ذوبان الأنهار الجليدية يهدد التنوع البيولوجي العالمي واستقرار النظم البيئية

بحث جديد يكشف: تراجع الجليد يسرّع اختلال النظام البيئي

تذوب الأنهار الجليدية بشكل أسرع من أي وقت مضى، مما يهدد التنوع البيولوجي واستقرار النظام البيئي في جميع أنحاء العالم.

يُعد تراجع الأنهار الجليدية على كوكب الأرض أحد المؤشرات الأكثر وضوحًا ودراماتيكية لتأثير تغير المناخ على النظم البيئية عالميًا.

وقد ألقى بحث جديد، نُشر في مجلة Nature Reviews Biodiversity، الضوء على كيفية دفع هذا التراجع لتغيرات جذرية في الجليد والمياه والأراضي، وكيف يهدد فقدان الجليد صحة كوكب الأرض.

حلّل الباحثون أكثر من 160 ورقة علمية تناولت جوانب محددة من تراجع الأنهار الجليدية، لتقديم رؤية شاملة عن التأثير العالمي لهذا التراجع على التنوع البيولوجي ووظائف النظام البيئي.

وقد تبين أن آلاف الأنواع التي تطورت لتعيش في هذه النظم البيئية الفريدة مهددة بسبب الذوبان السريع للأنهار الجليدية.

شارك في إعداد الدراسة علماء من شتى أنحاء العالم، بما في ذلك باحثو برنامج تأمين مستقبل البيئة في القارة القطبية الجنوبية (SAEF) من جامعة ولونغونغ (UOW)، والمسح البريطاني للقطب الجنوبي، وجامعة كامبريدج، وجامعة أوتاجو، وجامعة لوزان، وجامعة مينيسوتا، وجامعة ميلانو.

الأنهار الجليدية مهددة

جليد قد يبلغ عمره آلاف السنين

قالت البروفيسورة المتميزة شارون روبنسون، الزميلة في مجلس البحوث الأسترالي (ARC) ونائبة المدير التنفيذي للعلوم في مؤسسة SAEF، إن الأنهار الجليدية تحتوي على جليد قد يبلغ عمره آلاف السنين، ما يمنح الباحثين نافذة نادرة على تاريخ الأرض وتطورها البيئي.

وأضافت روبنسون: “تُعد الأنهار الجليدية من أهم الأدوات لفهم صحة كوكبنا، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في درجات الحرارة العالمية، فهي تحتضن تنوعًا بيولوجيًا فريدًا يشمل جميع ممالك الحياة، لكن هذا التنوع بات مهددًا مع استمرار تراجع الجليد.”

متوقع فقدان ثلث كتلة الجليد بحلول 2050

يُحدث ذوبان الأنهار الجليدية تغييرات جذرية في التنوع البيولوجي ووظائف النظم البيئية في عدد لا يُحصى من الموائل، بدءًا من سطح الجليد وصولًا إلى النظم البيئية البرية والبحرية التي انكشفت حديثًا.

وتضم هذه النظم آلاف الأنواع من الكائنات الدقيقة والنباتات واللافقاريات والفقاريات.

ومع استمرار الاحترار العالمي، تتراجع الأنهار الجليدية بمعدلات غير مسبوقة، ومن المتوقع أن تفقد ثلث كتلتها على مستوى العالم بحلول عام 2050.

وتتشكل الأنهار الجليدية على اليابسة، وعندما تذوب تدريجيًا، تغذي الأنهار والجداول.

أما الذوبان السريع، فيضغط على النظم البيئية المحلية، ويقوّض الأمن المائي للكائنات الحية، ويساهم في ارتفاع منسوب البحار.

كما يؤدي هذا التراجع إلى اضطرابات في تيارات المحيطات، وقد ارتبط بظهور أنماط مناخية مدمرة وانهيار مصائد الأسماك حول العالم.

فقدت الأنهار الجليدية في سويسرا، ونهر الرون الجليدي 2.4% من حجمها خلال عام

سلسلة من التغيرات في الأنواع

يطلق اختفاء الأنهار الجليدية سلسلة من التغيرات في الأنواع والمغذيات التي تعتمد على هذه المواطن الحيوية.

وبينما تتيح المساحات الجديدة التي تخلّفها الأنهار المتراجعة فرصة لانتشار الأنواع الرائدة، إلا أن فقدان النظم البيئية الأصلية يؤدي في النهاية إلى تراجع التنوع البيولوجي.

وقالت روبنسون، إن “الأنواع العامة التي تستطيع العيش في بيئات متنوعة تسيطر تدريجيًا على المشهد، بينما تتراجع الأنواع المتخصصة الفريدة التي كانت سائدة في بيئات الأنهار الجليدية”.

وأشارت إلى أن ثلاثة أرباع المياه العذبة على كوكب الأرض مخزنة في الأنهار الجليدية، مما يعني أن ذوبانها السريع قد يؤدي إلى اختفاء أو اضطراب كبير في النظم البيئية المائية، ويشمل ذلك مصادر الغذاء، ومناطق البحث عن الطعام، ومواقع التزاوج، وقد يتسبب في انقراضات محلية.

حتى الثدييات التي تعتمد على الأنهار الجليدية كملاجئ أو أماكن للتعشيش تواجه مستقبلًا غامضًا، مع تآكل تدريجي للوظائف الحيوية التي تؤديها الأنهار الجليدية.

تدهور وذوبان الأنهار الجليدية

الحاجة لتطوير استراتيجيات دقيقة

وأكدت روبنسون، أن المراجعة تُبرز الحاجة إلى فهم أعمق لكيفية تطور النظم البيئية والتفاعلات المعقدة بين الأنواع في مرحلة ما بعد تراجع الأنهار الجليدية، مشددة على أهمية تطوير استراتيجيات دقيقة للحفاظ على هذا الإرث الطبيعي الفريد.

وقالت: “نحتاج إلى فهم التأثيرات لتوجيه السياسات وممارسات الحفظ والإدارة، بما يسهم في التخفيف من التغيرات المدمرة التي تحدث في البيئات الجليدية”.

وقد أعلنت الأمم المتحدة عام 2025 عامًا دوليًا للحفاظ على الأنهار الجليدية، بهدف رفع الوعي العالمي بالدور المحوري لهذه الأنهار في النظام المناخي والدورة المائية، فضلًا عن التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي قد تترتب على تراجعها.

Exit mobile version