الخلايا الجذعية والمناعة إلى مرحلة البلوغ المبكر لدى الفئران، لكن الدراسة لم تتابع الحيوانات طوال حياتها، ولم تختبر التأثيرات نفسها لدى البشر.
لذلك، فإن الاستنتاج الأدق هو أن التعرض للنيكوتين خلال الحمل والرضاعة قد يترك تغيرات مناعية طويلة الأمد في الفئران، ترتبط باستجابة أشد للإنفلونزا في مرحلة البلوغ، بينما لا تزال مدة استمرار هذه التأثيرات ومدى انطباقها على الإنسان بحاجة إلى مزيد من البحث.
وتؤكد النتائج أهمية تجنب التعرض غير الضروري للنيكوتين خلال الحمل، مع ضرورة ألا تُستخدم هذه الدراسة وحدها لاتخاذ قرارات علاجية بشأن بدائل النيكوتين؛ إذ ينبغي أن تتم مناقشة خيارات الإقلاع عن التدخين أثناء الحمل مع مختص صحي.





