الإنسان النباتي منذ ملايين السنين.. دليل جديد على النظام الغذائي المتنوع

اكتشافات أثرية تكشف استخدام النباتات كعنصر أساسي للطاقة منذ العصر الحجري

دراسة أثرية جديدة تؤكد أن البشر قديمًا كانوا معالجين للنباتات، وليسوا مجرد صيادين للحوم.
من مصر والشام في العصر الجليدي إلى شمال أستراليا، كان الإنسان القديم يطحن البذور، ويطبخ الجذور، ويهيئ المكسرات السامة منذ وقت طويل قبل ظهور الزراعة.
تجمع الدراسة نحو مليوني سنة من الأدلة المتفرقة لرواية قصة نظام غذائي مرن للغاية.

نُشرت الدراسة في مجلة البحوث الأثرية (Journal of Archaeological Research).
أجريت هذه الدراسة بمشاركة فرق من الجامعة الوطنية الأسترالية (ANU) وجامعة تورونتو ميسيساجا (UTM)الكندية، الذين أعادوا تقييم عشرات المواقع الأثرية الكلاسيكية بأسئلة جديدة.

اعتماد الإنسان القديم على النباتات

الأنماط الحديثة للأنظمة الغذائية paleo غالبًا تصور الماضي على أن الإنسان كان يعتمد بشكل رئيسي على اللحوم الكبيرة ويتجاهل الحبوب والنشويات.
لكن الاكتشافات الأثرية والبيولوجيا البشرية تكشف قصة أكثر تعقيدًا، حيث كانت النباتات توفر جزءًا كبيرًا من الطاقة.
قاد هذا العمل الباحثة س. آنا فلورين، عالمة الآثار النباتية في الجامعة الوطنية الأسترالية، والتي ركزت أبحاثها على كيفية استخدام الإنسان القديم للنباتات ومعالجتها في بيئات مختلفة.
في الدراسة الجديدة، وصف الباحثون البشر بأنهم نوع واسع الطيف يعتمد منذ القدم على النباتات المعالجة.

“غالبًا ما نناقش استخدام النباتات كما لو أنه أصبح مهمًا فقط مع ظهور الزراعة”، تقول فلورين، التي تتتبع استخدام النباتات منذ فترة طويلة قبل الزراعة.
كانت النظريات السابقة تصف تحولًا مفاجئًا نحو تنوع الأغذية قرب نهاية العصر الحجري القديم، بينما تشير الأدلة الجديدة إلى أن التنوع كان طبيعيًا منذ فترات أقدم بكثير.

خريطة ومخطط موقع (أ، أ1) أوهالو الثاني

المطابخ النباتية القديمة

في موقع Ohalo II بشمال فلسطين المحتلة ، سجل علماء الآثار عشرات آلاف البقايا من الحشائش والحبوب في ورقة بحثية بارزة.
ترجع هذه الترسبات إلى أواخر العصر الحجري القديم، وُجدت بجانب أدوات طحن تحمل آثار نشويات دقيقة.
في Madjedbebe بشمال أستراليا، تعرف الفريق على اليام المشوي، ولحاء النخيل، وجوز الباندانوس في تحليل مفصل.
تدل هذه البقايا على أن أقدم سكان أستراليا كانوا يطحنون، ويطهون، ويجهزون الموارد الصعبة لاستخراج السعرات الحرارية بداخلها.
“هذه القدرة على معالجة الأغذية النباتية مكنت الإنسان من استخراج العناصر الغذائية والطاقة الضرورية، والنجاح في مجموعة متنوعة من البيئات حول العالم”، تقول مونيكا رامزي، الباحثة في تكنولوجيا الغذاء القديم.
الكثير من هذه المهام كانت تحتاج أدوات خشبية أو حجرية بسيطة غالبًا ما تختفي من السجل الأثري، غيابها في بعض المواقع لا يعني تجاهل الإنسان للنباتات.

خريطة للمواقع الأثرية التي تحتوي على أدلة مباشرة على استخدام الغذاء النباتي في وقت مبكر

طاقة مستمرة في ظروف صعبة

لا يستطيع الإنسان البقاء على البروتين الخالي من الدهون لفترة طويلة، لأن الكبد يصل سريعًا إلى حدوده في تحويل الأحماض الأمينية الزائدة إلى نفايات.
يُعرف نوع من سوء التغذية باسم “تجويع الأرنب”، وقد أرهق المستكشفين خلال أسابيع عندما كانت الدهون النباتية محدودة.
أظهر مسح عالمي لـ229 مجموعة من صيادي وجامعي الطعام أن معظمهم يحصل على أكثر من نصف سعراتهم الحرارية من اللحوم، مع الاعتماد أيضًا على النباتات للحصول على الكربوهيدرات الغنية بالطاقة.
مزج الدهون من الحيوانات والكربوهيدرات من النباتات منح البشر القدامى طاقة مستمرة خلال الفصول الصعبة، وساعدهم على السفر الطويل والتكيف مع بيئات جديدة.

سجل طويل للنشا

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الإنسان، والنياندرتال، والدينيسوفان شاركوا نسخًا إضافية من جين الأميليز اللعابي منذ مئات آلاف السنين، وهو إنزيم له دور في هضم النشا، ما يدعم الأدلة الأثرية.
تتوافق هذه الأنماط الجينية مع السجل الأركيوبوتاني، الذي يوثق استخدام الحشائش البرية، والدرنات، والفواكه في قارات عدة.

الإنسان محب للنباتات

تغفل المناقشات الشائعة حول ما يُفترض أن يأكله الإنسان عن أن أجسادنا تطورت مع العديد من الأغذية النباتية وطرق الطهي.
“تطور نوعنا كبشر محبين للنباتات، يستخدمون الأدوات، قادرين على تحويل أي شيء تقريبًا إلى طعام”، تقول رامزي.
الدرس الحقيقي من هذه الدراسة هو أن النظام الغذائي البشري كان دائمًا متنوعًا ومبتكرًا، وليس محدودًا بقائمة ضيقة.
شكلت تقاليد الطهي المختلفة المطاعم الإقليمية على مدار أجيال، وكشفت كيف تكيف البشر مع النباتات لتلبية احتياجاتهم المحلية.

Exit mobile version