من هم رسامي الخرائط والجغرافيين الذين وضعوا أفريقيا في حجمها الحقيقي؟

العالم على الخريطة ليس كما تراه.. إسقاط جديد يكشف الحجم الحقيقي لأفريقيا

قد تبدو الخريطة مجرد وسيلة لتحديد مواقع الدول والقارات، لكنها في الحقيقة يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يرى بها العالم الجغرافيا، وحجم المناطق وأهميتها النسبية.

وفي خطوة أثارت اهتمامًا واسعًا في أوساط رسامي الخرائط والجغرافيين، أيدت الأمم المتحدة قرارًا غير ملزم يدعم استخدام إسقاط «إيرث المتساوي» (Equal Earth Projection)، وهو نموذج لخرائط العالم يهدف إلى تمثيل المساحات الحقيقية للقارات والدول بصورة أكثر عدلًا مقارنة بإسقاط «ميركاتور» الشائع الاستخدام.

والسبب الرئيسي وراء الجدل هو أن إسقاط ميركاتور، المستخدم على نطاق واسع في الخرائط العالمية، يبالغ في تقدير مساحة المناطق القريبة من القطبين، ما يجعل أفريقيا تبدو أصغر بكثير من حجمها الحقيقي عند مقارنتها بمناطق تقع في خطوط العرض العليا.

ويقول خبراء في رسم الخرائط والجغرافيا إن الانتقال إلى إسقاط أكثر دقة في تمثيل المساحات لا يتعلق بالشكل الجمالي للخريطة فقط، وإنما بالطريقة التي يتصور بها الناس حجم القارات ومكانتها في العالم.

لماذا تتغير أحجام القارات على الخرائط؟

الأرض كروية ثلاثية الأبعاد، بينما الخريطة التي نعلقها على الحائط أو نعرضها على شاشة الكمبيوتر مسطحة ثنائية الأبعاد.

وعندما يحاول رسامو الخرائط نقل سطح الكرة الأرضية إلى سطح مستوٍ، تحدث حتمًا تشوهات في الشكل أو المساحة أو المسافات أو الاتجاهات.

ولا توجد خريطة مسطحة تستطيع تمثيل الكرة الأرضية من دون أي تشويه.

ولهذا، لا يبحث رسامو الخرائط عن إسقاط «مثالي» يصلح لكل الاستخدامات، بل يختارون الإسقاط وفقًا للغرض من الخريطة والمنطقة التي يريدون التركيز عليها وطبيعة المعلومات المطلوب عرضها.

ومن بين مئات الإسقاطات الخرائطية الموجودة، صُمم Equal Earth ليكون أكثر ملاءمة لخرائط العالم ذات النطاق العالمي، خصوصًا في التعليم والاتصال الجماهيري وصنع السياسات.

ويتميز الإسقاط الجديد بأنه يحافظ بصورة أفضل على العلاقات النسبية بين مساحات القارات والدول، ما يساعد على تكوين تصور جغرافي أكثر دقة لحجم المناطق المختلفة.

عندما تتحول الألوان إلى مشكلة سياسية

ميركاتور.. خريطة مفيدة رغم تشويه المساحات

خريطة ميركاتور

 

رغم الانتقادات الموجهة إلى إسقاط ميركاتور، فإن ذلك لا يعني أنه خريطة «خاطئة» أو أن استخدامه يجب أن يتوقف.

فالإسقاط الذي وضعه الجغرافي ورسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس ميركاتور في القرن السادس عشر صُمم أساسًا لخدمة أغراض الملاحة، وليس لإجراء مقارنات دقيقة بين مساحات القارات.

وتتمثل إحدى أهم مزاياه في قدرته على الحفاظ على اتجاهات البوصلة بين نقطتين، وهو ما جعل استخدامه عمليًا في الملاحة البحرية.

ولهذا تعتمد العديد من منصات الخرائط الإلكترونية على أشكال مختلفة من إسقاط ميركاتور، خصوصًا عند تقديم خدمات الخرائط والملاحة وتحديد الاتجاهات.

أما استخدام إسقاط Equal Earth للملاحة، فلن يكون بالكفاءة نفسها، لأنه صُمم لتحقيق هدف مختلف يتعلق أساسًا بتمثيل المساحات بصورة أكثر دقة.

حتى «Equal Earth» ليست مثالية

هل ستتحول الخريطة الجديدة إلى معيار عالمي؟

رغم تأييد الأمم المتحدة للإسقاط الجديد، فإن القرار لا يعني أن جميع خرائط العالم ستتغير تلقائيًا، فالقرار الأممي غير ملزم، ولا توجد جهة عالمية واحدة تملك سلطة تحديد الإسقاط الذي يجب أن تستخدمه جميع الخرائط.

ولتحويل Equal Earth إلى نموذج افتراضي في الخرائط العالمية، ستكون هناك حاجة إلى مراجعة الخرائط المستخدمة في الكتب المدرسية وقواعد البيانات والمواد الإعلامية والإنتاج التلفزيوني والمناقشات والوثائق الدبلوماسية.

وهذه العملية تحتاج إلى موارد مالية وبشرية، ولذلك فإن اعتماد الإسقاط الجديد سيظل إلى حد كبير مرتبطًا بقرارات المؤسسات والناشرين والمصممين.

ومع ذلك، فإن الإسقاط Equal Earth الذي طوره رسامو خرائط أصبح خيارًا شائعًا بين المتخصصين منذ الكشف عنه عام 2018، كما أصبح من الممكن شراء خرائط جدارية تعتمد عليه، واستخدم بالفعل في مجموعة متنوعة من الوسائل الإعلامية.

لكن الاستخدام الواسع له يتطلب في النهاية أن تختار المؤسسات والأفراد هذا الإسقاط بدلًا من الإسقاطات الأخرى.

«أين مركز العالم؟».. سؤال ليس له إجابة واحدة

لماذا تبدو أفريقيا أصغر في خرائط ميركاتور؟

تكمن المشكلة الأساسية في الطريقة التي يعالج بها إسقاط ميركاتور المناطق القريبة من القطبين، فكلما ابتعدنا عن خط الاستواء باتجاه الشمال أو الجنوب، يزداد التشوه في المساحات.

وتبعًا للموقع، يمكن أن تظهر بعض الدول القريبة من القطبين على الخرائط بمساحات أكبر من حجمها الحقيقي بدرجات كبيرة، في حين تبدو المناطق القريبة من خط الاستواء أقرب نسبيًا إلى أحجامها الحقيقية.

وبما أن معظم أفريقيا تقع بالقرب نسبيًا من خط الاستواء، فإن القارة لا تحصل على التضخيم نفسه الذي تحصل عليه مناطق تقع في خطوط العرض الشمالية المرتفعة.

وعندما تُقارن أفريقيا على الخريطة بدول ومناطق في شمال أوروبا أو أمريكا الشمالية، يمكن أن يبدو الفارق في الحجم مختلفًا بصورة كبيرة عن الواقع الجغرافي.

وتسعى خرائط Equal Earth إلى تقليل هذه التشوهات، ما يجعل أفريقيا تبدو أكبر وأكثر قربًا من مساحتها الحقيقية مقارنة بالمناطق الأخرى.

ليست مجرد مسألة خرائط

يرى الجغرافيون أن القضية تتجاوز الدقة الرياضية للخريطة، فالخرائط لا تقدم المعلومات الجغرافية فقط، وإنما يمكن أن تسهم في تشكيل التصورات الذهنية لدى مستخدميها.

وعندما يرى الطالب أو القارئ خريطة العالم بصورة متكررة، يمكن أن تصبح العلاقات البصرية بين أحجام القارات جزءًا من تصوره عن العالم.

ومن هنا ظهر مفهوم «العدالة المعرفية» (Cognitive Justice)، الذي استخدمته دول أفريقية في النقاش حول إسقاط Equal Earth.

وتقوم الفكرة على أن البشر قد يربطون بصورة غير واعية بين الحجم الظاهر على الخريطة وبين القوة أو القيمة أو الأهمية.

وبهذه الطريقة، يمكن للخريطة التي تجعل منطقة ما تبدو ضخمة وأخرى صغيرة أن تؤثر، ولو بصورة غير مباشرة، في الصورة الذهنية للعالم.

لماذا تتغير أحجام القارات على الخرائط؟

أفريقيا.. قارة أكبر مما توحي به الخرائط

تحتل أفريقيا موقعًا محوريًا في النقاش حول إسقاطات الخرائط، ليس فقط بسبب مساحتها الجغرافية الكبيرة، وإنما بسبب التحولات الاقتصادية والديموغرافية التي تشهدها القارة.

فالدول الأفريقية تضم بعضًا من الاقتصادات الأسرع نموًا في العالم، كما تشهد القارة نموًا سكانيًا سريعًا، ما يزيد من وزنها في الاقتصاد العالمي ومستقبل الأسواق والعمل والطاقة والموارد.

ولا تستطيع خريطة جديدة بمفردها تغيير مواقف الناس أو تصوراتهم السياسية والاقتصادية.

لكن المدافعين عن Equal Earth يرون أن تصحيح «الخريطة الذهنية» للعالم يمكن أن يكون خطوة ضمن جهود أوسع لإبراز المكانة الحقيقية للقارة الأفريقية.

ومع سعي الدول الأفريقية إلى زيادة نفوذها في المؤسسات الدولية وتعزيز حضورها في القرارات العالمية، تصبح الطريقة التي يتم بها تصوير القارة وتمثيلها في التعليم والإعلام جزءًا من النقاش الأوسع حول موقع أفريقيا في النظام الدولي.

لماذا أثارت الخريطة بعض الاعتراضات؟

لم يكن الاعتراض على Equal Earth واسعًا، إلا أن التصويت في الأمم المتحدة شهد بعض حالات الامتناع والنقاشات المتعلقة بطريقة رسم الحدود والأراضي المتنازع عليها.

وأثارت أوكرانيا، على سبيل المثال، مخاوف بشأن كيفية تصوير شبه جزيرة القرم المتنازع عليها، بينما تضمنت المناقشات ردودًا روسية ومواقف من دول أخرى بشأن الأراضي المتنازع عليها.

لكن هذه النقاشات لم تكن في جوهرها تصويتًا على الحدود السياسية للدول، بل كانت مرتبطة بكيفية تمثيل العالم على الخرائط.

أما الولايات المتحدة فكانت الدولة الوحيدة التي صوتت ضد القرار، وفق المادة، إذ اعتبرت أن المقترح جزء من مشروع «راديكالي وأيديولوجي»، واعترض ممثلوها على اللغة التي تربط تشوهات إسقاط ميركاتور بالإرث الاستعماري وتهميش أفريقيا.

وفي المقابل، يرى مؤيدو الإسقاط الجديد أن قضية الخرائط ترتبط بالفعل بكيفية تشكل التصورات التاريخية عن العالم، بينما ينظر المعترضون إلى الربط بين تصميم الخريطة والإرث السياسي والاستعماري باعتباره تحميلًا للخرائط أبعادًا أيديولوجية.
https://www.youtube.com/watch?v=m5Te3JZfPDM

الخريطة لا تغير العالم.. لكنها تغير طريقة رؤيته

في النهاية، لا يتعلق الجدل حول Equal Earth بإلغاء ميركاتور، ولا بالقول إن هناك خريطة واحدة تصلح لكل الأغراض.

فميركاتور سيظل مفيدًا في الملاحة، بينما يوفر Equal Earth خيارًا أكثر ملاءمة عندما يكون الهدف هو مقارنة المساحات الحقيقية للقارات والدول على خريطة عالمية.

لكن القضية الأوسع هي أن الخريطة ليست مجرد صورة محايدة للعالم؛ فهي نتيجة لاختيارات تقنية تتعلق بما يجب الحفاظ عليه من الشكل أو المساحة أو المسافة أو الاتجاه.

وعندما تصبح إحدى هذه الخرائط هي الصورة الأكثر شيوعًا للعالم في الكتب والمدارس والإعلام، فإنها تساهم أيضًا في بناء الصورة الذهنية التي يحملها الناس عن الجغرافيا.

ولهذا فإن إعادة رسم العالم بصورة أكثر دقة في المساحات قد لا تغير الواقع الجغرافي نفسه، لكنها يمكن أن تغير الطريقة التي يُرى بها هذا الواقع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقارة مثل أفريقيا التي تبدو في بعض الخرائط أصغر بكثير مما هي عليه بالفعل.

وبذلك، فإن المعركة حول «الخريطة الصحيحة» ليست معركة بين شكلين هندسيين فحسب، بل نقاش حول كيف نمثل العالم، وما الذي نختار أن نراه بوضوح، وما الذي يمكن أن تختفي أهميته خلف خطوط الخريطة.

 

Exit mobile version