طور فريق بحثي بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين الأمريكية تقنية جديدة لتحويل مخلفات الطعام إلى وقود طائرات مستدام، في خطوة تُعد تقدمًا مهمًا نحو تقليل انبعاثات قطاع الطيران وتعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري في إدارة النفايات.
ويأتي هذا الابتكار في وقت يشكل فيه قطاع الطيران أحد المصادر الرئيسية لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري عالميًا، ما يدفع العلماء إلى البحث عن بدائل حيوية ومستدامة للوقود التقليدي.
من النفايات إلى وقود طائرات
تعتمد التقنية الجديدة على تحويل المخلفات الغذائية إلى زيت خام حيوي باستخدام عملية تُعرف باسم «التسييل الحراري المائي» (Hydrothermal Liquefaction – HTL)، وهي عملية تحاكي تكوين النفط الطبيعي ولكن في فترة زمنية أقصر بكثير.
ويجري بعد ذلك تكرير هذا الزيت باستخدام محفزات كيميائية أو عبر أساليب تكرير أبسط تعتمد بشكل أكبر على التقطير الصناعي، ما يقلل من التكلفة والتعقيد التشغيلي، لكنه ينتج وقودًا يحتاج إلى خلطه مع وقود الطائرات التقليدي قبل الاستخدام.
وقال البروفيسور يونهوى تشانج، الباحث الرئيسي في الدراسة: «نعتمد هنا على نهج أبسط وأقل اعتمادًا على المحفزات الكيميائية، مع التركيز على التقطير، وهو أسلوب صناعي شائع وأكثر اقتصادية واستدامة بيئيًا، رغم أن جودة الوقود الناتج أقل نسبيًا ويحتاج إلى خلطه بالوقود التقليدي».
استراتيجية الخلط لتجاوز تحديات الإنتاج
أوضح الباحثون أن إنتاج وقود طائرات حيوي بكميات كافية لتلبية احتياجات الصناعة العالمية يُعد تحديًا كبيرًا، ما يجعل الاعتماد على نموذج الخلط الجزئي خيارًا عمليًا.
وأشار الفريق إلى أن التجارب اعتمدت على خليط بنسبة 50% من الوقود الحيوي و50% من وقود الطائرات التقليدي، مع إمكانية استخدام نسب أقل مثل 10% أو 20% بما يتناسب مع متطلبات التشغيل والمعايير الفنية.
وضرب الباحثون مثالًا باستخدام الإيثانول في وقود السيارات، الذي لا يُستخدم بشكل منفرد بل يُخلط بالوقود الأحفوري لضمان كفاءة التشغيل.
اختبارات ومعايير السلامة
أجرى الفريق البحثي اختبارات دقيقة للتأكد من توافق الوقود الحيوي مع المعايير المعتمدة من قبل الجمعية الأمريكية للاختبار والمواد (ASTM) وإدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية، لضمان سلامته وإمكانية استخدامه في قطاع الطيران.
ولا تزال الأبحاث في مراحلها التجريبية على نطاق محدود، حيث تمكن المختبر من إنتاج كميات صغيرة تكفي لإجراء اختبارات على محركات الديزل، مع خطط مستقبلية لاختبارها في محركات الطائرات.
التحدي الأكبر: إدارة المخلفات
يشير الباحثون إلى أن العقبة الأساسية أمام توسيع إنتاج هذا النوع من الوقود لا تكمن في التقنية نفسها، بل في جمع ومعالجة المخلفات الغذائية، إذ ينتهي معظمها في مكبات النفايات أو محطات معالجة المياه.
وتتيح التقنية إمكانية استخدام النفايات العضوية الرطبة كمادة خام، ما يفتح الباب أمام استغلال موارد كانت تُهدر سابقًا بشكل غير مستغل.
معالجة المخلفات الثانوية وتقييم الأثر البيئي
ينتج عن عملية التسييل الحراري سائل ثانوي يحتوي على مركبات عضوية ومواد مغذية، يُعرف باسم «الطور المائي الناتج عن التسييل الحراري»، والذي يتطلب معالجة إضافية.
وقام الباحثون بدراسة طرق لمعالجة هذا السائل باستخدام تقنيات كهروكيميائية لاستعادة الأحماض والعناصر الغذائية منه، ما يسهم في تقليل الأثر البيئي وتعزيز الاستفادة من المنتجات الثانوية.
وأظهرت التقييمات الاقتصادية والبيئية أن هذه العمليات قد تزيد التكلفة في المدى القصير، لكنها قد تصبح أكثر جدوى مع تطور التكنولوجيا وانخفاض تكاليف التشغيل مستقبلًا.
أثر مناخي واعد
وفقًا للتقديرات، يمكن لهذا المسار التقني أن يحقق انخفاضًا كبيرًا في البصمة الكربونية لوقود الطائرات، مع إمكانية الوصول إلى انبعاثات كربونية سلبية في بعض السيناريوهات، ما يعني مساهمة صافية في خفض غازات الاحتباس الحراري.
ويخلص الباحثون إلى أن تحويل النفايات الغذائية إلى وقود طائرات يمثل حلًا واعدًا يجمع بين معالجة أزمة النفايات وتقليل الانبعاثات، ويدعم التحول نحو اقتصاد دائري أكثر استدامة في قطاع الطيران.
