تنتشر العديد من القوانين واللوائح التي اجتهدت الدول في إصدارها منذ أواخر القرن الماضي، والتي تنظم حماية البيئة ومكافحة التلوث، والتعريف بالعناصر البيئية من تربة ومياه وهواء، وكيفية التعامل مع هذه العناصر، وما يرتبط بذلك من تعريفات، ومفاهيم تصدرت هذه المشاهد مثل إزالة الغابات، ومبادرات التشجير والمحميات الطبيعية، وتحديد جهات حكومية وإدارية مسئولة منوط بها مهام تنفيذ هذه التشريعات واللوائح.
إن ما حدث في أعقاب إصدار هذه التشريعات من تغيرات وتحولات في الظواهر البيئية التي تجاوزت حدود التلوث والاختناق، وتقلص المساحات الخضراء، وتهديد الحياة البحرية والبرية إلى حالات الاحتباس الحراري، وتأثير الانبعاثات الكربونية على الأنشطة الحيوية على كوكب الأرض، وتضرر التنوع البيولوجي والكائنات الحية، وما يهدد المدن الشاطئية، والساحلية من حالات امتداد مساحات البحر ،بجانب التأثير على حقوق الإنسان في البيئة النظيفة، والصحة والسلامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والمشاركة في مواجهة هذه التغيرات المناخ، بل وتجاوز ذلك إلى حفظ ذلك للأجيال القادمة في استدامة هذه الحقوق.
الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية
ولعل ما أثير عند انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27 في شرم الشيخ في نوفمبر من العام الماضي، حول حشد الجهود الدولية مع مبادرات القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني في مواجهة التغيرات المناخ، وذلك من خلال الحفاظ على درجة حرارة الأرض، وعدم تجاوزها للنسبة التي تحفظ مواجهة التغير المناخي لعدم الدخول في نطاق المزيد من الكوارث الناتجة عن ارتفاع هذه الحرارة، يدل بوضوح على أن الأمر أكثر فنية، وتعقيدا واتساعا من مجرد إبراء الذمة بإصدار تشريعي لتنظيم حماية البيئة أو مواجهة التلوث.
قواعد عامة ملزمة
ومما لا شك فيه كذلك أن طبيعة تشريعات البيئة في كل دولة بما تحتويه من قواعد عامة مجردة ملزمة، تتوفر فيها كل مواصفات القاعدة القانونية المؤثرة و القابلة للتطبيق بما في ذلك العقوبات المقترنة بتلك التشريعات والتي تطبق على من يخالف نصوص هذه التشريعات من عقوبات تتسم بالطابع المدني أو الجنائي، والتي تطبقها الدولة على الأفراد، لا تتناسب مع حج المشكلة التي يواجهها العالم في مسائل التغير المناخي.
ففكرة وجود القاعدة المقترنة بالجزاء، وأن كانت تصلح للتطبيق داخل الدولة على مواطنيها، ومن خلال أجهزتها، وسلطاتها إلا أنها ليست الوسيلة الفعالة في مواجهة أزمات التغير المناخي، حيث تتشارك الدول في التسبب في هذه الأزمات، ووجوب التشارك كذلك في مواجهاتها، وإيجاد حلولها في إطار من التعاون الدولة، ناهيك عن الصعوبة التي قد تنتج من فكرة تطبيق العقوبات في نطاق ظواهر التغير المناخي في إطار صعوبة تحديد نطاق المسئولية والاتفاق عليها والتعامل مع سيادة كل دولة كعضو في المجتمع الدولي تجعلها بمنأى عن تطبيق أية عقوبات ضد هذه الدول.
وضع القوانين ليس الحل الأمثل و الأفضل
إن التعامل مع ظواهر التغير المناخي كذلك من خلال تشريعات وقوانين يتطلب بعدا فنيا و سياسيا واقتصاديا وعلميا قد يتجاوز في بعض الأحيان قدرات المشرع وإحاطته بأبعاد مشكلات التغير المناخي، مما يجعل التناول التشريعي لهذه الظواهر على قدر من الصعوبة، والتنوع بين أكثر من مجال فضلا عن محدودية، وثقل قواعد القانون من حيث إجراءات الإصدار أو التعديل، مما يجعل المواجهة التشريعية من خلال وضع القوانين ليس الحل الأمثل و الأفضل في مواجهة أزمة فنية تتسارع فيها التطورات بما لا يمكن استباقها أو حتى مجاراتها بنصوص تشريعية طويل الإجراءات و المراحل.
مواكبة التطور المناخي من خطورة وتعقيد
وبجانب ما تقدم فان الاجتهاد السابق للعديد من الدول في وضع تشريعات وقوانين خاصة بحماية البيئة، ومواجهة التلوث هو اجتهاد محمود بلا شك، ولا يمكن إنكار ما أحدثه من تغيير، ولو على أقل التقديرات في طرق البحث والتفكير والمواجهة والالتفات إلى أهيئة هذه الموضوعات، وكيفية التعامل معها، إلا أنه يتعين مع ذلك أن تلحق هذه القوانين منظومة قوانين أخرى تنتقل بالجانب التشريعي إلى ما أصبحت عليه قضايا التطور المناخي من خطورة وفنية وتعقيد، وأن وجود قوانين لحماية البيئة لا يمنع من إصدار تشريعات أخرى تختص بقضايا التنوع المناخيـ وفقا لما تبين من اختلاف بين الموضوعين والنطاقين.
صبغة عالمية
تتمتع ظواهر التغير المناخي بصبغة عالمية، لا يمكن لأحد إنكارها، وهو ما يفرض تحركا على جميع الدول، بالنظر في مجالات التعاون الدولي الممكنة، و لوعن طريق التشريعات الدولية التي تأخذ صورة المعاهدات الدولية و الاتفاقيات و التي تضمن التزام الدول بها عن طريق إجراءات التوقيع و التصديق البرلماني فتحتل هذه الاتفاقيات ذات المرتبة التي تحتلها النصوص القانونية، سواء بسواء من حيث الإلزام والقابلية للتنفيذ مع ضمان مجاراة التحرك الدولي في مواجهة ظواهر التغير المناخي، فلا تكون التشريعات الخاصة بكل دولة جزيرة منعزلة ومنفصلة عن الصبغة العالمية للتغير المناخي.
التحديث والتطوير
وعلى جانب آخر، ومع الأخذ في الاعتبار أن قوانين البيئة في الدول قد اختلفت في تاريخ الصدور أو جاءت على سبيل الاستجابة لما واجهته كل دولة من الشعور بضرورة حماية البيئة تشريعيا، مما قد يجعل بعض الدول تسبق الدول الأخرى في وضع القانون، وفي اختلاف صياغته، وإحسان، واتساع هذه الصياغة لتشمل العديد من الظواهر البيئة، والتي قد تتضمن فكرة التغير المناخي أو على الأقل، ما واجهته هذه الدول من نسب التغير المناخي، مما يستدعي على الأقل النظر في هذه التشريعات بالتحديث والمتابعة، حيث أن ما حدث في نطاق التغير المناخي يختلف بكل تأكيد عن الإطار التي صدرت من خلاله قوانين البيئة مهما بلغت هذه التشريعات من التقدم عند وضعها و محاولة الإلمام بكل الجوانب البيئية عن وضع هذه القوانين.
إن وجود قانون للبيئة في الدول تسعى في نطاق مواجهة التغير المناخي جاء بنسبة كبيرة في شكل استجابة لتحركات دولية لمواجهة أخطار التلوث التي واجهتها بيئة هذه الدول، ووجوب حماية البيئة من هذه الأخطار، وبلا شك أن التحرك الدولي، والزخم العالمي الذي تحدثه قضايا تغير المناخ، إنما هو كذلك باعث فعال وواعد لتحديث هذه التشريعات أو إصدار تشريعات أو لوائح جديدة، أكثر سرعة وحركية وشمولية للتعامل مع قضايا التغير المناخي، وإيجاد الحلول المستدامة لهذه المشكلات.
نية صريحة
فالمناداة بوجوب إعادة النظر في قوانين البيئة ليست من قبيل الرفاهية التشريعية أو استعراض القوى البرلمانية و‘نما هو من قبيل التدابير الواجبة على الدول في ظل جهود مواجهة التغير المناخي، وأن صدور التشريعات والقوانين، إنما هو تفعيل صريح ومقبول ومشروع من جانب الدول و إطار لا يمكن الاعتراض عليه أو الفكاك منه، ويعكس نية صريحة من الدولة في المضي قدما بخطوات دستورية نحو تحقيق المواجهة الضرورية لظواهر التغير المناخي.
