يبدو الماء مألوفًا في كوب زجاجي، لكنه يتصرف بطريقة مختلفة تمامًا عند دفعه إلى أقصى حدوده الفيزيائية، فقد اكتشف باحثون في جامعة مانشستر أن الماء، عندما يُحاصر داخل قنوات فائقة الدقة بين بلورات ذرية، يمكنه توصيل التيار الكهربائي بكفاءة تزيد بما يصل إلى 100 ألف مرة مقارنة بالماء العادي.
تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن العديد من العمليات الأساسية في الطبيعة لا تحدث في أعماق السوائل، بل في المناطق الرقيقة التي يلامس فيها الماء الأسطح الصلبة، وتغيير طريقة انتقال الشحنات الكهربائية في هذه المناطق الدقيقة قد يعيد تشكيل فهمنا للكيمياء داخل الخلايا الحية وكذلك داخل المواد المتقدمة.
في الظروف الطبيعية، ترتبط جزيئات الماء ببعضها عبر شبكة من الروابط الهيدروجينية الضعيفة، وهي شبكة ديناميكية تساعد الماء على إذابة الأملاح، واستقرار البروتينات، ومنحه قدرة غير متوقعة نسبيًا على نقل الشحنات الكهربائية.
مياه الواجهة
قاد الدراسة الفيزيائية لورا فوماجالي، المتخصصة في القياسات على مقياس النانو بجامعة مانشستر، حيث يتركز عملها على سلوك الماء والسوائل الأخرى عندما تُحبس بين مواد مسطحة على المستوى الذري.
وقد نُشرت الدراسة في دورية «نيتشر».
تلعب «مياه الواجهة»، وهي الطبقة الرقيقة التي تتكون عند تماس الماء مع سطح صلب، دورًا محوريًا في التفاعلات الكيميائية الحيوية، ففي الخلايا الحية، تبطن هذه الطبقة الأغشية والبروتينات والحمض النووي، ما يعني أن أي تغير في سلوكها يمكن أن يؤثر بعمق على كيمياء الحياة.
أنشأ الفريق قنوات نانوية ضيقة للغاية، بارتفاع لا يتجاوز أجزاء من النانومتر، من خلال تكديس طبقات من الجرافيت ونيتريد البورون السداسي، وتدفّق الماء إلى داخل هذه القنوات مكوِّنًا طبقات مسطحة تمامًا، مخفية بين البلورات.
وباستخدام تقنية تُعرف بالمجهر العازل الماسح، تمكّن الباحثون من قياس الاستجابة الكهربائية المحلية للماء داخل كل قناة. وأظهرت القياسات، التي غطت نطاقًا واسعًا من الترددات الكهربائية، كيف تتغير قدرة الماء على تخزين الشحنات ونقلها مع زيادة شدة الحبس.
عند أقصى درجات الحبس، ارتفع الثابت العازل داخل مستوى الطبقة إلى نحو 1000، كما بلغت الموصلية الكهربائية عدة سيمنز لكل متر، وهي قيم تقارب تلك المسجلة في بعض الموصلات البروتونية التجارية، بل وتتشابه مع خصائص مواد تُعرف بالسوائل فائقة الأيونية.

الماء شبه ثنائي الأبعاد
ومع تضييق الفجوة تدريجيًا، ازدادت قدرة البروتونات، أي أيونات الهيدروجين الموجبة، على التحرك جانبيًا داخل طبقات الماء، وبلغ هذا التأثير ذروته عندما تلامست طبقتا الماء المتجاورتان، مكوّنتين ما يُعرف بالماء شبه ثنائي الأبعاد، حيث تصطف الجزيئات في أربع أو خمس طبقات فقط.
في هذا الوضع، تصبح شبكة الروابط الهيدروجينية أكثر اضطرابًا داخل كل طبقة، ما يسهل إعادة ترتيب ثنائيات القطب والبروتونات أفقيًا، ويسهم ذلك في تسريع آلية «جروتهوس»، التي تنتقل فيها البروتونات عبر قفزات متتالية بين جزيئات الماء.
تشير النتائج إلى أن أغشية الخلايا والأسطح البروتينية، التي تحتوي على عدد هائل من التجاويف النانوية، قد تسمح بتوجيه تدفق الشحنات بطرق أكثر كفاءة مما تفترضه النماذج المعتمدة على خصائص الماء السائب.
كما قد تستفيد تقنيات الطاقة والأغشية الصناعية من هذه الطبقات الغنية بالبروتونات لتصميم مواد جديدة تنقل الشحنات والإشارات بكفاءة غير مسبوقة.
تؤكد هذه النتائج أن الماء، رغم كونه أكثر السوائل شيوعًا على كوكب الأرض، لا يزال يخفي «شخصيات إلكترونية» غير متوقعة عندما يُحاصر داخل ممرات ذرية مسطحة.






