كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من كلية نيكولاس للبيئة بجامعة ديوك الأمريكية أن الأنهار الجوية، وهي أحزمة طويلة وضيقة من بخار الماء تتحرك في الغلاف الجوي، لا تقتصر آثارها على التسبب في الأمطار الغزيرة والفيضانات، بل تلعب أيضًا دورًا مهمًا في تكوين موجات الحر البحرية، في أول دراسة توضح العلاقة المباشرة بين الظاهرتين.
ونشرت الدراسة في دورية Nature Communications، مؤكدة أن فهم هذا التفاعل بين الغلاف الجوي والمحيطات يمثل خطوة مهمة لتفسير كيفية تأثير تغير المناخ في ارتفاع حرارة البحار مستقبلًا.
ما هي موجات الحر البحرية؟
تُعرف موجات الحر البحرية بأنها فترات ترتفع خلالها درجات حرارة مياه المحيطات إلى مستويات أعلى من المعدلات الطبيعية لأسابيع أو حتى أشهر.
وتؤدي هذه الظاهرة إلى آثار بيئية واسعة، إذ تعتمد معظم الكائنات البحرية على نطاقات حرارية محددة، ما يجعل ارتفاع حرارة المياه سببًا في اضطراب النظم البيئية البحرية، وتراجع الثروة السمكية، وإلحاق خسائر بالمجتمعات الساحلية والاقتصادات المرتبطة بالبحار.
الأنهار الجوية.. أكثر من مجرد أمطار وفيضانات
الأنهار الجوية هي أنظمة جوية مؤقتة تنقل كميات هائلة من الرطوبة عبر الغلاف الجوي، وتشتهر بتسببها في هطول أمطار غزيرة وفيضانات، خاصة في غرب الولايات المتحدة وغرب أوروبا.
لكن قبل وصولها إلى اليابسة، تقضي معظم حياتها فوق المحيطات، حيث تؤثر في درجات حرارة سطح البحر عبر عمليات معقدة لتبادل الحرارة بين الهواء والمياه.
وقال شينينج هو، الأستاذ المساعد في ديناميكيات المناخ بجامعة ديوك، إن الفريق أراد معرفة ما إذا كانت هذه التفاعلات بين الغلاف الجوي وسطح المحيط تلعب دورًا في نشوء موجات الحر البحرية.
تحليل أكثر من أربعة عقود من البيانات
اعتمد الباحثون على بيانات جمعتها الأقمار الصناعية والسفن وأجهزة الرصد المختلفة لتتبع كل من الأنهار الجوية وموجات الحر البحرية في شمال المحيط الهادئ وشمال المحيط الأطلسي، خارج المناطق المدارية، خلال الفترة من 1982 إلى 2023.
وتعد هذه المناطق من أكثر مناطق العالم نشاطًا بالنسبة لكلتا الظاهرتين، وأظهرت التحليلات الإحصائية وجود ارتباط قوي بين نشاط الأنهار الجوية وحدوث موجات الحر البحرية.
العلاقة تختلف بين الشتاء والصيف
أوضحت الدراسة أن تأثير الأنهار الجوية يختلف باختلاف الفصول.
ففي فصل الشتاء، تسبق فترات النشاط المكثف للأنهار الجوية ذروة موجات الحر البحرية بعدة أيام، ما يشير إلى أنها تسهم في تهيئة الظروف اللازمة لارتفاع حرارة سطح البحر.
أما خلال الصيف، فيلاحظ الباحثون انخفاضًا في عدد الأنهار الجوية التي تسبق هذه الموجات.
وترجع هذه الاختلافات إلى توازن عمليتين متعاكستين:
زيادة السحب المصاحبة للأنهار الجوية تقلل الإشعاع الشمسي الواصل إلى سطح البحر، ما يؤدي إلى تبريد المياه.
في المقابل، يحمل الهواء الدافئ والرطب المصاحب لهذه الأنظمة الجوية كميات إضافية من الحرارة إلى سطح المحيط، ما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارته.
ويختلف تأثير هاتين الآليتين وفق الموسم والمنطقة الجغرافية.
تغير المناخ قد يزيد الظاهرتين معًا
تشير الدراسة إلى أن موجات الحر البحرية أصبحت أكثر شدة وتكرارًا مع استمرار الاحترار العالمي، نتيجة امتصاص المحيطات معظم الحرارة الزائدة الناتجة عن تراكم غازات الدفيئة.
وفي الوقت نفسه، تشير دراسات سابقة للفريق إلى أن الأنهار الجوية نفسها تصبح أكثر قوة مع ارتفاع درجات حرارة الهواء وزيادة محتواه من الرطوبة.
ويرى الباحثون أن فهم كيفية تفاعل هاتين الظاهرتين في ظل استمرار تغير المناخ يمثل أحد أهم الأسئلة البحثية خلال السنوات المقبلة، لما يحمله من آثار مباشرة على النظم البيئية البحرية والاقتصادات الساحلية وإدارة الموارد البحرية.
