د.رفعت جبر: حصان طروادة في وادي حوران.. هل تحولت الصحراء العراقية إلى منصة حرب خفية؟

عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

 حين تستيقظ الصحراء على خنجر في الخاصرة منذ آلاف السنين، استخدم القائد أوديسيوس اليوناني حيلة ماكرة، حيث وقف طرواديون سذج (الأناضول- تركيا حاليًا) يجرون خلفهم هيكلًا خشبيًا ضخمًا، ظنوه قربانًا للآلهة أو علامة على رحيل الغزاة، فكان في جوفه فناء مدينتهم.

اليوم، لم يعد الخشب مادة الصنع، ولم تعد الأسوار هي العائق؛ فإسرائيل، بمباركة “الراعي” الأمريكي، أعادت هندسة الأسطورة في قلب الصحراء الغربية العراقية.

لقد سقط القناع عن استراتيجية “الضرب من بعيد”، وحلّت مكانها استراتيجية “الاستيطان العسكري الخفي”.

نحن لا نتحدث عن اختراق جوي، بل عن “نبتة شيطانية” عسكرية زُرعت في رمال العراق بعيدًا عن أعين بغداد، لتكون منصة انطلاق لاغتيال  الجغرافيا والسيادة في آن واحد.

هندسة الخديعة

القاعدة التي ولدت في الظلام

تشير المعطيات التحليلية والتقارير الاستخباراتية المسربة — والتي ربما لعبت فيها “العيون” الإقليمية دوراً في كشفها — إلى أن الهجمات الأخيرة على العمق الإيراني، وحتى بعض “الضربات المجهولة” داخل العراق، لم تأتِ من مطارات “نيفاتيم” أو “رمات ديفيد” داخل الأراضي المحتلة. لقد كانت القصة كالتالي:

وهنا يبرز مأزق القرار السيادي؛ فالعجز التقني في بغداد ليس قدرًا، بل هو “عجز مُصنّع”، حيث تظل الرادارات العراقية رهينة برمجيات أمريكية تعمل كفلاتر ذكية، تمسح من شاشات المراقبة أي أثر لهذه النبتة الشيطانية، وتحول الأجواء العراقية إلى ثقب أسود تراه واشنطن وتعمى عنه بغداد.

التحول المزلزل في العقيدة العسكرية الإسرائيلية

وداعًا لزمن “الحروب الخاطفة” و”التفوق الجوي” التقليدي. إسرائيل اليوم تتبنى عقيدة “الاحتلال غير المرئي”، والتي تعتمد على:

نقاط الارتكاز الشبحية: بناء قواعد مؤقتة (Pop-up Bases) تعمل كخلايا نائمة، تُفعل وقت الهجوم وتختفي وظيفيًا بعدها.
– تذويب الحدود: إدارة الحرب من داخل “أراضي العدو” أو أراضي “الجار الغافل”، مما يجعل الرد المباشر معقداً ويخلط الأوراق السياسية.
– التنسيق العضوي مع واشنطن: لم يعد الدور الأمريكي “داعمًا”، بل أصبح “ميسرًا لوجستيًا” يوفر الغطاء الشرعي (تحت بند مكافحة الإرهاب) لتمرير وحدات الكوماندوز الإسرائيلية.
“إنها الحرب التي تُدار في دول لا تعلم أنها أصبحت ساحة معركة، حيث يستيقظ المواطن العراقي ليجد أن أرضه استُخدمت لضرب عمقه الاستراتيجي، دون أن يملك قراره السياسي حق الاعتراض.”

سلاح الأشباح المنقضّة: إن “حصان طروادة” في وادي حوران ليس هيكلًا خشبيًا، بل هو أسراب من المسيرات الانتحارية التي لا تحتاج لمدارج تقصف أو قواعد ترصد، بل تخرج من جوف الوديان وكأنها تنبت من الأرض، لتوفر لإسرائيل قدرة “الضربة الصفرية” من مسافة لا تتجاوز دقائق طيران من أهدافها الإقليمية.

الرسائل الاستخباراتية: التحذير القادم من الشرق

لم تكن الصدفة وحدها هي من كشف اللعبة، بل التقارير التي تشير إلى أن أجهزة استخبارات إقليمية (ومنها الباكستانية) كانت أول من رصد بصمة الأسلحة المستخدمة، مؤكدة أن “التوقيع العسكري” للضربات إسرائيلي بامتياز، ومن مسافات لا يمكن للطائرات التقليدية قطعها دون التزود بالوقود أو الانطلاق من “نقطة قريبة جداً”. هذا التحذير كان بمثابة الصدمة للدول العربية التي ظنت أن الصراع يدور فوق رؤوسها، بينما هو في الحقيقة ينبثق من تحت أقدامها.

الانتحار بالصمت إن ما جرى ليس مجرد “خرق سيادي”، بل هو إعلان رسمي عن تحويل العراق والمنطقة إلى “مشاع عسكري” لإسرائيل.

إن إيهام العالم بأن الوجود الأمريكي في الأنبار والصحراء الغربية هو “لحماية الأمن والسلم” أصبح نكتة سمجة لم تعد تضحك أحدًا. الحقيقة الصادمة هي أن العراق اليوم لا يُراد له أن يكون “هدفًا” فحسب، بل يُعاد تأهيله ليكون “منصة رماية” وقاعدة انطلاق متقدمة لاغتيال العمق الإقليمي

الحقيقة الصادمة

إذا استمرت الدول العربية في دور “المتفرج” أو “المستضيف الغافل”، فإن حصان طروادة القادم لن يخرج منه جنود فقط، بل سيخرج منه رسم جديد للشرق الأوسط، تكون فيه العواصم العربية مجرد “إحداثيات” في غرف العمليات الإسرائيلية، تُضرب منها وتُضرب فيها، بينما يبتسم “الراعي” الأمريكي في وجوهنا، مؤكدًا أنه هنا فقط… من أجل سلامنا! فهل ننتبه؟ أم أننا ننتظر حتى تصبح الصحراء العربية بأكملها “قاعدة بديلة” لكيان لا يؤمن بالحدود؟

 

 

Exit mobile version